رضا الصفتي يكتب: الصلح والإصلاح.. حين تلتقي المودة بالعدل

الأربعاء، 14 أكتوبر 2026 03:44 م
رضا الصفتي يكتب: الصلح والإصلاح.. حين تلتقي المودة بالعدل رضا الصفتي

ليس كل اجتماع بعد خصام دليلا على أن القلوب تصافت، ولا كل مصافحة تعني أن الجراح التأمت، فقد يجلس المتخاصمون على مائدة واحدة، وتتبادل الأيدي السلام، بينما يظل في النفس عتاب، وفي القلب ألم، وفي الواقع حق لم يُرد إلى صاحبه.


نفرح حين تنتهي الخلافات، ونسعى إلى لم الشمل حفاظا على روابط الأسرة ومكانة المودة بين الناس، وهذا أمر محمود. لكننا أحيانا ننشغل بعودة العلاقات إلى صورتها المعتادة، وننسى أن نسأل: هل عالجنا أسباب الخلاف، أم اكتفينا بإنهاء مظاهره؟
هنا تبدأ الحكاية.. وهنا يظهر الفرق بين الصلح والإصلاح.
فمن أكثر ما يسيء إلى معنى الصلح أن يتحول من دعوة إلى التسامح إلى وسيلة للضغط على المظلوم حتى يتنازل عن حقه، تحت شعار أن الصلح خير.
نطلب من الأخ أن يقبّل رأس أخيه، فإذا سأل عن حقه قلنا له: الصلح خير.
ونطلب من الزوجة أن تعود إلى بيت زوجها، فإذا تساءلت عما حدث وكيف ستُعالج آثاره، كان الرد: الصلح خير.
ونطلب من صاحب الحق ألا يكبّر الموضوع، بينما هو لا يسأل إلا عن الطريق الذي يستطيع به استرداد حقه، فنجيبه بالعبارة نفسها: الصلح خير.
لكن أي خير في صلح يقوم على ترك الحقوق؟ وأي معنى للمودة إذا كان أحد الطرفين مطالبا بالتنازل، بينما لا يُطلب من الطرف الآخر سوى قبول هذا التنازل؟
وأي قيمة لعناق يجمع شخصين، بينما يقف بينهما قلب مكسور يشعر بالظلم لأنه لم ينل حقه؟
إن الصلح لا ينبغي أن يكون عبئا على المظلوم، ولا أن يتحول التمسك بالحق إلى تهمة تُلاحق صاحبه، وكأن المطالبة بالإنصاف دليل على سوء النية أو الرغبة في استمرار الخلاف.
فالصلح الحقيقي لا يفرض على المظلوم أن ينسى، بل يفتح أمامه الطريق لتجاوز ما حدث بكرامة ورضا. وقد يكون التسامح والتنازل طريقا نبيلا لإنهاء الخصومة، لكن قيمتهما الحقيقية تنبع من الاختيار الحر، لا من الضغط أو الشعور بالذنب أو الخوف من اتهامات الآخرين.
وهنا يأتي الفارق الجوهري بين الصلح والإصلاح.
فالصلح يسعى إلى إنهاء الخصومة، أما الإصلاح فيتجه إلى معالجة أسبابها، ورد الحقوق إلى أصحابها، وتصحيح الأخطاء التي أدت إلى الخلاف، حتى تكون عودة العلاقات قائمة على أساس سليم.
ليس المقصود من ذلك التقليل من قيمة الصلح أو التشكيك في نوايا من يسعون إليه، فكثير من الخلافات تنتهي بكلمة طيبة أو اعتذار صادق أو تنازل متبادل يعيد الود بين الناس. وإنما المقصود ألا ننشغل بإنهاء الخلاف على حساب فهم أسبابه، وألا نعتبر عودة المظاهر المعتادة للعلاقة دليلا كافيا على زوال المشكلة.
فإذا نشأ الخلاف بسبب حق ضائع، أو إساءة وقعت، أو تصرف ألحق ضررا بأحد الأطراف، فإن الحكمة تقتضي البحث عن معالجة عادلة لما حدث، بدلا من الاكتفاء بمطالبة الجميع بتجاوز الأمر.
وفي المقابل، لا ينبغي أن تتحول المطالبة بالحقوق إلى وسيلة للانتقام أو تصفية الحسابات؛ فالغاية ليست انتصار طرف على آخر، وإنما الوصول إلى حل يراعي الحقوق، ويعيد الثقة، ويمنح الجميع فرصة حقيقية لبدء صفحة جديدة.
ولعل هذا المعنى يتجلى في قوله تعالى:
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾.
فالآية الكريمة ترشد إلى الاستعانة بمن يسعى إلى معالجة الشقاق، ويستمع إلى الطرفين، ويعمل على تقريب وجهات النظر في إطار من الحكمة والعدل، بعيدا عن الانحياز أو الاكتفاء بالضغط على أحدهما لإنهاء الخلاف.
وهذا ما نحتاج إليه في علاقاتنا الأسرية والاجتماعية؛ أن يكون من يتدخل بين المتخاصمين حريصا على فهم حقيقة المشكلة، لا على إنهائها بأسرع وقت ممكن فحسب، وأن يدرك أن المحبة وصلة الرحم لا تتعارضان مع الاعتراف بالخطأ أو حفظ الحقوق.
ففي الخلافات الزوجية، لا يكفي أن نطالب الزوجة بالعودة إلى بيتها دون فهم أسباب النزاع والعمل على معالجتها. وفي الخلافات بين الأشقاء، لا يكفي أن نجمعهم على مائدة واحدة إذا كانت بينهم حقوق مالية لم تجد حلا. وفي علاقات الأصدقاء، قد لا تكون عبارات الود كافية ما دام سبب الإساءة قائما دون اعتراف أو تصحيح.
ومع ذلك، فإن حفظ الحقوق لا يعني الإصرار على كل تفصيل مهما كانت عواقبه، كما أن التسامح ليس ضعفا ولا تفريطا. فقد يختار الإنسان أن يتجاوز عن حقه رغبة في استمرار المودة، وهذا موقف نبيل متى صدر عن رضا وحرية، لا نتيجة ضغط اجتماعي يشعر معه بأنه مضطر إلى التنازل حتى يرضى عنه الآخرون.
إننا بحاجة إلى ثقافة توازن بين الحفاظ على العلاقات واحترام الحقوق، وتمنح التسامح مكانته دون أن تجعله واجبا على المظلوم وحده، بينما يُعفى المخطئ من مسؤولية تصحيح ما ارتكبه.
فالعلاقات الإنسانية لا تستقيم بالمحبة وحدها إذا غاب العدل، ولا تستقر بالمطالبة بالحقوق إذا غابت الحكمة والرحمة. وإنما تنضج حين يدرك كل طرف مسؤولياته، ويحترم حدود الآخر، ويبحث عن حل يحفظ الكرامة ويقلل فرص تكرار الخلاف.
وفي النهاية، فإن نجاحنا لا يُقاس بمجرد اجتماع المتخاصمين أو تبادل عبارات الود، بل بقدرتنا على تجاوز أسباب النزاع، واستعادة الثقة، ومنع تكرار ما أفسد العلاقة.
نعم، الصلح خير، لكن الخير يكتمل حين يقوم على إصلاح حقيقي، وعدل يحفظ الحقوق، وتسامح يصدر عن رضا.
فالصلح قد يعيد اللقاء، لكن معالجة أسباب الخلاف هي التي تعيد الثقة، وتجعل المصافحة بداية لعلاقة أكثر نضجا واستقرارا، لا مجرد نهاية مؤقتة لخصومة قد تعود من جديد.
فالمودة لا ينبغي أن تكون ثمنا للتنازل القسري، والعدل ليس عائقا أمام المحبة، بل أحد أهم أسباب بقائها.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة