كلما جاء أكتوبر، أشعر أن لهذا الشهر مكانة خاصة في قلبي؛ فأنا أستعيد حكاية النصر من ذاكرة بيت عاش أحد رجاله أيام الحرب، ومن سيرة رجل حمل السلاح في لحظة فارقة من تاريخ مصر، وشارك أبناء جيله في كتابة واحدة من أعظم صفحات التاريخ المصري.. جدي، رحمه الله.
وأتذكر مقولته وهو يستعيد أيام الحرب: «كنا بندافع عن عرضنا وأرضنا».
كان يستعيد تلك الأيام بروح تكشف حجم الحماس الذي عاشه الجنود؛ معنويات عالية، وثقة في القيادة، وإيمان بالمهمة، وروح جماعية صنعت من لحظة العبور واحدة من أعظم لحظات التاريخ المصري.
وكان يحكي لي عن مشاهد بقيت حاضرة في ذاكرته من أيام الحرب، وعن نظرات رأى فيها ملامح الخوف والارتباك في عيون الجنود الإسرائيليين، بينما كان المقاتل المصري يتقدم بثبات، مدفوعًا بإيمانه بأرضه ووطنه.
كانت كلماته تعيدني إلى أجواء تلك الأيام؛ فالجندي المصري دخل معركة أكتوبر وهو يحمل في قلبه أرضه وأهله وبيته وكرامته، ويعرف أن وراءه وطنًا ينتظر منه العبور، واستعادة الأرض، ورفع الراية.
ولهذا يأتي أكتوبر بالنسبة لي من زاوية خاصة؛ أقرأ النصر بعين الحفيد الذي ينظر إلى صورة جده، ويتخيل ذلك الجندي المصري واقفًا وسط رفاقه، يحمل سلاحه، ويضع أمام عينيه هدفًا واضحًا: عودة الأرض، ورفع راية مصر، واسترداد الكرامة.
ومن هنا أفهم قيمة السادس من أكتوبر بصورة أعمق؛ فالنصر الذي تحقق عام 1973 جاء ثمرة إرادة وإعداد وتخطيط وشجاعة، ووقف خلفه رجال آمنوا بقيمة الوطن وقدسية الأرض، وعرفوا أن لحظة العبور تحتاج إلى جيش يمتلك القدرة والعزيمة وحسن التخطيط.
وكان الرئيس الراحل أنور السادات، رحمه الله، صاحب القرار التاريخي الذي قاد مصر إلى لحظة العبور، فدخلت مصر مرحلة جديدة صنعتها إرادة القيادة وشجاعة المقاتل المصري، ثم اكتمل مسار استعادة الأرض عبر العمل السياسي والدبلوماسي، حتى عادت سيناء إلى حضن الوطن، واكتملت فرحة المصريين بثمرة النصر.
ومع مرور السنوات، ظل نصر أكتوبر حاضرًا كمدرسة مصرية في الإرادة والاستعداد؛ مدرسة تؤكد أن قوة الدولة تبدأ من حماية أرضها، وصون مقدراتها، وبناء مؤسساتها، والاستثمار المستمر في الإنسان، والتطوير المتواصل في التدريب والقدرات.
واليوم، حين أنظر إلى القوات المسلحة المصرية، أرى امتدادًا طبيعيًا لجيل أكتوبر؛ عقيدة راسخة، وتدريبًا مستمرًا، وتطويرًا في التسليح، واهتمامًا بالتكنولوجيا، واستعدادًا دائمًا لحماية حدود الوطن ومقدراته، لتظل راية مصر شامخة فوق أرضها.
وهنا تظل حكاية جدي حاضرة في ذهني؛ فالرجل الذي قال: «كنا بندافع عن عرضنا وأرضنا» ترك لي من سيرته معنى راسخًا للانتماء؛ وطن يسكن القلب، وأرض تستحق التضحية، ومسؤولية يحملها كل جيل.
أنا حفيد أحد أبطال أكتوبر، وأشعر أن أجمل ما يمكن أن يرثه الإنسان عن أجداده حكاية وطن، وذكرى رجل حمل السلاح دفاعًا عن أرضه، ثم عاد يحمل في ذاكرته قصة بطولة يرويها لأبنائه وأحفاده، فتنتقل الحكاية من جيل إلى جيل، ويبقى معها معنى الوطن حاضرًا في الوجدان.
ولهذا، كلما جاء أكتوبر، أسمع صوت جدي من جديد، وأتذكر أن وراء كل صورة من صور النصر حكاية إنسان، ووراء كل علم مرفوع تضحيات رجال، ووراء كل جيل حاضر رجال سبقوه وكتبوا له الطريق ببطولاتهم وتضحياتهم.
رحم الله أبطال أكتوبر، ورحم الله جدي، وكل من حمل سلاحه دفاعًا عن مصر.
ويبقى أكتوبر في وجداننا حكاية نصر، وذاكرة وطن، وأمانة يحملها الأحفاد عن الأجداد، ورسالة تتوارثها الأجيال جيلًا بعد جيل.