لم تكن حرب أكتوبر 1973 مجرد معارك عسكرية تدور رحاها على خطوط الجبهة، بل امتدت بطولاتها لتسكن كل بيت مصري. خلف كل جندي مقاتل، كانت هناك أم تخفي قلقها بابتسامة، وزوجة تتصنع القوة أمام صغارها، ونساء وجدن أنفسهن فجأة في مواجهة مسئوليات ثقال بعدما غاب الرجال لتلبية نداء الوطن.
وفي الذكرى الثالثة والخمسين لانتصارات أكتوبر المجيدة، تبرز صورة المرأة المصرية التي لم تحمل السلاح، لكنها حملت عبء الأسرة، وتحدت الخوف والانتظار، وحافظت على نبض الحياة اليومية في أدق اللحظات التاريخية، وفي هذا السياق، توضح ريهام عبد الرحمن، استشاري العلاقات الأسرية والباحثة في الصحة النفسية، الأبعاد النفسية والاجتماعية للدور البطولي الذي لعبته الأمهات والزوجات في إدارة الجبهة الداخلية أثناء الحرب.
درع الأمان الخفي وسط أجواء الحرب
كانت الحرب تعني للأمهات ترقباً مستمراً لأي خبر عن الابن أو الزوج، في ظل غياب وسائل الاتصال السريعة. وتضاعفت قسوة هذه المسئولية في المدن القريبة من مناطق القتال؛ حيث لم يكن مطلوباً من الأم حماية أطفالها جسدياً فحسب، بل كان لزاماً عليها أن تبث في نفوسهم طمأنينة مطلقة، وتوفر لهم ملاذاً نفسياً آمناً، حتى وهي تفتقد هذا الأمان ولا تعلم ما تحمله الساعات القادمة.
إدارة الأزمات المنزلية وازدواجية الأدوار
أدى تواجد الأب أو الابن الأكبر فى ساحات القتال إلى إجبار المرأة على تحمل مهام إضافية وتاريخية، أصبحت الأم هي صانعة القرار، تدير احتياجات الأسرة، وترعى الأطفال، وتتخذ قرارات يومية كانت تُحسم سابقاً بالمشاركة. ورغم أجواء الحرب المشحونة، لم تتوقف عجلة الحياة؛ استمرت النساء في إعداد الطعام، ومتابعة دراسة الأبناء، بينما أصبح الالتفاف حول المذياع ومتابعة الأخبار والبيانات العسكرية طقساً يومياً مقدساً.
من رعاية الأسرة إلى قلب المجهود الحربي
لم تكتفِ المرأة المصرية بإدارة شئون منزلها، بل امتد دورها ليشمل دعماً مباشراً للمجهود الحربي. تطوعت آلاف النساء في أعمال التمريض والإسعاف لرعاية المصابين، وتوثق السجلات التاريخية للمجلس القومي للمرأة ملاحم سُطرت بأيدي مصريات في فرق الهلال الأحمر والمستشفيات. فمن بقيت في المنزل حمت ظهر الوطن، ومن استطاعت الخروج، داوت جراحه.
الزوجة في خندق الانتظار والصمود
لعل أقسى المعارك النفسية هي تلك التي خاضتها زوجات الجنود في صمت. كان الانتظار هو سيد الموقف؛ انتظار خطاب متأخر، أو رسالة طمأنينة عابرة. وفي غمرة هذا القلق، كانت الزوجة تلعب دوري الأب والأم معاً، تلبي احتياجات الصغار وتخفي ارتباكها ومخاوفها المشتعلة على من هم على الجبهة. لقد أعادت الحرب توزيع المسئوليات بشكل جذري، وكشفت عن صلابة استثنائية للنساء في تحمل أعباء غير مسبوقة.
ولا ترتبط ذاكرة أكتوبر لدى أبناء ذلك الجيل بصور الدبابات والبيانات العسكرية فحسب، بل تتشكل من تفاصيل شديدة البساطة والعمق: صوت الراديو، تجمع الأسرة، رائحة الطعام الذي تعده الأم، تساؤلات الأطفال البريئة عن موعد عودة الأب، ولحظات خروج الأسرة بحثاً عن مكان أكثر أماناً. هذه التفاصيل اليومية هي ما يمنح ذاكرة المرأة في الحرب خصوصيتها؛ فهي لا تروي فقط تاريخ انتصار وطن، بل تروي قصة صمود بيت بأكمله.