إذا كان "الاحتياطي السيادي" يرتبط بما تحتفظ به الدولة من قدراتها خارج نطاق التوظيف في خدمة وظائف دولية، بينما تستخدمها في خدمة الداخل، مع إتاحة تحويلها مستقبلا لخدمة الخارج في إطار وظيفي إذا اقتضت مصالحها ذلك، فإن المعضلة التي قد تواجهها تتجلى في مدى قدرتها على الاستجابة للتحولات الجديدة، وهو الأمر الذي لا يبدو مرهونا فقط بما تمتلكه من قدرات، وإنما بحجم المساحة التي تحتفظ بها لإعادة تخصيص تلك القدرات في خدمة هذه التحولات، دون تقليص ما تقدمه من وظائف بالفعل أو التخلي عن بعضها.
ولعل المفارقة الملفتة في هذا الإطار تتجلى فيما تمنحه القدرات المتاحة للدولة من مساحة للحركة، وليس حجم هذه القدرات، فقد يكون الاحتياطي السيادي لدولة متوسطة أكثر نجاعة من قوى أكبر منها، والسبب في ذلك يدور حول نسبة ما توظفه كل دولة من قدراتها في خدمة التزامات ووظائف دولية، فكلما ارتفعت نسبة القدرات المقيدة بهذه الالتزامات والوظائف، تقلصت مساحة الحركة في إطار التعامل مع التحولات المفاجئة أو المستجدات غير المتوقعة، وهو ما يمكننا تسميته بـ"الانكشاف السيادي"، حيث قد تجد الدولة نفسها أمام تجاهل المستجدات وما قد يترتب عليه من تداعيات، أو تقليص التزاماتها أو التخلي عن بعضها، أو محاولة إنتاج قدرات إضافية قد لا تتناسب سرعتها مع طبيعة التحول، وهي خيارات قد تفرض كلفة كبيرة تتجاوز البعد الاقتصادي نحو المكانة السياسية والدولية وغيرها.
وهنا يبدو "الانكشاف السيادي" هو الحالة التي تصبح فيها القدرات التي تحتفظ الدولة بحرية إعادة تخصيصها غير كافية للاستجابة لتحول جديد، دون المساس بوظائفها أو التزاماتها القائمة، أو الاضطرار إلى إنتاج قدرات إضافية لمواجهة هذا التحول، وهو ما يرفع بالتبعية كلفة استجابتها لهذه المستجدات، ويحد من قدرتها على مجابهتها بالكفاءة المطلوبة.
ويبدو من المهم التفريق بين حجم القدرة، والذي يعد أحد أهم السمات التي تميز القوى الدولية الكبرى، وكفاءة إدارة القدرة، فالأولى ترتبط بما تمتلكه الدولة فعليا من إمكانات، وهي السمة التي تفوقت بفضلها دول بعينها على مدار عقود، بينما ترتبط الثانية بقدرة الدولة على إدارة ما تمتلكه من إمكانات، وتحديد ما توظفه منها في خدمة وظائفها والتزاماتها الدولية، وما تحتفظ به من مساحة للحركة في مواجهة التحولات الجديدة، وهو ما تزداد أهميته في إطار تغييرات متسارعة، وأزمات طويلة الأمد وممتدة جغرافيا، لا تخضع بالضرورة لسيطرة قوى بعينها، بما يفتح الباب أمام بزوغ قوى أخرى، لا يشترط أن تناطح القوى الكبرى في حجم قدراتها، وإنما قد تتمكن من تقليص أثر فجوة القدرة، واقتناص أدوار جديدة تعزز مكانتها داخل النظام الدولي.
ولا ترتبط نجاعة "الاحتياطي السيادي" بحجم ما تمتلكه الدولة من قدرات غير مخصصة لخدمة الخارج فقط، وإنما بالعديد من العوامل الأخرى، منها مدى قابلية هذه القدرة لإعادة التخصيص لخدمة وظيفة دولية، فقد تكون هناك قدرة معينة تقوم بخدمة وظيفة في الداخل، بينما لا يمكن تحويلها بسهولة لخدمة غرض دولي، وبالتالي فهذه القدرة غير مساوية لأخرى يمكن تحويلها بسهولة، وكذلك الزمن الذي يمكن أن تتحول فيه القدرة من خدمة الداخل إلى خدمة الخارج، فكلما كان التحول سريعا زادت نجاعة القدرة، بينما تبقى الكلفة المترتبة على التحويل من العوامل المهمة، سواء ما يرتبط منها بإعادة تأهيل القدرة لتصبح صالحة لخدمة وظيفة دولية، أو بما قد يترتب على تحويلها من إضعاف الوظيفة الداخلية التي كانت تؤديها.
وبالتالي، لا يبدو "الانكشاف السيادي" حالة ثابتة يمكن قياسها بمعزل عن طبيعة التحول الذي تواجهه الدولة، فقد يكون التحول في حدود ما تمتلكه الدولة من قدرات غير مخصصة للخارج والقابلة لإعادة التخصيص بسهولة وسرعة ودون كلفة كبيرة لمواجهته، في حين قد يكون التحول أكبر من المتاح من هذه القدرات، أو يحتاج إلى وقت أو كلفة كبيرة لإعادة تخصيصها، لتتجلى حالة الانكشاف في هذه الحالة بصورة واضحة، بينما ترتبط درجتها بحجم الفجوة بين ما يتطلبه التحول من قدرات وما تستطيع الدولة إعادة تخصيصه لمواجهته، في حين ترتبط كلفة التعامل معها بما تضطر الدولة إلى تقليصه أو التخلي عنه من التزامات قائمة، أو ما تحتاج إلى إنتاجه أو تطويره من قدرات جديدة خلال فترة زمنية محددة.
ولا تبدو مواجهة "الانكشاف السيادي" مرتبطة بإجراءات طارئة تتخذها الدولة عند وقوع التحول، بقدر ما ترتبط بقدرتها على الإبقاء على عملية الإصلاح والتطوير كحالة مستمرة، تسمح بإنتاج قدرات جديدة ورفع كفاءة القدرات القائمة، بما يضمن إعادة إنتاج "الاحتياطي السيادي" بالتوازي مع توسيع وظائفها والتزاماتها الخارجية.
ولا يعني ذلك أن احتفاظ الدولة بأكبر قدر ممكن من قدراتها خارج نطاق التخصيص الدولي يمثل بالضرورة مؤشرا على كفاءة إدارة قدرتها، إذ إن تقليص ما تخصصه الدولة من قدرات لخدمة وظائف دولية قد يمنحها مساحة أكبر للحركة، لكنه في الوقت نفسه قد يقلص من فاعليتها وقدرتها على تعزيز مكانتها داخل النظام الدولي، بينما قد يؤدي التوسع المفرط في تخصيص القدرات للخارج إلى زيادة فاعليتها في المدى القريب على حساب قدرتها على الاستجابة لتحولات لاحقة، ومن ثم لا تبدو المعضلة مرتبطة بتعظيم حجم "الاحتياطي السيادي" بقدر ما تتعلق بإدارة العلاقة بين ما توظفه الدولة من قدرات في خدمة وظائفها الدولية وما تحتفظ به من قدرة على الحركة، بالتوازي مع استمرار عملية الإصلاح والتطوير بما يسمح لها بتوسيع وظائفها دون استنزاف احتياطها السيادي أو زيادة درجة انكشافها أمام التحولات الجديدة.
وهنا يمكننا القول بأن امتلاك القدرات وحده ليس كافيا لضمان قدرة الدولة على الحركة داخل نظام دولي سريع التحول، بقدر ما ترتبط هذه القدرة بكفاءة إدارة ما تمتلكه، وما توظفه في خدمة وظائفها الدولية، وما تحتفظ بحرية إعادة تخصيصه عند الحاجة، وهو ما قد يمنح الدول المتوسطة مساحة لتقليص أثر فجوة القدرة بينها وبين القوى الكبرى، دون أن يعني ذلك تجاوز هذه الفجوة، فالقوة قد تحدد حجم ما تستطيع الدولة القيام به، لكن كفاءة إدارة القدرة قد تحدد مقدار ما تستطيع القيام به في اللحظة التي تحتاج فيها إلى التحرك.
إقرأ أيضا
"التعايش التنافسي".. "الدولة الثالثة" من تعدد الشركاء إلى تعدد الوظائف
"الدولة الثالثة".. من استيراد الاستقرار إلى إنتاج الطلب عليه
مصر والتعددية الوظيفية.. من بناء القدرة إلى توسيع الدور