قبل آلاف السنين من اختراع الثلاجة، واجه المصري القديم تحديًا يوميًا في الحفاظ على طعامه من التلف، خاصة في ظل طبيعة المناخ وارتفاع درجات الحرارة خلال فترات من العام، وبين تخزين المؤن واستخدام الأواني والمخازن وابتكار وسائل لإطالة صلاحية بعض الأغذية، تكشف الشواهد الأثرية عن جانب من الطرق التي اعتمد عليها المصريون القدماء للتعامل مع الطعام قبل ظهور وسائل التبريد الحديثة.
أوان ومخازن لحفظ الغذاء
شكّلت الأواني الفخارية ومخازن المؤن جزءًا من منظومة تخزين الغذاء في مصر القديمة، إذ استخدمت الأوعية في حفظ المواد الغذائية والسوائل، بينما خُصصت مساحات لتخزين الحبوب والزيوت والعسل والدهون وغيرها من المنتجات.
وتكشف اكتشافات أثرية حديثة في منطقة معبد الرامسيوم بالبر الغربي في الأقصر عن وجود مخازن للزيتون وزيت الزيتون والعسل والدهون، إلى جانب أقبية استُخدمت لتخزين النبيذ، وفقًا لوزارة السياحة والآثار المصرية. وتقدم هذه الاكتشافات دليلًا على تنوع المواد الغذائية التي احتاج المصري القديم إلى تخزينها وتنظيم استخدامها.
الطعام سريع التلف؟
لم يكن تخزين الطعام وحده كافيًا للحفاظ على جميع أنواعه، خاصة اللحوم والأسماك التي تتعرض للتلف سريعًا في درجات الحرارة المرتفعة؛ لذلك عرف المصريون القدماء وسائل لحفظ بعض الأغذية، من بينها التجفيف والتمليح، وهي طرق تساعد على إطالة مدة صلاحية الطعام، لكنها لا تعني تبريده أو الاحتفاظ به طازجًا بالطريقة التي توفرها الثلاجات الحديثة.
وتقدم القطع الأثرية شواهد على هذه الممارسات؛ إذ يحتفظ متحف المتروبوليتان للفنون في نيويورك ببقايا كتف من لحم البقر محفوظة داخل صندوق خشبي، عُثر عليها في منطقة طيبة، وترجع إلى عصر الدولة الحديثة، نحو 1550 إلى 1458 قبل الميلاد، ويشير المتحف إلى أن اللحوم كانت ضمن القرابين المقدمة لروح صاحب المقبرة.
ويؤكد موقع لايف ساينس أن الصيادين الأوائل كان لديهم بعض الطرق الإبداعية لإطالة "مدة صلاحية" ما كانوا يصطادونه، ووفقا للموقع كان من بين الطرق القديمة الاعتماد على الماء البارد بإلقاء ما يراد حفظه في البرك مثلا ففى صباح أحد أيام خريف عام 2015، اكتشف مزارعان في ميتشجان اكتشافًا غير متوقع وهو عظم حوض من ماموث، وبعد أعمال تنقيب كشف فريق بحث عن أدلة حفرية وأثرية إضافية جعلت المشهد أكثر وضوحًا.
هل امتلك المصري القديم وسيلة لتبريد الطعام؟
رغم ما تكشفه الآثار من تنوع وسائل تخزين الغذاء، فإن الأدلة المتاحة لا تثبت وجود نظام منزلي واسع للتبريد الاصطناعي لدى المصريين القدماء يماثل عمل الثلاجات الحديثة. ولذلك ينبغي التمييز بين تخزين الطعام في أوانٍ ومخازن، واستخدام وسائل إبطاء فساده، وبين خفض درجة حرارته بصورة مستمرة.
وتشير أبحاث متخصصة في علم الآثار إلى أن دراسة تخزين الطعام في وادي النيل تعتمد على تحليل الأواني الفخارية والمخازن والأدلة النصية والتصويرية، مع ضرورة مراعاة اختلاف أنواع الأغذية والظروف التي خُزنت فيها.