الثقة فى إسرائيل، كالثقة فى سراب الصحراء؛ تظنه ملاذا حين تشتد الحاجة، فإذا اقتربت منه اكتشفت أنك راهنت على وهم، وأن المظاهر قد تخدع الأبصار، لكنها لا تصنع حقيقة يُطمأن إليها؛ ولذلك فإن وعود الدعم الذى تحاول أن تقدمه لدولة أو شعب ما، فإنه دعم ينتهى باحتلال، والدفاع والأمن الذى تعد بتقديمه، يتحول إلى ذريعة للبقاء؛ تأسيسا على ذلك فإن على العرب جميعا الحذر المفرط من قراءة المشهد برومانسية اللحظة، ومن التعامل مع التحركات الإسرائيلية باعتبارها إجراءات عابرة أو استجابات مؤقتة لظروف استثنائية.
فالتاريخ، ماكر، وعبقرى فى منح العظات والنصائح، وأن تاريخ المنطقة لا يُقرأ بالشعارات المعلنة وحدها، وإنما بما يحدث على الأرض، وبالمدة التى تستغرقها القوات فى البقاء، وبالحدود التى تتغير، وبالوقائع التى تتحول مع مرور الزمن إلى أمر واقع؛ والسجل التاريخى منذ قيام إسرائيل عام 1948 يقدم أسبابا جدية للحذر من أى وجود عسكرى يُسوق باعتباره مؤقتا، ثم يرتبط بأهداف أمنية متجددة، أو يتحول إلى منطقة عازلة، أو يستند إلى ترتيبات تسمح باستمرار السيطرة على الأرض.
والسؤال الذى ينبغى أن يشغل العرب ليس فقط، لماذا تدخل إسرائيل؟ بل أيضا، ما طبيعة وجودها بعد الدخول ومتى تنسحب؟ ومن يضمن ألا يتحول الاستثناء المؤقت إلى واقع دائم؟
حقيقة كل ما يمت للإسرائيليين بصلة منذ فجر التاريخ وحتى كتابة السطور يشى بكل التلاعب ونقض العهود والمواثيق، ففى التاريخ القديم، جاء الهكسوس لمصر فى موجات هجرة بحثا عن اللجوء، حتى تمكنوا من الحكم واستمروا أكثر من 300 سنة، وخرجوا بالدم من البلاد؛ وفى التاريخ الحديث، جاءت العصابات الصهيونية لفلسطين، فى موجات هجرة بلغت 5 موجات رئيسية بدءا من سنة 1882 وحتى 1939 ثم كانت هناك هجرات غير منظمة، فى فترة الأربعينيات من القرن الماضى، وصدروا «المسكنة» وبدأوا فى شراء الأراضى، ووظفوا وعد بلفور الشهير فى الثانى من نوفمبر 1917 لتأسيس «وطن قومى للشعب اليهودى» خير توظيف، وتمكنوا من ذلك، وخاضوا حروبا، وابتزوا العالم للتضامن معهم وتقديم كل أشكال الدعم، لتمكينهم ومساندتهم.
ففى عام 1947، أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار 181، الذى أوصى بتقسيم فلسطين إلى دولتين، عربية ويهودية، مع وضع خاص للقدس؛ وفى 14 مايو 1948، أُعلن قيام دولة إسرائيل، ثم اندلعت الحرب التى انتهت بتوسع إسرائيل إلى نحو 77 فى المئة من مساحة فلسطين الانتدابية، وفق التسلسل التاريخى الذى توثقه الأمم المتحدة، وطُرد أكثر من نصف الفلسطينيين من ديارهم، فيما لم تقم الدولة الفلسطينية التى نص عليها مشروع التقسيم.
وفى يونيو 1967، احتلت إسرائيل الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وقطاع غزة، وشبه جزيرة سيناء، ومرتفعات الجولان السورية، ثم أصبح الاحتلال، فى الأراضى الفلسطينية، إطارا ممتدا للحكم العسكرى والسيطرة على الأرض، وترافق على مدى السنوات مع إقامة المستوطنات الإسرائيلية فى الضفة الغربية والقدس الشرقية.
ولطرد الإسرائيليين من سيناء، كان لا بد من خوض المعارك، وهو ما تحقق فى 1973 وهى الحرب التى أعادت سيناء إلى حضن مصر من جديد، ولولا ضريبة الدم التى قدمها جيش مصر فى هذه الحرب، ما عادت سيناء، فاستعادة الأرض تتطلب حربا وتفاوضا وضمانات دولية وترتيبات أمنية معقدة؛ لذلك فإن أى حديث عن وجود عسكرى إسرائيلى مؤقت فى أى أرض عربية يجب ألا يُقبل باعتباره ضمانة فى حد ذاته.
شاهدوا جنوب لبنان وسوريا والضفة وغزة بجانب أطماعها فى التوسع إلى نقاط جغرافية أبعد، ورأينا الخريطة التى عرضها بنيامين نتنياهو فى أحد مؤتمراته الانتخابية مؤخرا، والتى تظهر توسعاته فى كل الاتجاهات.
الأطماع الإسرائيلية، راسخة، وعقيدة دينية تبحث عن إقامة إسرائيل الكبرى من النهر إلى البحر، تضم سوريا ولبنان وفلسطين وسيناء والأردن وأجزاء من العراق ومنطقة الخليج؛ لذلك لا يجب للدول العربية أن تبنى قراراتها على الثقة فى التصريحات وحدها، وألا تخلط بين الدعم السياسى والوجود العسكرى، أو بين التنسيق الأمنى والتنازل عن السيادة؛ والنصيحة الذهبية المخلصة لكل الأوطان العربية، ألا تمنحوا أى وجود عسكرى صفة البراءة لمجرد أنه دخل تحت عنوان الدعم أو المساندة، ففى السياسة لا تُقاس النيات بما تقوله البيانات، وإنما بالحرص الشديد والاستفادة من التاريخ، وما تفرضه القوة على الأرض، وما يبقى بعد انقضاء الوعود.