لم تعد المنصات الإعلامية المحسوبة على جماعة الإخوان الإرهابية في الخارج تؤدي الدور الذي حاولت الجماعة تقديمه لسنوات باعتباره وسيلة للتعبير السياسي أو الدفاع عن رؤيتها، بعدما تحولت أجزاء من هذا المشهد إلى ساحات مفتوحة للصراع الداخلي وتبادل الاتهامات والهجوم الشخصي، في صورة تعكس اتساع الخلافات بين الأجنحة والشخصيات، وتراجع القدرة على تقديم خطاب موحد للجمهور.
المنصات الإخوانية تشهد تراشق وسباب ومهاترات
ومن هنا يرى طارق أبو السعد، الباحث في شؤون الحركات المتطرفة، أن ما تشهده المنصات الإخوانية من تراشق وسباب ومهاترات لا يمكن فصله عن حالة الانقسام التي تضرب التنظيم في الخارج، موضحًا أن انتقال الخلافات من الغرف المغلقة إلى الشاشات والحسابات الرقمية يكشف عن تحول المنصة نفسها إلى أداة من أدوات الصراع على النفوذ والجمهور والموارد.
ويؤكد أبو السعد أن الخطاب الإعلامي لأي تنظيم يعتمد على وجود قضية واضحة ورسالة يمكن الدفاع عنها، لكن عندما تتراجع القدرة على تقديم خطاب سياسي مقنع، تتحول المعركة تدريجيًا إلى الأشخاص، ويصبح الهجوم على الخصوم بديلًا عن مناقشة الأفكار، وتتحول الاتهامات المتبادلة إلى مادة أساسية لجذب المتابعين.
وتكشف التطورات الأخيرة عن هذا التحول؛ إذ لم يعد الصراع بين جبهات الجماعة محصورًا في الخلاف حول القيادة أو المواقف التنظيمية، وإنما امتد إلى المجال الإعلامي، بحيث بات لكل طرف منبره ومساحته الإلكترونية والجمهور الذي يحاول التأثير فيه.
وأشارت تقارير إعلامية حديثة إلى أن الانقسام انعكس على شبكة المنصات والقنوات والمواقع المرتبطة بالجماعة، مع ظهور مراكز متنافسة لإنتاج الرسائل الإعلامية. مضيفًا؛ أن هذه الحالة تفسر جانبًا من حدة الخطاب المتبادل، لأن المنصة لم تعد مجرد وسيلة لنقل قرار تنظيمي، وإنما أصبحت بالنسبة لبعض الأطراف وسيلة لإثبات الوجود داخل الجماعة نفسها، فكل شخصية أو جبهة تحاول التأكيد على أنها الأقدر على تمثيل التنظيم، وهو ما يجعل الجمهور جزءً من الصراع وليس مجرد متلقٍ للرسائل.

طارق أبو السعد الباحث في شؤون الحركات المتطرفة
من الخطاب السياسي إلى تصفية الحسابات
وبحسب الباحث، فإن أخطر ما في هذا التحول هو أن المنصات التي يفترض أن تقدم خطابًا سياسيًا أصبحت في بعض الأحيان مشغولة بتصفية الحسابات الداخلية، فتتحول القضية من الحديث عن السياسات والأفكار إلى التشكيك في الأشخاص والطعن في النوايا وتبادل الاتهامات، وهو ما يؤدي إلى إفراغ الخطاب من مضمونه السياسي. وتظهر هذه الصورة بوضوح مع تعدد الأصوات والمنابر المرتبطة بالصراع الداخلي، حيث لم تعد هناك رواية واحدة تستطيع احتواء الخلافات، وإنما ظهرت روايات متنافسة، لكل منها أدواتها الإعلامية وحساباتها الرقمية. وقد رصدت تقارير حديثة انتقال الخلافات بين شخصيات ومنصات مرتبطة بالجماعة إلى الفضاء العام، مع تحول الحسابات والمنابر إلى ساحات للمواجهة وتبادل الاتهامات.
ويشير أبو السعد إلى أن استخدام الشتائم والتجريح في إدارة الخلافات يعكس أزمة أعمق من مجرد خلاف إعلامي، لأن التنظيم الذي كان يقدم نفسه باعتباره شديد الانضباط والتنظيم يجد نفسه أمام مشهد متعدد الأصوات، تتنافس فيه الشخصيات على الجمهور، وتتداخل فيه الأدوار بين القيادي والإعلامي وصاحب المنصة والمؤثر الرقمي. مؤكدًا هنا تظهر مفارقة أساسية: فكلما زادت المنصات، لم يزد بالضرورة تماسك الخطاب، وإنما اتسعت مساحة الخلاف، وأصبح الجمهور يشاهد الصراع الداخلي بدلًا من أن يتلقى رسالة سياسية متماسكة.
زوبع والكاشف وعبد المقصود.. المنصة في قلب الصراع
وأشار أبو السعد أن المشهد الإعلامى الحالي عدد من الأسماء التي ارتبطت بالمسارات المختلفة للخطاب الإخواني في الخارج، من بينها حمزة زوبع، وصهيب عبد المقصود، وصهيب الكاشف، وسط شبكة أوسع من المنصات والحسابات التي أصبحت جزءً من المنافسة على التأثير. حيث تشير التغطيات المنشورة حديثًا إلى أن الخلاف لم يعد فقط حول من يمثل الجماعة سياسيًا، وإنما أصبح أيضًا حول من يمتلك القدرة على الوصول إلى الجمهور وصناعة التأثير، وهو ما جعل المنصة ذاتها جزءً من معادلة النفوذ.
وفسر أبو السعد ذلك بأن تطور وسائل الاتصال أدى إلى تراجع فكرة المركز الإعلامي الواحد، فلم تعد القناة الفضائية أو المتحدث الرسمي قادرًا وحده على احتكار الرسالة، بعدما أصبح الهاتف المحمول قادرًا على صناعة منصة، والمنصة قادرة على صناعة جمهور، والجمهور قادرًا بدوره على منح صاحب المنصة نفوذًا داخل المشهد. مضيفًا؛ أن هذه البيئة الرقمية تجعل الخلافات أكثر قابلية للانتشار، لأن كل طرف يستطيع الرد على الآخر بصورة فورية، ثم يعيد أنصاره نشر الردود والمقاطع والاتهامات، فتتحول المشاجرة نفسها إلى محتوى إعلامي، ويصبح الصراع الداخلي موضوعًا للتداول بدلًا من أن يبقى شأنًا تنظيميًا مغلقًا.
الشتائم ليست خطابًا سياسيًا
ويرى الباحث أن انتقال الخطاب من مناقشة الأفكار إلى الشتائم والتجريح يكشف حدود القدرة على تقديم مشروع سياسي متماسك، موضحًا أن المعارضة السياسية، أيا كان موقفها، تحتاج إلى خطاب قابل للنقاش يقوم على المعلومات والحجج والبرامج، بينما لا يمكن للسباب والتشهير أن يشكلا بديلًا دائمًا عن الخطاب السياسي. واصفًا؛ انحدار الخطاب الإعلامي لمنصات الجماعة في الخارج ولجوء بعض مذيعيها إلى التراشق والمهاترات بأنه مؤشر على الأزمة السياسية والفكرية التي تواجهها تلك المنصات، و فقدان القواعد والتنافس على التمويل والسيطرة يمكن أن يدفع الأطراف إلى استخدام الإثارة والحدة اللفظية لجذب التفاعل. وربط الباحث بين صراعات المناصب والتمويل وبين انتقال التناحر من الدوائر التنظيمية المغلقة إلى المنصات الإعلامية، مؤكدًا أن الاتهامات المتبادلة أصبحت وسيلة لكل طرف لتعزيز نفوذه واستقطاب الأنصار على حساب الطرف الآخر.
وفي هذا السياق، يصبح تعدد المنصات انعكاسًا لتعدد مراكز القوة داخل التنظيم، وليس بالضرورة دليلًا على تنوع طبيعي في وسائل الإعلام، إذ تتحول كل منصة إلى مساحة للتعبير عن موقف جبهة أو شخصية، ويصبح الخلاف حول المحتوى جزءً من خلاف أكبر حول القيادة والموارد والشرعية التنظيمية.
منبر واحد لم يعد يكفي لإخفاء الانقسام
وأكد أبو السعد؛ أن المشهد الإعلامي الإخواني في الخارج يعكس بصورة واضحة طبيعة الأزمة التي يعيشها التنظيم، فبدلًا من أن تكون المنصات وسيلة لإظهار التماسك، أصبحت في بعض الأحيان نافذة تكشف التنافس الداخلي، ومع انتقال الخلافات إلى العلن، أصبح الجمهور قادرًا على متابعة تفاصيل الصراع التي كانت في السابق تُدار خلف الأبواب المغلقة. وبذلك فقد تحولت المعركة من محاولة تقديم خطاب واحد إلى منافسة بين خطابات، ومن الدفاع عن مشروع سياسي إلى الدفاع عن كل طرف في مواجهة الطرف الآخر، ومن استخدام المنصة لمخاطبة الجمهور إلى استخدامها في الصراع على الجمهور. وإن أزمة المنصات الإخوانية لا تتعلق فقط بمحتوى برنامج أو منشور أو خلاف بين شخصيات، وإنما تكشف تحولًا أوسع في طبيعة العلاقة بين التنظيم ووسائله الإعلامية؛ فحين تصبح المنصة جزءً من معركة النفوذ، ويتحول الجمهور إلى طرف في الاستقطاب، وتصبح الشتيمة والاتهام أدوات للرد، فإن الشاشة لا تعود مجرد وسيلة لنقل الصراع، وإنما تصبح واحدة من ساحاته الرئيسية.