في 22 مارس عام 1926، انتهى الدكتور طه حسين من كتابة إهداء كتابه "في الشعر الجاهلي" إلى عبد الخالق ثروت باشا، الذي صدر عن مطبعة دار الكتب المصرية بالقاهرة، حاملًا أطروحة مختلفة عن السائد ومثيرة للنقاش والجدل.
وبعد مائة عام، تكشف العودة إلى الطبعة الأولى عن قضية أكثر تعقيدًا من الخلاف حول أبيات وقصائد، فقد حاول عميد الأدب العربي إعادة فحص مصادر التاريخ الأدبي، متتبعًا أثر السياسة والدين والقصص والرواة في صناعة النصوص ونسبتها إلى القدماء، ومستندًا إلى شواهد من كتب التراث نفسها، قبل أن ينتهي إلى نتائج تثير بدورها أسئلة حول قوة الأدلة وحدود الاستنتاج.
وقسم طه حسين مؤلفه إلى ثلاثة كتب، تناول أولها منهج البحث والأدلة العامة، وخصص ثانيها لأسباب انتحال الشعر، بينما انتقل في الثالث إلى فحص أخبار الشعراء والقصائد المنسوبة إليهم، وتكشف هذه البنية عن خمس قضايا أساسية لفهم الطريقة التي بنى بها المؤلف نظريته.
أعلن طه حسين في كتابه اعتماده المنهج الفلسفي الذي ارتبط باسم ديكارت، ودعا إلى التحرر من المعارف والأحكام السابقة عند دراسة الأدب العربي القديم، حتى لا تتحكم العاطفة الدينية أو العصبية القومية في النتائج.
وكان هذا الإعلان تأسيسًا لموقف نقدي يرى أن شهرة القصيدة أو قبول العلماء نسبتها لا يكفيان وحدهما لإثبات صحتها، وأن النصوص الموروثة ينبغي أن تخضع للفحص مثل غيرها من المصادر التاريخية.
غير أن العودة إلى الكتاب تكشف مسألة جديرة بالمناقشة، فقد أصدر طه حسين في بدايته حكمًا واسعًا بأن الكثرة المطلقة من الشعر الجاهلي منتحلة، ثم مضى في تقديم الأدلة التاريخية واللغوية والاجتماعية المؤيدة لذلك.
وهنا يظهر الفارق بين اتخاذ الشك وسيلة للبحث، وتحويل الشك إلى نتيجة عامة تحتاج بدورها إلى إثبات، فوجود الانتحال في التراث حقيقة عرفها النقاد القدماء، أما تحديد حجمه والحكم على معظم الشعر فيتطلبان أدلة تتناسب مع اتساع النتيجة.
في الكتاب نجد فصلًا بعنوان "مرآة الحياة الجاهلية يجب أن تلتمس في القرآن لا في الشعر الجاهلي"، قدم فيه القرآن الكريم مصدرًا أساسيًا للتعرف على الحياة الدينية والعقلية للعرب الذين ظهر الإسلام بينهم.
وانطلق من مقارنة بين صورة المجتمع العربي في القرآن، بما تتضمنه من معتقدات ومجادلات دينية واتصالات بأهل الكتاب، وبين الصورة التي تنقلها القصائد الجاهلية، حيث تبرز موضوعات الفخر والحروب والغزل والوصف.
واعتبر هذا التفاوت قرينة على أن الشعر المتداول لا يعكس حقيقة المجتمع الذي ينسب إليه، وأن كثيرًا منه يعبر عن اهتمامات عصور إسلامية لاحقة.
وتكشف المقارنة عن محاولة لتغيير ترتيب المصادر التاريخية، لكنها تثير مسألة منهجية مهمة، إذ إن اختلاف الموضوعات التي يعالجها النص الديني والشعر لا يثبت بذاته أن أحدهما يناقض الآخر، فلكل جنس أدبي غايته وطبيعته، ولا بد من دراسة احتمالات الانتقاء واختلاف الموضوعات قبل الاستدلال على الانتحال.
في القسم الثاني، انتقل طه حسين من التشكيك في النصوص إلى البحث عن الجهات والمصالح التي يمكن أن تكون وراء انتحالها.
وتناول أثر الصراعات السياسية والعصبيات القبلية والمنافسة بين الجماعات في وضع الشعر، موضحًا كيف يمكن للأبيات المنسوبة إلى القدماء أن تتحول إلى وسيلة لإثبات المجد أو الدفاع عن النسب أو دعم موقف سياسي.
وخصص فصلًا للدين ناقش فيه أثر الرغبة في تعظيم بعض الشخصيات والأنساب، وإسناد أخبار وأشعار إلى أزمنة سابقة لتأييد تصورات نشأت بعد ظهور الإسلام.
وتكمن أهمية هذه الفصول في أن طه حسين لم يتعامل مع الانتحال باعتباره عملًا فرديًا معزولًا، وإنما حاول ربطه بالظروف التي أحاطت بإنتاج الأخبار والأشعار وتداولها، ومع ذلك، فإن إثبات وجود دوافع سياسية أو دينية للوضع لا يكفي لإثبات انتحال قصيدة بعينها، ما لم تقترن تلك الدوافع بأدلة نصية وتاريخية تحدد موضع الشك.
بعد ذلك بدأ طه حسين فصل "القصص وانتحال الشعر"، متناولًا دور القصاص في إضافة الأخبار والأشعار إلى الشخصيات القديمة، لتلبية رغبة الجمهور في الحكايات وإضفاء التشويق على الروايات التاريخية، وخصص طه حسين فصلًا للرواة، وتوقف أمام حماد الراوية وخلف الأحمر، مستشهدًا بأخبار قديمة تتهمهما بوضع الشعر وإضافته إلى غير أصحابه.
ونقل روايات عن مهارة الرجلين في تقليد أساليب الشعراء، وعن نصوص نسبت إليهم ثم انتشرت بين الناس باعتبارها من الشعر القديم.
وكانت قوة هذا الجانب من حجته أنه استند إلى شهادات نقلها علماء التراث أنفسهم، ومنها أخبار أوردها ابن سلام الجمحي، بما يؤكد أن مشكلة الانتحال سبقت الدراسات الأدبية الحديثة.
تكشف القراءة المتصلة لأقسام "في الشعر الجاهلي" أن طه حسين بنى أطروحته عبر ثلاث مراحل مترابطة: التشكيك في صحة نسبة الشعر، والبحث عن الأسباب التي أدت إلى وضعه، ثم فحص أخبار الشعراء والقصائد.
وأهم ما تقدمه الطبعة الأولى أنها تظهر أن صاحبها استند إلى مشكلات حقيقية في نقل التراث، وإلى روايات نقدية عرفها العلماء القدماء، ثم اتجه إلى أحكام أوسع من الوقائع الجزئية التي عرضها.
ومن هنا تتحدد القضية العلمية التي يتركها الكتاب مفتوحة بعد قرن: ما المسافة بين إثبات وقوع الانتحال، وإثبات أن معظم الشعر المنسوب إلى الجاهلية منتحل؟
وهي المسافة التي تجعل العودة إلى الكتاب ضرورة لفهم إحدى أكبر معارك الثقافة العربية الحديثة، بعدما بدأ طه حسين بمراجعة مصادر الأدب القديم، وفتح بذلك بابًا واسعًا للمناقشة حول مناهج البحث وطرق إثبات الحقيقة التاريخية.