شرفني الصديق العزيز د أحمد الشريف بأن طلب مني المشاركة في الكتابة عن كتاب الأدب الجاهلي للدكتور طه حسين في ذكرى نشره المئوية، فقررت أن أعيد قراءة الكتاب ربما أستطيع استخلاص قضية جديدة منه، قضية أدبية أو نقدية، أو مناقشة حول فكرة، لكنني وقد وقعت على نسخة من الطبعة الثانية التي بدأ فيها العميد بمناقشة حال دراسة الأدب في مدارسنا، وينتقد الطريقة التي (كانت) مقررة في مدارس الحكومة المصرية، فآثرت إثبات قوله كما هو، لأنني وجدت أنه – رغم مرور قرن كامل – مازالت الطريقة كما هي دون أدنى تغيير، قشور من اللغة والأدب الهدف منها الاستظهار ثم النسيان بعد المرور من الامتحان، بل ربما زاد الأمر سوءا، وهو ما سوف تجدونه بتفصيله في كلمات العميد، والتي لا أستطيع الزيادة عليها لدقة وصفها لحالنا الآن.
"مذهب مشوه ردىء كله شر، والخير كل الخير فى أن يُصرف عنه الأساتذة والطلاب صرفا، وهو هذا المذهب الذي كان قائما فى مدرسة القضاء ودار العلوم وفى المدارس الثانوية المصرية كلها، والذى لا يأخذ بحظ من أسلوب القدماء فى النقد ولا من أسلوب المحدثين في البحث، وإنما يحاول أن يقلد الأوربيين فيما يسمونه تاريخ الآداب، فيعمد إلى الكتاب والشعراء والخطباء والفلاسفة فيترجم لهم، أو يختلس لهم ترجمة من كتب الطبقات على اختلافها، ثم يتبع كل ترجمة بشيء من شعر الشاعر أو نثر الكاتب أو بيان الخطيب، ثم يلم فى كل عصر بطائفة من المعانى يلفق بعضها إلى بعض فى غير فقه ولا فهم ولا احتياط ولا دقة، ويسمى هذا الخليط كله (أدب اللغة العربية) حينا، و(تاريخ أدب اللغة العربية) حينا آخر. وكانت العادة قد جرت بأن يكتب أساتذة الآداب هذا الكلام للطلاب ويذيعوه فيهم، فيستظهره هولاء الطلاب استظهارا يستعينون به على أداء الامتحان، حتى إذا فرغوا من هذا الامتحان انصرفوا عما حفظوا أو انصرف عنهم ما حفظوا، لم ينتفعوا منه بقليل ولا كثير، ولم يتعلموا منه نقدا ولا بحثا، ولم يفيدوا منه ذوقا ولا شيئا يشبه الذوق. وإنما كان يخيل إليهم - وقد رأوا أنفسهم يمرون بالآداب العربية منذ خلقها الله إلى أيامنا هذه - أن صدورهم قد وعت العلم كله، لم يفتهم منه شيء ولم تخطئهم منه دقيقة ولا جليلة. وكانوا يزدرون بحكم هذا الغرور البرىء علماء الأزهر وطلابه؛ لأنهم لم يدرسوا تاريخ آداب اللغة، ولم يعرفوا العصر الجاهلي، ولا تكسب الشعراء بالشعر، ولا تنقل الشعر في القبائل، ولم يعرفوا العصر الأموى، ولا مناقضة جرير والفرزدق، ولا نشأة العلوم، ولم يعرفوا العصر العباسي، ولا ما استحدث فيه من الشعر السهل والنثر الرقيق ولا ما ترجم فيه من فلسفة اليونان ولم يعرفوا انحطاط الأدب بعد سقوط بغداد في يد التتار ولا رقي الأدب يوم قامت في مصر دولة محمد علي الكبير".
فهل نعيد النظر – بل القراءة – الآن فيما كتب الرجل عنا ولنا، لنرى كيف أنه عالج بدقة قضايا الثقافة المصرية والتعليم والهوية، فلم نأخذ من كلامه سوى القشور، أو القضايا التي نراها ساخنة، على الرغم من تقديمه رؤية واضحة للمرض والعلاج.