لم يكن هناك هاتف محمول يهتز بإشعار عاجل، ولا موقع إخبارى يحدّث صفحته كل دقيقة، ولا مواقع تواصل اجتماعى تحمل عشرات الصور ومقاطع الفيديو من قلب الحدث، ومع ذلك عرف المصريون فى السادس من أكتوبر 1973 أن جيشهم عبر قناة السويس، ووصل إلى الضفة الشرقية، ورفع العلم المصرى فوق أرض سيناء، وتابعوا خلال الساعات والأيام التالية أخبار معركة كانت تجرى على بعد عشرات ومئات الكيلومترات منهم.
فكيف كان المصريون يتابعون أخبار حرب أكتوبر قبل أكثر من نصف قرن من عصر الإنترنت؟
الإجابة تبدأ من صوت أصبح جزءًا من ذاكرة الحرب نفسها: «هنا القاهرة.. جاءنا الآن البيان التالى من القيادة العامة للقوات المسلحة»، لكنها لا تنتهى عند الراديو، إذ شاركت الإذاعة والتليفزيون والصحف فى بناء المشهد الإعلامى للحرب، بينما انتقلت الأخبار بين المواطنين من بيت إلى آخر ومن مقهى إلى آخر، فى وقت كانت فيه القيادة المصرية حريصة على أن تصل المعلومة إلى الجمهور من دون أن تتحول وسائل الإعلام إلى مصدر يكشف أسرار العمليات العسكرية للعدو.
الراديو.. أسرع طريق بين جبهة القتال والبيت المصرى
كان جهاز الراديو الوسيلة الأسرع والأكثر قدرة على ملاحقة تطورات الحرب لحظة بلحظة، ولذلك ارتبطت الساعات الأولى من السادس من أكتوبر بالبيانات العسكرية التى بدأت الإذاعة المصرية فى نقلها تباعًا عن القيادة العامة للقوات المسلحة.
وتشير محافظة القاهرة فى توثيقها لتاريخ الإذاعة المصرية إلى أنه جرى للمرة الأولى تشكيل "فرق مرابطة إذاعية استعدادًا لحرب أكتوبر 1973"، وكانت مهمتها إذاعة بيانات القوات المسلحة ومتابعة تطورات الأحداث، إلى جانب المواد والأغانى الوطنية.
ولم يكن أمام المواطن المصرى فى ذلك الوقت شاشة هاتف يعود إليها وقتما يشاء ليرى ما حدث قبل دقائق، ولذلك أصبح موعد البيان نفسه حدثًا ينتظره الناس، فكل بيان جديد كان يحمل تطورًا مختلفًا فى المعركة.
وفى الساعة الثانية والربع تقريبًا من ظهر السادس من أكتوبر، وصل البيان الأول إلى المستمعين بصوت الإذاعى حلمى البلك، ثم توالت البيانات بأصوات مذيعين من بينهم حلمى البلك ويحيى عبد العليم، وبعد دقائق بدأ مضمون البيانات يتغير؛ من الحديث عن الاشتباك إلى الإعلان عن قصف مواقع العدو، ثم نجاح القوات الجوية، ثم اقتحام قناة السويس، وصولًا إلى الإعلان عن رفع العلم المصرى على الضفة الشرقية.
هنا القاهرة.. جملة كان الناس ينتظرون ما بعدها
اكتسبت مقدمة البيانات العسكرية نفسها مكانة خاصة فى ذاكرة الحرب: «هنا القاهرة»، ثم الإعلان عن وصول بيان جديد من القيادة العامة للقوات المسلحة.
كانت أهمية تلك البيانات أنها لم تكن تعليقًا صحفيًا على ما يحدث، وإنما المصدر الرسمى للمعلومات العسكرية المتاحة للجمهور.
وتوضح وزارة الدفاع فى توثيقها لدور الإعلام العسكرى فى حرب 1973 أن الإعلام المصرى اكتسب ثقة المواطن بمصداقيته خلال حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر، مع الالتزام بقيود فرضتها سرية العمليات العسكرية، إذ لم يكن ممكنًا السماح بتغطية مباشرة مفتوحة من الجبهة على النحو الذى أصبح مألوفًا فى الحروب الحديثة.
ومن هنا كانت البيانات القصيرة والمتتابعة تؤدى وظيفة شبيهة بما نعرفه اليوم باسم «التحديث العاجل»: معلومة جديدة، مؤكدة، ومحددة، ثم انتظار البيان التالى.
الساعة الرابعة تقريبًا.. اللحظة التى عرف فيها المصريون أن العلم ارتفع شرق القناة.
يمكن تتبع الطريقة التى اكتشف بها المصريون حجم ما يحدث من خلال بيانات يوم السادس من أكتوبر نفسها.
فى البيان الثانى عرف المستمعون أن القوات الجوية المصرية تقصف قواعد وأهدافًا عسكرية إسرائيلية فى الأراضى المحتلة، وفى البيان الثالث أعلنت القيادة نجاح المهمة الجوية.
ثم جاء التحول الأكبر عندما تحدث البيان الرابع عن اقتحام قوات مصرية قناة السويس.
أما البيان الخامس، الذى أذيع بعد الرابعة عصرًا، فحمل العبارة التى نقلت للمصريين المعنى الحقيقى لما تحقق خلال الساعات الأولى: نجاح القوات فى اقتحام قناة السويس فى قطاعات عديدة، والاستيلاء على نقاط للعدو، و رفع علم مصر على الضفة الشرقية للقناة.
وهكذا لم يعرف المصريون تفاصيل عملية «بدر» كاملة فى لحظة واحدة، وإنما تكشفت أمامهم صورة المعركة تدريجيًا مع توالى البيانات.
لماذا لم تكن هناك كاميرات تنقل العبور على الهواء؟
قد يبدو السؤال طبيعيًا بمقاييس اليوم: إذا كان التليفزيون المصرى موجودًا، فلماذا لم يشاهد المصريون عملية العبور كاملة على الهواء؟
الإجابة مرتبطة بطبيعة الحرب نفسها، فالقوات المسلحة المصرية كانت تعتمد قبل الحرب على مستوى شديد من السرية والخداع الاستراتيجى، ومن ثم لم يكن من المنطقى وجود نقل تليفزيونى مباشر يكشف تحركات القوات أو مواقعها أو حجمها أو توقيت عملياتها.
ويؤكد توثيق وزارة الدفاع أن الإعلام لم يتمكن من تقديم تغطية مباشرة كاملة للعمليات، بسبب الحرص على تحقيق السرية وعدم كشف نية الهجوم أو المعلومات التى قد تفيد الجانب الآخر.
وبذلك كانت المعلومة العسكرية تمر أولًا من القيادة العامة قبل وصولها إلى الجمهور، وليس من مراسل يقف أمام الكاميرا ويقرر بنفسه ما يبثه من أرض المعركة.
التليفزيون.. عندما بدأت الكلمة تتحول إلى صورة
كان التليفزيون المصرى جزءًا من المشهد الإعلامى فى أكتوبر 1973، وتحتفظ أرشيفات التراث المصرى بمواد تليفزيونية مرتبطة بالحرب مؤرخة بالسادس من أكتوبر 1973 ومنسوبة إلى التليفزيون المصرى.
لكن دوره فى تلقي الخبر العاجل كان مختلفًا عن الدور الذى تؤديه الفضائيات والقنوات الإخبارية اليوم.
فالراديو كان أكثر سهولة فى المتابعة، ويمكن تشغيله فى المنزل أو المتجر أو المقهى أو مكان العمل، بينما جاء التليفزيون ليضيف لاحقًا الصورة إلى ما عرفه الناس أولًا عبر البيانات والأخبار المسموعة.
ومع استمرار الحرب، أصبحت الصور والأفلام المسجلة جزءًا مهمًا من الطريقة التى تعرف بها المصريون على الجنود والعبور والأسرى والمعدات والمعارك، ثم تحولت هذه المواد بمرور السنوات إلى جزء من الأرشيف البصرى لحرب أكتوبر.
فى صباح 7 أكتوبر.. حملت الصحف الخبر الكبير
إذا كانت الإذاعة قد صنعت مساء السادس من أكتوبر، فإن الصحف صنعت صباح اليوم التالى.
فى السابع من أكتوبر 1973 خرج المصريون ليجدوا الإنجاز الذى سمعوا عنه خلال الساعات السابقة مكتوبًا بعناوين ضخمة على الصفحات الأولى.
كان عنوان جريدة "الأخبار": "عبرنا القناة ورفعنا علم مصر".
أما "الأهرام" فخرجت بعنوان: قواتنا عبرت القناة واقتحمت خط بارليف.
واختارت الجمهورية عنوان: قواتنا تقاتل الآن فوق سيناء.
ولم تكتف الصفحات الأولى بعنوان واحد، بل قدمت تفاصيل عن المعارك الليلية، والقوات الجوية والبحرية، وتطور المعارك فى سيناء والجولان، والمواقف الدولية.
كانت الصحيفة بذلك تؤدى وظيفة تختلف عن الراديو: الراديو يخبرك بما حدث الآن، والصحيفة تجمع لك ما حدث خلال ساعات فى صورة أكثر ترتيبًا واتساعًا.
ماذا كان يقرأ المصريون قبل بدء الحرب بساعات؟
تكشف أعداد الصحف الصادرة صباح السادس من أكتوبر جانبًا مهمًا من القصة.
فالمواطن الذى اشترى صحيفة صباح السبت لم يكن يعرف أنه بعد ساعات قليلة ستبدأ الحرب.
خرجت «الأهرام» صباح السادس من أكتوبر بعنوان يتحدث عن أن "التوتر يشمل جبهات القتال ويشتد على جبهة قناة السويس"، مع أخبار عن تطورات المنطقة وحالة الاستعداد الإسرائيلية، لكن من دون إعلان أن مصر ستبدأ عملية العبور بعد ساعات.
أما الصحف التى صدرت صباح السابع من أكتوبر، فقد تغير مشهدها بالكامل، وتحولت صفحاتها الأولى إلى توثيق لساعات الحرب الأولى ونجاح العبور.
وهذه المفارقة نفسها تكشف نجاح جانب من خطة السرية؛ المواطن قرأ صباح 6 أكتوبر عن «التوتر»، ثم سمع بعد الظهر بيانات الحرب، وفى صباح اليوم التالى قرأ: "عبرنا القناة".
الإعلام لم يكن يعرف كل أسرار المعركة قبل وقوعها
أحد أهم الفروق بين تغطية أكتوبر وبعض الصور الشائعة عنها أن الصحفيين والمذيعين لم يكونوا جميعًا على علم مسبق بتفاصيل ساعة الصفر والخطة العسكرية.
وتشير دراسة الدكتور محمد عبد القادر حاتم، الذى تولى مسؤوليات الإعلام خلال تلك المرحلة، والصادرة لاحقًا فى كتاب "«دور الإعلام المصرى فى تحقيق المفاجأة الاستراتيجية فى حرب أكتوبر 1973»" عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، إلى أن الإعلام نفسه كان جزءًا من ترتيبات الحفاظ على المفاجأة الاستراتيجية. والكتاب الصادر عام 2009 يقع فى 248 صفحة ويخصص دراسته لدور الإذاعة والتليفزيون والصحافة والسياسة الإعلامية فى تلك المرحلة.