تمثل روسيا رقما مهما في المعادلات الدولية، فهي قوة سياسية واقتصادية مهمة، من هذا المنطلق لابد أن نقوم قراءة وضع روسيا وسياستها، فالأكثر من عقدين تري روسيا نفسها قوة إقليمية في عالم متعدد الأقطاب، لذا فلديها مواقف انتقائية تجاه النظام الغربي الذي تقوده الولايات المتحدة، وهي تمهد لعالم ما بعد الغرب، السياسات الروسية مبنية علي ركائز ثلاثة هي:
أولا: تسعي روسيا إلي الحفاظ علي الدول التي كانت تابعة للاتحاد السوفيتي سابقا، ضمن دائرة نفوذها، وهي تعتبرها مجالها الحيوي ، ومارست ذلك عبر منظمات إقليمية بقيادة روسيا، عبر روابط اقتصادية وأمنية ، فالاتحاد الاقتصادي الاوراسي أعطي روسيا مساحة خففت بقوة العقوبات الاقتصادية التي فرضت علي روسيا ابان الحرب الروسية الأوكرانية.
ثانيا : تري روسيا أن تقويض الهيمنة الأمريكية علي العالم مطلب اساسي، ويأتي ذلك من خلال أخطأ الغرب ذاته مثل من أخطأ قاتلة في أفغانستان وحرب غزة الأخيرة، وهو ما يؤدي لمأسسة نظام عالمي جديد ، ويشير السياسيين الروس إلي التدخلات الغربية كمحرك لعدم الإستقرار الإقليمي وانعدام الأمن العالمي، الساسة الروس أن الغرب مجزأ ، وأن النظام الدولي غير مستقر ، ويخضع لتحولات عميقة.
ثالثا : التدخل الروس المباشر لدعم ومساندة الموالين لها أو المتوافقين معها سياسيا ، فضلا عن تعزيز البعد الجيوسياسي للحملات المناهضة لتعزيز الديموقراطية والقيم الليبرالية ، من هنا نري دور لروسيا في دعم النخب السياسية والأحزاب المعارضة للناتو والأتحاد الأوربي، كما تسعي روسيا إلي مفاقمة الاستقطاب السياسي والحركات الانفصالية في الدول الغربية عبر جملات التضليل.
بعيدا عن الغرب
كان للأتحاد الاقتصادي الأوراسي الذي أنشأته روسيا ، البنية القانونية لكثير من عمليات تفادي العقوبات الاوربية ، فباتت محطة لاعادة تصدير المنتجات الروسية، مما خفف من وطأة العقوبات الغربية علي روسيا ، وجاء انضمام روسيا لمنظمة شنغهاي للتعاون ، والبريكس لتقويض هيمنة الغرب علي النظام الغربي.
روسيا تري نفسها كونها قوة عظمي استثنائية علي الساحة الدولية، وتدعم ذلك بالأساطير الوطنية والتراث الأرثوذكسي مع وجود عالم روسي فريد من نوعه، فلاديمير بوتين هو من يدفع بقوة في هذا الاتجاه ، ليؤكد علي أن الكثير من مشاعر القوة العظمي لها جذور تعود إلي قرون سحيقة.
تستدعي روسيا شعورا بالاستحقاق التاريخي للقطب الشمالي فروسيا جغرافيا لديها نصف ساحل القطب الشمالي و 40% من مساحة الأرض خارج الدائرة القطبية الشمالية ، في حين أن الموارد الطبيعية الهائلة في القطب الشمالي تحتوي علي 30 % من احتياطات الغاز الطبيعي غير المكتشفة في العالم ، القطب الشمالي يقرع أذان الروس ليس بالثروة وحسب بل بوصفه امتداد طبيعي للإمبراطورية الروسية، ومن هنا نستطيع أن نفسر اهتمام الولايات المتحدة بجرينلاند.
تسعي روسيا عبر الاستعداد القتالي والتعبئة لضمان الحقوق السيادسة في القطب الشمالي ، وشيدت قاعدة تريفل العسكرية عام 2017 لتشكل جزءا من القيادة الاستراتيجية المشتركة في القطب الشمالي ، مع تنشيط طريق الحرير القطبي ليكون مسار تجاري جديد يخدم روسيا وحليفتها الصين.
الواقعية الروسية برزت عند توقيع روسيا علي اتفاقية مورمانسك مع النرويج في عام 2010 التي شهدت تسوية نزاع حدودي دام 40 عاما من خلال اتفاق خط تعيين الحدود في بحر بارنتس ، وعد أنذاك رمزا للنوايا الروسية اللاعدائية.
إن السؤال الحيوي هنا أين موقع مصر والعرب بالنسبة لروسيا، في حقيقة الأمر روسيا تقدر موقف العديد من الدول العربية من العقوبات ضدها بسبب حرب أوكرانيا، فمعظم بل غالبية الدول العربية لم تنخرط في العقوبات الغربية ضد روسيا، كما أن العديد من الدول العربية لديها علاقات ممتده مع روسيا كالجزائر، لكن خسارة روسيا ليبيا ثم سوريا ، جعل من روسيا حذره مع المنطقة العربية ، وهي تركز علي المنافع الافتصادية أكثر من النفوذ السياسي ، فروسيا الأن البعيدة عن الأيدلوجيا تفكر بصورة نفعية لصالح روسيا ورثية الامبراطورية القيصرية الروسية ، هذه الفلسفة النفعية تجعل لها الحق في التعامل مع أضداد ، ولذا فهي غير معنية بالخلافات بين الدول وتضارب المصالح، بقدر ما هي معنية بما سيأتيها من منافع.