خالد دومة يكتب: حياة فارغة

الخميس، 29 أكتوبر 2026 12:01 ص
خالد دومة يكتب: حياة فارغة خالد دومة

من الناس من تُعَدُّ أعمارهم الطويلة أيام قليلة؛ لأنها مليئة بالفراغ، مكدَّسة باللا شيء. أيامهم متشابهة، يغتالون أعمارهم في الجلوس على المقاهي، وفي الطرقات، حول أبخرة الشاي ودخان السجائر، وأحاديث لا تنقطع عن فلان وعلان، وتكرار ما سبق، وسبق ما سيتكرر.
إنهم أشبه بمن يدور في ساقية، يظن أنه قطع أميالًا، بينما هو لم يبرح مكانه. فهل أضاف إلى حياته شيئًا؟ أم استلب ساعات عمره وألقى بها في بئر عميقة؟
وقد يعيش إنسان آخر يومًا واحدًا، إذا قيس بأعمار هؤلاء، فيفوقهم عمرًا ويتجاوزهم حياةً؛ إذ يمضي يومه بين فائدة ومعرفة وزاد نفسي وشعوري، يعجز صاحب المائة عام عن تحصيله أو الوصول إليه.
ويتجه هؤلاء إلى تعويض فراغهم بفراغ يشبهه، فيرتكزون على الشكل والمظهر، فيبدو الرجل في زيه وهيئته وكأنه يتمتع بشيء من المهابة والامتلاء والنضج العقلي. وقد يفلح ذلك مع من يشبهونه في خواء الفكر، أما أصحاب العقول الواعية الذين لا تستهويهم المظاهر، فيرونه على حقيقته: ضئيل المعرفة، محدود العقل، فقير النفس، يشكو الجوع الروحي، وإن سَمُن جسده وعلا كرشه.
والغريب أن كثيرًا من الناس يتفننون في إهدار أعمارهم، ثم يوشّون ذلك الفراغ ويزخرفونه، ليمنحوه مظهرًا مهيبًا؛ فيهربون من فراغ قبيح إلى فراغ جميل، ومن ساعات الفوضى إلى فوضى منظمة. كل يوم يجتمعون مع أصحابهم في استراحة، أو في بيت أحدهم، أو حول مائدة قروية، يقضون الساعات في أحاديث لا تنتهي.
وقد يحتاج الإنسان إلى ساعات من الترفيه كهذه، ولكن بعد عمل وتحصيل. ولا أقصد بالعمل الجانب المادي وحده، وإن كانت هناك ساعات يسعى فيها الإنسان إلى تأمين احتياجاته الضرورية؛ فهناك أيضًا جانبه الروحي والنفسي والعقلي، الذي يحتاج إلى ما يغذيه وينميه.
أما أن تمتد ساعات الترفيه لتستغرق كل يومه، فالأمر هنا يختلف؛ إذ لا تعود تلك الجلسات وسيلة للراحة وتجديد النشاط، بل تصبح استنزافًا للعمر، وهدمًا للعقل والنفس. إنك تفني عمرك بين اللعب واللهو وأحاديث فارغة لا تنم إلا عن الجهل، أحاديث المصاطب التي لا تستند إلى كتاب قرأته، أو تجربة حقيقية عشتها، أو تحليل فكري بذلت فيه جهدًا. وكل ما تملكه من مادة للحديث لا يعدو أن يكون ثرثرة تتناقلها الألسن.
أليس عجيبا نتعامل مع الوقت والزمن بهذه الاستهانة، رغم علمنا بأننا مسؤولون عنهما، وأن كل دقيقة ينبغي أن يكون لها نصيب في حصيلة أعمالنا الخيّرة. فلا خير في جلسات السخرية، ولا في أحاديث النميمة، ولا في إهدار أوقاتنا كلها في مشاهدة كرة القدم والحديث عنها، حتى نخرج بها من كونها رياضة مفيدة نمارسها في بعض الأوقات، إلى أن تصبح هي حياتنا كلها.
وبعد ضياع كل هذا الوقت، نشكو قلة الوقت الذي يمكن أن نخصصه لأعمال مفيدة، كالقراءة، أو المشاركة في أنشطة مجتمعية تعود بالخير على الجميع، أو حتى صلة أرحامنا، والرفق بهم في محنهم، ومشاركتهم أفراحهم. نقصّر في حقوقهم، ثم ندّعي أننا لا نملك الوقت.
وهكذا نهدر أوقات الفراغ، التي كان ينبغي أن نستغلها في التحصيل والمعرفة، لنصنع منها فراغًا عقليًّا نجني به على أنفسنا، ونبدد أثمن ما نملك. فهذه الساعات هي كل ما يتبقى لنا بعد ساعات العمل وكسب العيش، وكل ساعة تمر تنقص من عمرنا وحياتنا، والوقت نعمة كبرى، بل هو من أعظم نعم الله على الإنسان.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة