تضم فروع جوائز الدولة التشجيعية مجالات أدبية ونقدية ولغوية متنوعة، إلا أن بعض الفروع التي يجرى تحديدها في بعض الدورات تطرح تساؤلًا حول طبيعة المنافسة ومدى اتساعها، خاصة عندما لا تطرح الجائزة الجنس الأدبي في صورته العامة، وإنما تحدد مجالًا دقيقًا للغاية للعمل المتقدم.
ومن بين هذه الفروع «رواية الخيال العلمي» و«رواية وسائط الاتصال الحديث»، وهما فرعان لا يكتفيان بتحديد الجنس الأدبي وهو «الرواية»، وإنما يحددان أيضًا المجال أو النوع الذي يجب أن تنتمي إليه الرواية حتى تكون مؤهلة للمنافسة، وهو ما يختلف عن طرح فرع مفتوح مثل الرواية بصورة عامة، بما يسمح بتقدم الأعمال الروائية على اختلاف موضوعاتها واتجاهاتها الفنية.
الرواية.. من جنس أدبي إلى نوع محدد
عندما تطرح الجائزة فرع الرواية بشكل عام، فإن باب المنافسة يصبح مفتوحًا أمام الروايات التي تنتمي إلى الجنس الأدبي، سواء كانت اجتماعية أو تاريخية أو نفسية أو سياسية أو تجريبية أو غير ذلك من الاتجاهات.
أما عندما يصبح الفرع هو «رواية الخيال العلمي»، فإن العمل لا يكفي أن يكون رواية، وإنما يجب أن ينتمي إلى مجال الخيال العلمي تحديدًا. والأمر نفسه ينطبق على «رواية وسائط الاتصال الحديث»، حيث يضاف إلى شرط الانتماء إلى الرواية شرط آخر يتعلق بموضوع أو طبيعة العمل.
وبذلك تتحول المسابقة من البحث عن أفضل عمل في جنس أدبي واسع إلى البحث عن أفضل عمل داخل منطقة إبداعية أكثر تخصصًا.
جذور اللهجات العربية المعاصرة في التراث اللغوي.. تخصص أكثر دقة
ولا يقتصر الأمر على فروع الرواية، إذ يظهر الأمر بصورة أوضح في بعض الفروع العلمية واللغوية، ومنها فرع «جذور اللهجات العربية المعاصرة في التراث اللغوي».
فالفرع هنا لا يطرح مجال الدراسات اللغوية بصورة عامة، وإنما يحدد موضوعًا بالغ التخصص يجمع بين دراسة اللهجات العربية المعاصرة والبحث في جذورها داخل التراث اللغوي.
وهذا النوع من التحديد يمكن أن يكون مفيدًا عندما تستهدف الجائزة تشجيع البحث في مجال بعينه، لكنه في الوقت نفسه يجعل دائرة المتقدمين المحتملين أضيق من الفروع المفتوحة التي تسمح بتنوع أكبر في الموضوعات والمناهج.
لماذا لا تكون بعض الفروع مفتوحة؟
السؤال هنا ليس حول أهمية هذه الموضوعات من الناحية العلمية أو الأدبية، وإنما حول فلسفة تقسيم فروع الجائزة: هل الأفضل أن تكون بعض الأجناس الأدبية مفتوحة، أم أن تحديد موضوع دقيق داخل الجنس نفسه يحقق هدفًا أكبر؟
ففي القصة القصيرة مثلًا، يمكن أن يكون الفرع مفتوحًا أمام مختلف التجارب والاتجاهات، وكذلك في النقد المسرحي، حيث يستطيع الباحث أو الناقد التقدم بدراسة تتناول أي قضية أو تجربة أو ظاهرة مسرحية، ما دامت تندرج تحت مجال النقد المسرحي.
والأمر نفسه بالنسبة إلى شعر الطفل أو الشعر العامي؛ فالتحديد هنا يتعلق بالجنس أو الفئة الإبداعية، لكنه لا يفرض بالضرورة موضوعًا بعينه على العمل.
التخصص أم اتساع المنافسة؟
لا يعني ذلك بالضرورة أن الفروع المتخصصة غير مهمة؛ فاختيار مجال مثل الخيال العلمي يمكن أن يكون وسيلة لتشجيع الكتابة في مجال يحتاج إلى دعم، كما يمكن أن تفتح الفروع المتخصصة الباب أمام دراسات بحثية لا تحظى عادة بالاهتمام نفسه.
لكن في المقابل، فإن توسيع الفرع يمنح لجنة التحكيم فرصة لمقارنة تجارب أكثر تنوعًا، ويتيح للكتاب والباحثين الدخول إلى المنافسة بأعمال لا تضطر إلى مواءمة نفسها مع موضوع محدد سلفًا.
وبالتالي، فإن النقاش حول فروع جوائز الدولة التشجيعية لا يتعلق فقط بعدد الجوائز أو قيمتها، وإنما أيضًا بكيفية تصميم الفروع نفسها، وما إذا كانت تستهدف تشجيع جنس أدبي أو علمي كامل، أم تشجيع اتجاه شديد التخصص داخل هذا الجنس.
وفي النهاية، يظل السؤال مطروحًا أمام القائمين على الجائزة: هل الأفضل أن تكون الفروع مفتوحة على الجنس الأدبي نفسه، مثل الرواية والقصة القصيرة والنقد المسرحي وشعر الطفل والشعر العامي، أم أن تخصيصها في موضوعات مثل الخيال العلمي ووسائط الاتصال الحديث ودراسة جذور اللهجات يحقق هدفًا أكبر في توجيه حركة الإبداع والبحث؟