"وقت الخلاف بيختفي.. وبعد فترة يرجع يتعامل عادي جداً كأن مفيش حاجة حصلت".. عبارة تتردد كثيراً في شكاوى المرتبطين والأزواج وحتى الأصدقاء. في هذه الحالات، لا تكون المشكلة في الخلاف نفسه، بل في طريقة إدارة أحد الطرفين له. فبينما يرى البعض أن الانسحاب وقت الغضب يمنع التصعيد، يجد الطرف الآخر نفسه فريسة للحيرة والقلق، خاصة عندما يتكرر الاختفاء المفاجئ والتجاهل دون مبرر أو محاولة لاحقة لعتاب أو نقاش، وللإجابة عن التساؤل: هل الابتعاد وقت الخلاف تصرف صحي لتهدئة المشاعر، أم أنه علامة على علاقة مرهقة وسامة؟ يوضح الدكتور محمد مصطفى، أخصائي علم النفس، لـ"اليوم السابع" الأبعاد النفسية لهذا السلوك وكيفية التعامل معه.
مش كل سكوت يعتبر تجاهلًا
هناك فرق بين أن يحتاج الشخص إلى مساحة مؤقتة حتى يهدأ، وبين أن يختفي بهدف معاقبة الطرف الآخر أو دفعه إلى القلق والبحث عنه، فالانسحاب المؤقت يمكن أن يكون مفيدًا عندما يكون الطرفان في حالة انفعال شديدة، بشرط أن يكون واضحًا أن النقاش لم ينتهِ، وإنما تم تأجيله إلى وقت أكثر هدوءًا.
وتشير الأبحاث إلى أن هناك ظاهرة تسمى لـ Stonewalling أو الانسحاب والصمت العقابي أثناء الخلاف، قد يحدث عندما يشعر الشخص بأنه غارق في الانفعال وغير قادر على مواصلة الحوار بشكل عقلاني. وفي هذه الحالة، يكون أخذ فترة قصيرة للتهدئة أفضل من الاستمرار في نقاش قد يزداد سوءًا.
إمتى يكون الابتعاد صحيًا؟
يمكن أن يكون الابتعاد عن النقاش خطوة صحية إذا قال الشخص بوضوح مثلًا: "أنا متضايق ومحتاج أهدأ، ونكمل كلامنا بعدين"، هنا توجد رسالة واضحة للطرف الآخر: أنا لا أهرب منك، لكنني أحتاج وقتًا حتى أستطيع التحدث دون انفعال، وتوصي أساليب التعامل مع الخلافات بمنح الطرفين وقتًا للهدوء قبل استكمال النقاش، خاصة عندما يصل الانفعال إلى درجة تجعل الاستماع والتفكير الهادئ أكثر صعوبة.
وتشير الأبحاث إلى أهمية العودة إلى الحوار بعد استعادة الهدوء بدل ترك المشكلة معلقة.
لكن ماذا لو اختفى دون تفسير؟
المشكلة تبدأ عندما يتحول الاختفاء إلى نمط متكرر: خلاف، ثم اختفاء، ثم عودة مفاجئة وكأن شيئًا لم يحدث، من دون اعتذار أو تفسير أو حتى محاولة لفهم سبب المشكلة، في هذه الحالة لا يتم حل الخلاف وإنما يتم تأجيله، وقد تتراكم المشاعر السلبية من موقف إلى آخر، وتشير الجمعية الأمريكية لعلم النفس إلى أن تجنب المشكلات أو الاحتفاظ بها دون مناقشة قد يؤدي إلى تراكم الاستياء، بينما يرتبط أسلوب التواصل نفسه بدرجة كبيرة بصحة العلاقة.
العودة وكأن شيئًا لم يحدث.. هل تحل المشكلة؟
قد تبدو العودة إلى الكلام الطبيعي مريحة في البداية، خصوصًا إذا كان الطرفان لا يريدان الدخول في مشاجرة جديدة، لكنها لا تعني بالضرورة أن المشكلة انتهت فإذا لم تتم مناقشة ما حدث، قد تظل المشاعر موجودة تحت السطح، وتظهر في خلاف جديد بعد فترة، والأهم هنا ألا يتحول الأمر إلى قاعدة ثابتة: كلما حدث خلاف نختفي، ثم نعود، ثم نتصرف وكأن المشكلة لم تكن موجودة.
العلاقة الصحية لا تعني عدم وجود خلافات، وإنما القدرة على التعامل معها والعودة إلى التواصل بعد انتهائها وتوضح الأبحاث أن وجود الخلافات في حد ذاته ليس المشكلة، لكن أنماط التعامل معها، ومنها الانسحاب المستمر، يمكن أن تضر بجودة العلاقة.
علامات إنذار في إدارة الخلافات
توجد مؤشرات واضحة تنذر بأن طريقة إدارة الخلافات قد تحولت إلى عبء يهدد استقرار العلاقة، ويبرز في مقدمتها تحول الصمت والانسحاب إلى رد فعل ميكانيكي متكرر بعد كل أزمة.
يتفاقم هذا الوضع عندما يترافق الغياب مع تجاهل متعمد يترك الطرف الآخر فريسة للحيرة والتوتر دون مبرر أو طلب صريح لمساحة من الهدوء، ليعقبه استئناف التعامل الطبيعي وكأن شيئًا لم يكن، دون تصفية الأجواء أو معالجة الجذور الحقيقية للمشكلة.
ومع استمرار هذا النمط المرهق، يتولد خوف حقيقي من التعبير عن الرأي والمشاعر، مما يدفع لكبتها تجنبًا للتعرض لعقاب "التجاهل والاختفاء"، لتتحول في النهاية تلك الخلافات الصغيرة غير المحلولة إلى تراكمات عميقة من الاستياء وقنابل موقوتة تهدد استمرارية العلاقة برمتها.
كيف تتعاملين مع شخص يختفي وقت الخلاف؟
الأفضل ألا يتحول الأمر إلى مطاردة أو عشرات الرسائل خلال فترة الغياب، وفي الوقت نفسه لا يجب تجاهل مشاعرك وكأنها غير مهمة يمكن وضع قاعدة واضحة وبسيطة: "لو محتاج وقت تهدأ أنا أتفهم ده، لكن محتاجة أعرف إننا هنرجع نتكلم في الموضوع" بهذه الطريقة يتحول طلب المساحة من اختفاء غامض إلى حدود واضحة داخل العلاقة ، أما إذا كان الطرف الآخر يرفض أي حوار، ويكرر الاختفاء كل مرة، ثم يعود فقط عندما يريد دون معالجة ما حدث، فهنا لا يكون السؤال فقط: إزاي أخليه يتكلم؟، وإنما يصبح السؤال الأهم: “هل طريقة التواصل هذه مناسبة لي ولشكل العلاقة التي أحتاجها؟".

العلاقات العاطفية

العلاقات السامة