في كل يوم تتحمل الدولة تبعات فكرٍ قديم وممارسات غابت عنها المسؤولية وتجاوزاتٍ تم التغاضي عنها أحيانًا لإراحة الدماغ وتجنب المواجهة حتى أصبح لدينا في بعض مواقع المسؤولية بلا مسؤولية ومحاسبة بلا حساب وقواعد تُطبق أحيانًا بمرونة تصنع مع الوقت واقعًا مشوهًا وما كان في البداية استثناءً عابرًا تحول مع تكرار الصمت والتراخي إلى سلوك شبه معتاد ثم إلى ثوابت يتعامل معها البعض وكأنها أمر واقع لا يجوز الاقتراب منه.
وحين تقرر الدولة أن تغيّر هذه المعادلة وتعيد الأمور العوجاء إلى مسارها الصحيح وتواجه مفاهيم ترسخت بفعل السنوات وتعمل على نشر وعي جمعي وطني يدرك أن حقوق الدولة ومقدراتها ومؤسساتها مسؤولية الجميع؛ هنا تبدأ الأصوات في الارتفاع وتفتح الأبواق وتنتشر السموم وتُصنع الروايات وتظهر محاولات التغريد خارج السرب النظامي وكأن ضبط الأداء وتطبيق القواعد أصبحا مشكلة وكأن مواجهة الخطأ اعتداء وكأن من اعتاد الاستثناء يملك حق الاعتراض على انتهاء زمن الاستثناء.
وهنا تحديدًا تظهر حقيقة «اللوبي الحصين»
فلم يولد «اللوبي الحصين» من فراغ ولم يصبح حصينًا ويكون سياجاً حوله يصعب إختراقه لأنه يمتلك من القوة ما يعجز الآخرون عن مواجهته وإنما تكوّن شيئًا فشيئًا في بيئة سمحت له بالنمو وتغاضت عن تمدده حتى أصبح اليوم كيانًا يصعب الاقتراب منه أو مساءلته.
فاللوبيات لا تصنع نفسها بنفسها وإنما يصنعها التراخي ويمنحها القوة الصمت ويمنحها الحصانة غياب المحاسبة وكلما مرت التجاوزات دون وقفة حقيقية ترسخت القناعة لدى أصحابها بأنهم فوق المساءلة وأن بإمكانهم الاستمرار دون أن تمتد إليهم يد الحساب.
والأخطر من وجود أصحاب المصالح ليس مصالحهم ذاتها وإنما أن تتحول تلك المصالح إلى شبكة مترابطة يدافع بعضها عن بعض ويصنع لها غطاءً يحجب الحقيقة ويجعل أي محاولة للمساءلة تبدو وكأنها استهداف أو تصفية حسابات.
وهنا يبرز السؤال الأهم: من سمح لهذا اللوبي بأن يتشكل؟ ومن غض الطرف عن ممارسات ساهمت في تقوية أركانه؟ ومن اعتقد أن ترك الأمور دون حسم سيبقيها تحت السيطرة؟
إن المسؤولية لا تقع فقط على من استغلوا الثغرات أو بحثوا عن المنافع بل تمتد أيضًا إلى من امتلكوا أدوات المنع ولم يستخدموها ومن رأوا الخلل يتسع واختاروا الصمت ومن تعاملوا مع التجاوزات باعتبارها أمورًا عابرة حتى أصبحت مع الوقت واقعًا يصعب تغييره.
فالمشكلة ليست في أن هناك من يحاول حماية مصالحه؛ فهذا أمر متوقع بل المشكلة الحقيقية أن يجد هؤلاء من يوفر لهم البيئة المناسبة للاستمرار ومن يفتح لهم الأبواب ثم يتعجب بعد ذلك من اتساع نفوذهم.
وعندما تأتي لحظة وضع الأمور في نصابها الصحيح تبدأ الأصوات في الارتفاع وتظهر محاولات التشكيك ويُعاد تقديم الحساب على أنه صدام والانضباط على أنه تضييق وتطبيق القواعد على أنه استهداف.
لكن الحقيقة أبسط من كل ذلك: من اعتاد الاستثناء يرى القانون تضييقًا ومن اعتاد غياب الحساب يرى المساءلة استهدافًا.
والدولة حين تختار طريق الانضباط ليست في حاجة إلى تبرير حقها في حماية مؤسساتها ومقدراتها، ولا إلى الحصول على موافقة أصحاب المصالح على تطبيق القواعد. فحق الدولة في ضبط الأداء ومواجهة التجاوز ومحاسبة المخطئ ليس محل تفاوض والأهم أنه لا مكان لهؤلاء فى جمهوريتنا الجديدة التى تتسع لكل الأطياف إلا الفاسد أو المتجاوز للقانون أو المنتهك للحق العام أو حتى اللا مسئول بمسئوليته وبالطبع من أخفى فى سريرته نواياه السيئة لهذا الوطن وفضحته ردود أفعاله وتوجهاته؛ فمع تجفيف المنابع يذهب الزبدُ جفاءً ويبقى ما ينفع الناس.
ويبقى السؤال الأهم: هل هناك من يراجع كيف نشأ هذا اللوبي؟ ومن سمح له بالتمدد؟ ومن يتحمل مسؤولية تركه حتى وصل إلى هذه الدرجة من الحصانة؟
فالقضية ليست البحث عن شماعة، وإنما البحث عن إجابة..فهل من مجيب؟