في ذكرى فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل في الأدب عام 1988، يظل عالمه الروائي حافلًا بما يستحق التأمل والاكتشاف، فقد حملت كتاباته مزيجًا من الحضارة المصرية القديمة والحضارة الإسلامية، وصاغت من تاريخ مصر وأسئلة مجتمعها مادة لأدب تجاوز حدود المكان.
وبعد فوزه بالجائزة اتجه الباحث السويدي أندرس هالينجرين إلى استكشاف هذا العالم، في مقال نشره موقع نوبل عام 2003 بعنوان "نجيب محفوظ.. ابن حضارتين"، محاولًا فهم ملامح التجربة التي جعلت الأديب المصري جديرًا بهذا التقدير العالمي.
انطلق هالينجرين من عبارة وردت في محاضرة محفوظ بمناسبة فوزه بالجائزة، قال فيها: "أنا ابن حضارتين تزوجتا زواجًا سعيدًا في مرحلة معينة من التاريخ"، مشيرًا إلى الحضارة الفرعونية التي يعود عمرها إلى سبعة آلاف عام، والحضارة الإسلامية التي تمتد، وفق تعبيره إلى ألف وأربعمائة عام.
ومن هذه الرؤية، قرأ هالينجرين مشروع محفوظ الأدبي بوصفه تعبيرًا عن هوية مصرية تتشكل عبر تفاعل الماضي والحاضر، وتستوعب التحولات التاريخية والاجتماعية من دون أن تنفصل عن جذورها.
من التاريخ الفرعوني إلى حواري القاهرة
بدأ محفوظ مسيرته الأدبية باستكشاف التاريخ المصري القديم، ولم يكن هدفه مجرد استعادة عصور بعيدة، بل البحث عن هوية بلاده في امتدادها التاريخي.
ويوضح المقال أن أول كتاب نشره محفوظ كان ترجمة لكتاب موجز عن تاريخ مصر القديمة للمؤلف جيمس بايكي، صدر عام 1932، قبل أن ينشر ثلاث روايات تاريخية تدور أحداثها في مصر القديمة خلال الفترة من 1939 إلى 1945.
ومن بين هذه الأعمال روايته الأولى "عبث الأقدار" الصادرة عام 1939، ثم "رادوبيس" عام 1943، و"كفاح طيبة" عام 1944. وكان محفوظ يطمح في البداية إلى كتابة أربعين رواية تتناول تاريخ مصر من أقدم العصور حتى زمنه، لكن تجربته قادته لاحقًا إلى عالم المصريين المعاصرين، بدءًا من الأحياء التي عرفها في القاهرة.
ويلفت هالينجرين إلى مفارقة في هذه الرحلة، فمحفوظ حين كتب عن الماضي، وجد نفسه يكتب عن الحاضر، وحين انتقل إلى الحاضر، اكتشف أن الماضي لا يزال حاضرًا في أعماله، فلم يكن الانتقال من الرواية التاريخية إلى الرواية الاجتماعية قطيعة مع التاريخ، بل تحولًا في طريقة النظر إليه.
وتجلت هذه النقلة في أعمال مثل "خان الخليلي" و"زقاق المدق"، ثم بلغت إحدى أبرز محطاتها في "الثلاثية" التي تضم "بين القصرين" و"قصر الشوق" و"السكرية"، حيث تابع محفوظ حياة أسرة قاهرية عبر أجيال متعاقبة، عاكسًا التحولات التي شهدها المجتمع المصري في النصف الأول من القرن العشرين.
عالم روائي يتجاوز السياسة
يرفض هالينجرين اختزال أعمال محفوظ في كونها حكايات سياسية مشفرة أو إسقاطات مباشرة على الواقع، فالروايات وفق قراءته، أعمال فنية متعددة المستويات، تصور بيئات مصرية تمتد من العصور القديمة إلى الحياة اليومية الحديثة، وتطرح أسئلة تتعلق بالهوية والقدر والحرية والأخلاق والحقيقة.
وفي هذا السياق، يبرز المقال اهتمام محفوظ بالشخصيات المهمشة والضعيفة، وبالنساء اللواتي يشغلن أدوارًا محورية في كثير من أعماله، فضلًا عن تصويره حياة الطبقات الوسطى والدنيا في القاهرة، ولا سيما الأحياء التي ارتبطت بطفولته وشبابه.
كما يتوقف عند رواية "أولاد حارتنا"، التي أثارت جدلًا واسعًا بسبب ما رآه منتقدوها من دلالات دينية في شخصياتها وأحداثها، موضحًا كيف امتد الجدل حولها إلى نقاش أوسع بشأن حرية التعبير وعلاقة الأدب بالمعتقدات الدينية.
كما يتناول أيضًا موقف محفوظ من قضية حرية التعبير في سياق الجدل الذي أعقب نشر رواية "آيات شيطانية" لسلمان رشدي، وما تبع ذلك من تهديدات ومحاولة اغتيال محفوظ عام 1994.
العائش في الحقيقة.. البحث الذي لا ينتهي
يخصص المقال مساحة لرواية "العائش في الحقيقة"، الصادرة عام 1985، التي تناول فيها محفوظ شخصية إخناتون من خلال روايات متعددة لشخصيات عرفته أو عاصرت حكمه. وبدلًا من تقديم حقيقة واحدة نهائية عن الفرعون، تتكشف أمام القارئ شهادات متباينة، لكل منها منظورها الخاص.
ويرى هالينجرين أن هذا البناء يعكس انشغال محفوظ الدائم بالسؤال عن الحقيقة، وحدود قدرة الإنسان على الوصول إليها؛ إذ لا تنتهي رحلة البحث بإجابة قاطعة، بل تفتح المجال أمام قراءات متعددة للتاريخ والشخصيات والدوافع الإنسانية.
ويظهر هذا الاهتمام أيضًا في رواية "أمام العرش"، التي جمع فيها محفوظ حكامًا من عصور مصر المختلفة أمام محكمة أسطورية يرأسها أوزوريس، لتصبح المقارنة بين الماضي والحاضر وسيلة لمساءلة السلطة ومصائر البلاد.
وفي ختام قراءته، يعود هالينجرين إلى الفكرة التي افتتح بها مقاله وهى أن محفوظ ابن حضارتين، لا يستمد أدبه من الماضي وحده، ولا يكتفي بتصوير الحاضر، بل يواصل البحث عن الخيط الذي يصل تاريخ مصر بأسئلة الإنسان في كل عصر. وهكذا تبدو أعماله، في قراءة الكاتب، رحلة أدبية مفتوحة لا تنتهي عند إجابة واحدة، تمامًا كما لا تنتهي رحلة البحث عن الحقيقة.