من احتكار المنبر إلى تفكك الرسالة.. كيف تحولت المنصات الإخوانية في الخارج لمراكز نفوذ تتصارع على الجمهور والتمويل؟ من فضائيات زوبع لشبكات عبد المقصود ومنصات الكاشف.. من «صوت الجماعة» لأصوات تتنافس على الجماعة

الجمعة، 09 أكتوبر 2026 12:00 م
من احتكار المنبر إلى تفكك الرسالة.. كيف تحولت المنصات الإخوانية في الخارج لمراكز نفوذ تتصارع على الجمهور والتمويل؟ من فضائيات زوبع لشبكات عبد المقصود ومنصات الكاشف.. من «صوت الجماعة» لأصوات تتنافس على الجماعة الاخوان الإرهابية

كتب: عزوز الديب

 

لم تعد معركة الإخوان الإرهابية في الخارج تدور فقط داخل الغرف المغلقة التي تتصارع فيها القيادات على الشرعية، فقد انتقل جانب مهم من هذا الصراع إلى مكان أكثر تأثيرًا وأوسع انتشارًا: الشاشة والهاتف والمنصة الرقمي، ومع تراجع قدرة التنظيم على إنتاج خطاب واحد، ظهرت مساحات إعلامية ورقمية متعددة، لم تعد مهمتها مجرد نقل موقف تنظيمي جاهز، وإنما أصبحت كل منصة منها قادرة على صناعة روايتها، وتكوين جمهورها، والتأثير في اتجاهات النقاش داخل الدوائر المحسوبة على الجماعة وخارجها.

وهنا يمكن فهم التحول من نموذج حمزة زوبع، الذي ارتبط حضوره لسنوات بالإعلام الفضائي والخطاب السياسي الموجه من الخارج، إلى نموذج أكثر تعقيدًا يقوم على إدارة المحتوى وتوزيعه رقميًا، وهو ما ارتبط في تقارير إعلامية وبحثية باسم صهيب عبد المقصود، ثم إلى نموذج المنصة الشخصية التي يمثلها صهيب الكاشف. وبين هذه النماذج الثلاثة تغيرت الأدوات بصورة جذرية، لكن الهدف الأساسي ظل واحدًا: الوصول إلى الجمهور وامتلاك القدرة على التأثير فيه.

عندما كانت الشاشة هي مركز القوة
 

في المرحلة التي سبقت انفجار البيئة الرقمية، كان امتلاك الشاشة يعني امتلاك واحدة من أهم أدوات التأثير. المذيع كان بوابة الرسالة، والبرنامج كان مساحة تشكيلها، والقناة كانت قادرة على منح الخطاب انتشارًا يتجاوز الحدود. وفي هذا السياق برز اسم حمزة زوبع بوصفه أحد الوجوه الإعلامية المرتبطة بخطاب جماعة الإخوان في الخارج. ولم يكن حضوره مجرد ظهور إعلامي عابر، بل جاء ضمن منظومة أوسع استخدمت الفضائيات والمنصات الخارجية في تقديم رواية الجماعة للأحداث المصرية.

كما ارتبط اسم زوبع قضائيًا بقضية «اللجنة الإعلامية»، التي صدر فيها عام 2023 حكم بالسجن المؤبد بحقه،  في اتهامات تضمنت نشر أخبار وبيانات قالت النيابة إنها كاذبة، مع إدراج المتهمين في القضية على قوائم الإرهاب، لكن أهمية نموذج زوبع بالنسبة إلى قراءة المشهد لا تتوقف عند القضية القضائية، وإنما تكشف مرحلة كان فيها الإعلام جزءًا من بنية التأثير السياسي والتنظيمي؛ رسالة تُصاغ داخل دوائر محددة، ثم تصل إلى الجمهور عبر مذيع وقناة ومنصة معروفة، هذه المعادلة لم تعد هي الحاكمة.

الخوارزمية كسرت احتكار الشاشة
 

مع صعود مواقع التواصل الاجتماعي، تغيرت قواعد اللعبة. لم يعد امتلاك قناة فضائية شرطًا للوصول إلى الجمهور، ولم تعد الرسالة بحاجة إلى المرور عبر مذيع أو مؤسسة إعلامية كبيرة حتى تصبح قابلة للانتشار، أصبح بإمكان حسابات متعددة إعادة إنتاج الفكرة نفسها، وتغيير صياغتها، وتوزيعها على منصات مختلفة، ثم دفعها إلى مساحات أوسع من خلال التفاعل والهاشتاجات وإعادة النشر.

وهنا تبرز التقارير التي تحدثت عن نشاط رقمي مرتبط بصهيب عبد المقصود، ونقلت عن الباحث ماهر فرغلي معلومات بشأن إشرافه على مجموعات ووحدات إلكترونية متخصصة في الترويج والهاشتاجات والحسابات المزيفة وغيرها من أدوات النشاط الرقمي. وهذه التفاصيل، بحسب طبيعة المصادر المنشورة، يجب التعامل معها باعتبارها معلومات منسوبة إلى مصادر بحثية وإعلامية، لا باعتبارها أحكامًا قضائية ثابتة في كل جزئياتها.

لكن الأهم من الشخص نفسه هو النموذج الذي يعكسه: انتقال العمل من إعلام يعتمد على واجهة واحدة إلى منظومة يمكن توزيع أدوارها بين إنتاج المحتوى، ونشره، وإعادة تدويره، ومحاولة دفعه إلى دائرة الاهتمام، وهنا أصبحت المعركة مختلفة؛ فلم يعد السؤال «من يملك الميكروفون؟»، وإنما «من يستطيع دفع الرسالة عبر الخوارزمية؟».

المنصة الشخصية تنافس المؤسسة
 

في المرحلة الأحدث، ظهر نمط آخر من التأثير: لم تعد القوة مرتبطة بالفضائية أو حتى بالشبكة الرقمية الكبيرة، وإنما أصبح الشخص نفسه قادرًا على بناء منصة وجمهور مستقلين، وفي هذا السياق يظهر صهيب الكاشف كنموذج للانتقال إلى مساحة المنصات الشخصية، حيث لم يعد المتلقي ينتظر رسالة تأتيه من مؤسسة إعلامية تحمل اسمًا معروفًا، بل يتابع شخصية تستطيع إنتاج المحتوى باستمرار وبناء علاقة مباشرة مع جمهورها.

وهنا حدث تغير جوهري في طبيعة النفوذ. فالمتابعون أصبحوا أصلًا من أصول القوة، والتفاعل أصبح مؤشرًا على الحضور، والمنصة الشخصية تحولت من مجرد وسيلة نشر إلى مساحة مستقلة لصناعة التأثير، وبذلك لم يعد امتلاك المنبر امتيازًا تنظيميًا بالضرورة؛ فقد يستطيع شخص خارج أي موقع قيادي تقليدي أن يمتلك جمهورًا أكبر من جمهور مؤسسة، وأن يصبح قادرًا على فرض روايته داخل النقاش الإخواني.

عندما بدأت المنصات تتحدث باسم أصحابها
 

هذه النقلة أنتجت مشكلة جديدة للجماعة: كلما زادت المنصات، أصبح من الصعب الحفاظ على رواية واحدة، ففي النموذج التنظيمي التقليدي، كان يفترض أن تتحرك الرسالة من المركز إلى القاعدة، أما في البيئة الرقمية فإن الاتجاه يمكن أن يكون معاكسًا؛ شخصية تمتلك جمهورًا تبدأ في إنتاج خطابها، ثم يتحول هذا الخطاب إلى مادة للنقاش داخل القواعد، وقد تجد القيادات نفسها مضطرة إلى التعامل معه بدلًا من أن تكون هي المصدر الوحيد للرسالة، وهكذا تحولت المنصات تدريجيًا من أدوات لنقل القرار إلى أدوات للمشاركة في صناعة القرار والرأي.

وهذه النقلة تحديدًا تفسر جانبًا من ظاهرة تعدد ما يمكن وصفه بـ«الدكاكين الإعلامية» داخل دوائر الإخوان؛ فالمقصود ليس مجرد كثرة القنوات والحسابات، وإنما انتقال جزء من سلطة التأثير من التنظيم إلى أصحاب المنابر.

المال يدخل على خط المعركة
 

كلما أصبحت المنصة مصدرًا للجمهور، أصبح الجمهور جزءًا من معادلة النفوذ، ومن هنا تتقاطع الحرب الإعلامية مع الصراع على الموارد، فالمنصة واسعة الانتشار تمنح صاحبها قدرة أكبر على جذب المؤيدين، وتوسيع شبكة العلاقات، وتقديم نفسه كصوت مؤثر، وهو ما ينعكس على موقعه داخل الصراعات بين التيارات والجبهات. وبالتالي، لا يمكن فصل السؤال الإعلامي عن سؤال التمويل والنفوذ، فامتلاك الموارد يساعد على إنتاج المحتوى وتوسيعه، بينما يمنح الانتشار صاحبه وزنًا يمكن استخدامه في معارك النفوذ.
ومن هنا تصبح المنصة حلقة داخل دائرة أكبر: المال يدعم المنصة، والمنصة تصنع الجمهور، والجمهور يمنح النفوذ، والنفوذ يعزز موقع صاحبه في الصراع.

المنصات لم تعد تواجه الخارج فقط
 

الأكثر دلالة أن الأدوات التي استخدمت في السابق لمخاطبة الجمهور ضد الدولة أو للتأثير في الرأي العام أصبحت تُستخدم كذلك داخل البيئة الإخوانية نفسها، فالخصم لم يعد بالضرورة مؤسسة رسمية أو طرفًا سياسيًا من خارج الجماعة؛ يمكن أن يكون قيادة إخوانية منافسة، أو جبهة أخرى، أو شخصية اختلفت مع أصحاب المنصة، وهكذا أصبح الصراع الرقمي مرآة للانقسام التنظيمي. كل جبهة تستطيع بناء جمهورها، وكل شخصية تستطيع تقديم روايتها، وكل منصة تستطيع مهاجمة خصومها وإعادة تعريف الخلاف من زاويتها. وهنا تظهر المفارقة الكبرى: الأداة التي كان يفترض أن تساعد الجماعة على الحفاظ على تماسك خطابها أصبحت أحد مظاهر تشتته.

من «صوت الجماعة» إلى أصوات تتنافس على الجماعة
 

في النهاية، لا تكمن أهمية التحول من زوبع إلى عبد المقصود ثم الكاشف في اختلاف الأشخاص، وإنما في اختلاف البيئة التي يعملون داخلها، زوبع يمثل زمنًا كانت فيه الشاشة بوابة التأثير، بينما يعكس نموذج عبد المقصود انتقال الصراع إلى شبكات أكثر تعقيدًا من التوزيع الرقمي، في حين يعبر نموذج الكاشف عن مرحلة أصبح فيها الفرد قادرًا على بناء منصة وجمهور مستقلين.

ثلاثة نماذج لثلاث مراحل من تطور الأداة، لكن النتيجة الأهم واحدة: الإعلام الإخواني لم يعد مجرد ذراع للقرار التنظيمي، وإنما أصبح أحد ميادين الصراع على القرار نفسه، ففي زمن الفضائيات كان من يملك الشاشة يملك مساحة التأثير، أما في زمن الخوارزميات فأصبح من يملك الجمهور قادرًا على صناعة الشاشة الخاصة به. ومع تعدد الشاشات والمنصات والجبهات، لم يعد الإخوان أمام أزمة خطاب واحد مفقود فقط، بل أمام واقع جديد تتنافس فيه أصوات عديدة على تمثيل تنظيم تتآكل قدرته على احتكار الرسالة.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة