محمود عبد الراضى

انفرط عقد الأحبة.. رحلت أمي

الأحد، 11 أكتوبر 2026 10:27 ص


أيام قليلة تكاد تذيب ما تبقى من صبري على رحيل أمي، عقلي المنهك يأبى التصديق، أهذا حقيقي؟ أم أنني أسير في كابوس طويل أترقب نهايته؟ هل انفرط حقاً آخر حبات عنقود الأحبة من جعبتي؟ منذ ثلاثة أعوام، ودعنا أبي، واليوم تلحق به أمي، لأسقط فجأة في بحر اليتم التام، وأصبح في عمر الغربة بلا أب يشد أزري، وبلا أم تظلل روحي بدعواتها.

من بعد اليوم يفتح أحضانه الدافئة لاستقبالي حين تتقاذفني عواصم التعب وتطحنني القاهرة في رحلة العودة إلى مسقط رأسنا في قريتنا "شطورة" بقلب الصعيد الطاهر؟ من ذا الذي سيتتبع خطى رحلتي الطويلة من شمال البلاد إلى جنوبها، مترقباً قدومي على أول الشارع، يسأل ويطمئن ويلهج قلبه بالخوف عليّ؟ من ذا الذي سيغيث روحي بفيض الدعوات التي كانت تتدفق كالسيل العارم بعد كل صلاة؟ بالأمس فقدت دعوات أبي، واليوم انطفأت سماء أمي.

كيف أواجه جدران المنزل العتيق بدونهما؟ هل غادر الدفء جدران الدار فرحل معهما؟ كيف لي أن أنظر إلى حقولنا التي مشيا فيها، وذكريات طفولتي التي تتناثر في كل ركن، وكيف سنحتمل طقوس رمضان بلا صوتهما، وتكبيرات العيد بلا بهجتهما؟ من سيرتسم وجهه فرحاً وبهجة لرؤية الأحفاد بعد اليوم؟ إنها قسوة الدنيا حين تسلبك السند والضهر معاً في لمح البصر.

كنا بالأمس القريب نتحرك من حضن أمي الدافئ في البيت العتيق، لنزور مقبرة أبي، واليوم، كأن القدر أراد أن يجمع الحبيبين في دار الحق كما جمعتهما دور الدنيا؛ فعاش أبي المكافح، الصلب، الشهم، الذي قضى سنوات عمره جلداً وصابراً، ليرحل مع أول أذان لشهر رمضان المبارك، وما إن أظلم البيت لغيابه، حتى تسلل المرض إلى جسد أمي النحيل، فما استوت صحتها قط من بعده، تذبل يوماً بعد يوم، حتى استرد الله ودائعَه في السادس من أكتوبر، وكأن التاريخ أراد أن يكتب على جبين هذا الرحيل وجعاً لا ينسى.

صعبة هي الحياة حين تخلو من الأب والأم، ومؤلمة هي الأيام حين نمشي فيها عراة إلا من الذكريات، لكن عزائي الوحيد، ويقيني الذي لا يزول، أننا ما أضعناهما، بل ودعناهما لدار الحق، وموعدنا معهما قريباً في جنات ونهر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة