لم تكن ملحمة أكتوبر العظيمة مجرد معركة انتهت بانتهاء القتال، وإنما لحظة تاريخية تركت أثرًا عميقًا في الذاكرة المصرية، وظلت تفاصيلها حاضرة في الوعي الشعبي جيلاً بعد جيل، واليوم ونحن نحتفل بالذكرى ال 53 ومع كل ذكرى جديدة للسادس من أكتوبر، لم يكتفِ المصريون باستعادة مشاهد العبور والانتصار، بل احتفظوا أيضًا بطريقتهم الخاصة في استحضار الهزيمة الإسرائيلية والسخرية منها.
فعلى مدى أكثر من خمسة عقود، تغيّرت الأدوات التي يستخدمها المصريون في التعبير عن تلك السخرية، بينما بقيت الفكرة نفسها، بدأت بالنكتة والقفشة، ثم انتقلت إلى الصور والكاريكاتير، وبعد ظهور الإنترنت أصبحت التعليقات الساخرة والميمز والمنشن جزءًا من المشهد، وصولًا إلى عصر الذكاء الاصطناعي، حيث لم يعد الأمر يتوقف عند كتابة نكتة أو نشر صورة، بل أصبح من الممكن تحويل الخيال نفسه إلى مشهد بصري أو فيديو كامل خلال دقائق، وهو ما يمكنك أن تلحظه "برفريش" بسيط لحسابك على السوشيال ميديا.
من النكتة.. بدأت الحكاية
في مصر، لم تكن النكتة مجرد وسيلة للضحك، بل تحولت في فترات كثيرة إلى طريقة للتعبير عن المواقف والأحداث السياسية والعسكرية والاجتماعية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بحرب أكتوبر وما ارتبط بها من صور وذكريات في الوعي الشعبي، فمع مرور السنوات، أصبحت ذكرى الحرب مناسبة تتجدد فيها الحكايات والقفشات المرتبطة بالجنود الإسرائيليين، وصورة «الجندي المهزوم» التي تحولت إلى مادة للسخرية الشعبية، لتستمر الحرب ولكن هذه المرة على طريقة المصريين.. بالضحك.
لم يكن هناك في ذلك الوقت فيسبوك أو تيك توك أو X، ولم يكن المصري يحتاج أصلًا إلى منصة لينشر النكتة؛ كانت تنتقل من شخص لآخر، في البيت والعمل والمقاهي والمدارس، وكلما جاءت ذكرى أكتوبر عادت معها نفس الروح: «فاكرين اللي حصل؟».
الإنترنت نقل القفشة من القهوة إلى الشاشة
ثم جاءت الإنترنت، وبعدها مواقع التواصل الاجتماعي، لتمنح المصريين مساحة جديدة تمامًا للسخرية، فلم تعد النكتة بحاجة إلى أن تنتقل شفهيًا من شخص إلى آخر؛ أصبح بالإمكان كتابة تعليق ساخر ومشاركته مع آلاف الأشخاص في لحظات، ثم تطورت الأدوات أكثر مع انتشار المنتديات وصفحات التواصل الاجتماعي، ومع صعود فيسبوك والمنصات المختلفة، ظهرت موجة جديدة من التفاعل مع الصفحات والحسابات الإسرائيلية، خصوصًا في المناسبات المرتبطة بالصراع العربي الإسرائيلي وذكرى حرب أكتوبر، وهنا انتقلت القفشة من «قولها لصحابك» إلى اكتبها لهم بأنفسهم.
كما أصبح التعليق الساخر جزءًا من المشهد، ثم جاءت الميمز لتأخذ الأمر إلى مرحلة أخرى؛ صورة واحدة مع جملة قصيرة أصبحت قادرة على اختصار حكاية كاملة، ومع كل أكتوبر جديد تظهر موجة جديدة من الصور والتعليقات التي تستعيد مشاهد الحرب بطريقة ساخرة.
من الفوتوشوب إلى «اكتبلي برومبت»
ومع تطور أدوات تعديل الصور، لم نعد مضطرين إلى انتظار صورة مناسبة لكي نصنع منها ميمًا؛ بل أصبح كل منا قادرًا على تركيب المشهد الذي يريده بنفسه، لكن الذكاء الاصطناعي قلب المعادلة بالكامل، فبعدما كان إنتاج صورة ساخرة يحتاج إلى شخص يعرف Photoshop أو أدوات التصميم، أصبح بإمكان أي شخص تقريبًا أن يكتب وصفًا لما يريده، فتتولى أدوات الذكاء الاصطناعي بناء المشهد.
وهنا ظهرت مرحلة جديدة من «فكّرهم ونكّد عليهم»: صور مولدة بالذكاء الاصطناعي تستعيد أجواء حرب أكتوبر، ومشاهد ساخرة تجمع بين رموز الحرب وشخصيات ومواقف خيالية، ثم تطور الأمر إلى فيديوهات AI تستطيع تحويل الفكرة نفسها إلى مشهد متحرك.
53 سنة.. والأداة هي التي تغيرت
ربما تكون المفارقة الأوضح أن التكنولوجيا طوال هذه العقود لم تغير الرغبة في السخرية بقدر ما غيرت وسيلتها، ففي البداية كانت النكتة، ثم القفشة، ثم الصورة، ثم الميم، ثم التعليق على السوشيال ميديا، والآن فيديو يمكن إنتاجه بالذكاء الاصطناعي خلال دقائق، كل جيل وجد أداته الخاصة، لكن ذكرى أكتوبر ظلت مساحة جاهزة لاستدعاء الذاكرة والسخرية معًا، وبينما كان المصري قبل عقود يحتاج إلى أن يحكي النكتة لجاره أو زميله، أصبح اليوم قادرًا على تحويلها إلى صورة أو فيديو ونشرها أمام جمهور ضخم خلال دقائق، فـ 53 عامًا مرت على الحرب، وتغيرت التكنولوجيا عشرات المرات، لكن يبدو أن هناك عادة مصرية واحدة لم تتغير: كلما جاء أكتوبر، لازم نفتكرهم.. وننكّد عليهم شوية.