4 أيام بين رئاسة جماعة أبولو ورحيله.. آخر نشاط أدبى لـ أمير الشعراء أحمد شوقى

الأربعاء، 14 أكتوبر 2026 07:00 م
4 أيام بين رئاسة جماعة أبولو ورحيله.. آخر نشاط أدبى لـ أمير الشعراء أحمد شوقى أمير الشعراء أحمد شوقي

أحمد إبراهيم الشريف

قبل أربعة أيام من رحيله، كان أمير الشعراء أحمد شوقى يستقبل فى منزله «كرمة ابن هانئ» بالجيزة مجموعة من كبار الشعراء والأدباء المصريين، للمشاركة فى الاجتماع الأول لجماعة «أبولو»، التى تأسست من أجل النهوض بالشعر العربى، ورعاية المواهب الجديدة، والدفاع عن حقوق الشعراء ومكانتهم، وكان ذلك يوم الاثنين 10 أكتوبر 1932، حيث ترأس شوقى الاجتماع الذى أصبح واحدًا من آخر أنشطته الأدبية، قبل أن يرحل فجر الجمعة 14 أكتوبر من العام نفسه، لتفقد الجماعة رئيسها الأول بعد أيام قليلة من انطلاق أعمالها.

وتكشف الوثائق المنشورة فى مجلة «أبولو»، التى أسسها الشاعر والطبيب أحمد زكى أبو شادى، والمحفوظة ضمن أرشيف الشارخ للمجلات الأدبية والثقافية العربية، عن تفاصيل مهمة فى علاقة شوقى بالجماعة، فقد تصدر اسمه العدد الأول من المجلة الصادر فى سبتمبر 1932، كما تناولت الدراسات التاريخية، ومنها دراسة عن مدرسة أبولو منشورة على الموقع الرسمى لوزارة الأوقاف، وقائع الاجتماع الأول الذى ترأسه شوقى فى منزله، بينما خصصت المجلة عددها الرابع، الصادر فى ديسمبر من العام نفسه، لتأبين أمير الشعراء، ونشرت شهادات ومقالات عن حياته وأيامه الأخيرة.

أبولو
أبولو

أحمد زكى أبو شادى يؤسس جماعة أبولو

بدأت الحكاية فى سبتمبر 1932، عندما أعلن الشاعر والطبيب أحمد زكى أبو شادى تأسيس جماعة أدبية جديدة تحمل اسم «أبولو»، مستلهمًا الاسم من التراث الإغريقى، الذى ارتبط فيه أبولو بالفنون والشعر والموسيقى.

وكان أبو شادى من دعاة تطوير الشعر العربى، وتوسيع مجالاته، والانفتاح على الآداب العالمية، وقد أراد إنشاء مؤسسة أدبية تجمع الشعراء والنقاد، وتوفر مساحة للنشر والحوار، وتسهم فى اكتشاف المواهب وتشجيع التجارب الجديدة.

وضمت الجماعة عددًا من الأسماء البارزة فى الحياة الأدبية، من بينهم خليل مطران، وأحمد محرم، وإبراهيم ناجى، وعلى محمود طه، وكامل كيلانى، ومحمود أبو الوفا، وحسن كامل الصيرفى، وعلى العنانى، وأحمد الشايب، إلى جانب عدد من الشعراء الشباب الذين أصبحوا لاحقًا من رموز الشعر العربى الحديث.

واختير أحمد شوقى رئيسًا للجماعة، تقديرًا لمكانته الأدبية، وتولى أحمد زكى أبو شادى أمانة سرها، فى خطوة جمعت بين أحد أكبر ممثلى مدرسة الإحياء الشعرى، ومجموعة من الشعراء الذين اتجهوا نحو الرومانسية والتجديد.

 

ماذا قال أحمد شوقى عن أبولو؟

استقبل شوقى ظهور الجماعة ومجلتها بترحيب واضح، وسجل موقفه فى قصيدة بعنوان «أبولو مرحبًا بك يا أبولو»، وصف فيها المجلة بأنها سوق جديدة للشعراء، واستعاد صورة سوق عكاظ العربية القديمة، بما ارتبط بها من اجتماع الشعراء وتنافسهم.

وقال شوقى فى مطلع القصيدة:

أبولو مرحبًا بك يا أبولو
فإنك من عكاظ الشعر ظل
وعبر الشاعر فى قصيدته عن أمله فى أن تساعد المجلة على ظهور المواهب التى لم تجد طريقها إلى الجمهور، وأن تصبح صفحاتها مساحة لتقديم أعمال شعرية كبيرة.

وتكتسب القصيدة أهمية خاصة عند النظر إلى موقع شوقى بين التيارات الأدبية فى عصره، فقد ارتبط اسمه بالقصيدة العربية التقليدية وتجديدها من داخل بنائها الموروث، بينما اتجه عدد من شعراء أبولو إلى توسيع مساحة التجربة الوجدانية، والاهتمام بالطبيعة والخيال والتعبير عن المشاعر الفردية.

وجاء ترحيب شوقى بالجماعة ليعكس استعداده لدعم هذا التجمع الأدبى، رغم اختلاف التجارب الشعرية التى ضمها.

 

10 أكتوبر 1932.. اجتماع الشعراء فى كرمة ابن هانئ

فى يوم الاثنين 10 أكتوبر 1932، اجتمع أعضاء جماعة أبولو فى منزل أحمد شوقى بالجيزة، المعروف باسم «كرمة ابن هانئ»، وعقدوا جلستهم الأولى برئاسته، لمناقشة الأسس العامة للنظام الإدارى والأدبى للجماعة، وتحديد مجالات عملها خلال المرحلة التالية.

وكان الاجتماع خطوة تنظيمية مهمة، فقد جاء بعد صدور العدد الأول من مجلة «أبولو» فى سبتمبر، والعدد الثانى فى أكتوبر، ليمنح المشروع الأدبى الجديد إطارًا مؤسسيًا يجمع الشعراء حول أهداف مشتركة.

وتمثلت أهداف الجماعة فى الارتقاء بالشعر العربى، وتوجيه جهود الشعراء نحو خدمة الأدب، وتحسين مكانتهم الأدبية والاجتماعية والمادية، والدفاع عن مصالحهم وكرامتهم، إلى جانب تشجيع الحركات الفنية الجديدة.

وجاء الاجتماع فى وقت شهدت فيه الحياة الأدبية المصرية نقاشات واسعة حول مستقبل الشعر، وطبيعة التجديد، والعلاقة بين الموروث العربى والاتجاهات الحديثة، وهى القضايا التى كانت حاضرة فى كتابات عدد من أعضاء الجماعة.
ويشير المؤرخون إلى التقاط صورة تذكارية لأعضاء الاجتماع، ظهر فيها شوقى يتوسط الحاضرين، لتصبح إحدى الصور المرتبطة بالأيام الأخيرة فى حياة أمير الشعراء.

 

من رثاء حافظ إبراهيم إلى رحيل شوقى

ومن المفارقات التى تكشفها أعداد مجلة «أبولو»، أن العدد الثانى الصادر فى الأول من أكتوبر 1932، نشر قصيدة لأحمد شوقى بعنوان «ريحانة شوقى على قبر حافظ»، خصصها لرثاء شاعر النيل حافظ إبراهيم، الذى توفى فى 21 يوليو من العام نفسه.

وهكذا حملت صفحات المجلة فى أكتوبر مرثية كتبها شوقى لصديقه ومنافسه الشعرى الكبير، قبل أن تتحول المجلة نفسها خلال أسابيع قليلة إلى صفحات لتأبين شوقى.

وكان رحيل حافظ إبراهيم قد شكل خسارة كبيرة للحياة الأدبية المصرية، خاصة أن علاقته بشوقى امتدت سنوات طويلة، وشهدت منافسة شعرية ومواقف من التقدير المتبادل، أبرزها قصيدة المبايعة التى ألقاها حافظ إبراهيم فى احتفال تتويج شوقى أميرًا للشعراء سنة 1927.

وجاء رحيل شوقى بعد حافظ إبراهيم بأقل من ثلاثة أشهر، لتفقد الحياة الأدبية المصرية اثنين من أبرز شعرائها فى عام واحد.

 

14 أكتوبر.. جماعة أبولو تفقد رئيسها الأول

فى فجر الجمعة 14 أكتوبر 1932، توفى أحمد شوقى عن عمر ناهز 64 عامًا، بعد أربعة أيام من ترؤسه الاجتماع الأول للجماعة.

وقد مثلت وفاته حدثًا كبيرًا فى الأوساط الأدبية المصرية والعربية، ووجد أعضاء أبولو أنفسهم أمام مهمة استكمال المشروع الذى شارك شوقى فى انطلاقه.

وفى 22 أكتوبر 1932، عقد أعضاء الجماعة اجتماعًا جديدًا فى مقر رابطة الأدب الجديدة بالقاهرة، بدعوة من أحمد زكى أبو شادى، واختاروا الشاعر خليل مطران رئيسًا للجماعة خلفًا لأحمد شوقى.

ومع تولى مطران الرئاسة، واصلت أبولو نشاطها الأدبى، وأصبحت مجلتها من المنابر المهمة لنشر الشعر والدراسات النقدية، وظهرت على صفحاتها أعمال عدد من الشعراء المصريين والعرب، من بينهم إبراهيم ناجى، وعلى محمود طه، وأبو القاسم الشابى، وإيليا أبو ماضى، وإلياس أبو شبكة.

 

مجلة أبولو تخصص عدد ديسمبر لذكرى أحمد شوقى

وفى ديسمبر 1932، أصدرت مجلة «أبولو» عددها الرابع، وخصصت مساحة واسعة منه لتأبين أحمد شوقى، وجمع الشهادات والدراسات والقصائد التى تناولت حياته ومكانته الشعرية.

وتضمنت صفحات العدد مقالات تحمل عناوين لافتة، من بينها «حياة شوقى بقلمه» و«اليوم الأخير» لأحمد زكى أبو شادى، و«شوقى الوالد» لعلى شوقى، و«قبيل المنفى» لحسين شوقى، و«اثنا عشر عامًا فى صحبة أمير الشعراء» لأحمد عبد الوهاب أبى العز.

كما شارك فى العدد عدد كبير من الأدباء والشعراء، من بينهم داود بركات، وزكى مبارك، وإبراهيم ناجى، وعلى محمود طه، وأحمد الشايب، وخليل مطران، ومعروف الرصافى، وضم كذلك نصًا بعنوان «رثاء الموسيقيين» لمحمد عبد الوهاب.

ويمنح هذا العدد الباحثين مصدرًا تاريخيًا مهمًا لدراسة شوقى، خاصة أنه جمع شهادات من أفراد أسرته، ومن أدباء عاصروه، وشخصيات ارتبطت به فى حياته الفنية والأدبية.

واستمرت مجلة أبولو بعد رحيل شوقى، وأصبحت إحدى المحطات المؤثرة فى تاريخ الشعر العربى الحديث، حتى توقف صدورها فى ديسمبر 1934.

وتبقى مشاركة أحمد شوقى فى تأسيس جماعة أبولو، وترؤسه اجتماعها الأول قبل رحيله بأربعة أيام، من الوقائع التى تكشف جانبًا مهمًا من السنوات الأخيرة فى حياته، وتوضح علاقته بالأجيال الشعرية التى جاءت بعده، فقد شهد منزله واحدة من اللحظات المؤسسة لحركة أدبية تركت أثرًا واضحًا فى مسيرة الشعر العربى خلال القرن العشرين.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة