العالم تغير، ومواقف الشعوب تبدلت، ولم تعد السردية الإسرائيلية قادرة على المواجهة واحتكار المشهد الدولى، بالسهولة ذاتها التى ظلت تتمتع بها طيلة عقود طويلة، ولم يتوقع أكثر الناس تفاؤلا أن تتحطم السردية الإسرائيلية فى الشارع الأوروبى والأمريكى، بهذا الشكل والتحول العنيف فى المواقف داخل المؤسسات الأمريكية والأوروبية أيضا، ووصلت ذروة تطوره إلى حصول القاضية والمحامية الجنوب أفريقية «نافى بيلاى» على جائزة نوبل للسلام.
فوز المرأة الأفريقية الشجاعة بجائزة نوبل، يحمل دلالات سياسية وقانونية، تتجاوز أهمية الجائزة ذاتها، أبرزها تحطيم احتكار السردية الإسرائيلية للمشهد الدولى، الرسمى منه والشعبوى، فالقاضية «بيلاى» ترأست لجنة تحقيق أممية خلصت فى سبتمبر 2025 إلى أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية بحق الفلسطينيين فى قطاع غزة، هنا تكمن المفارقة التى تستحق الوقوف أمامها بكثير من القراءة والتحليل، امرأة تبلغ من العمر 85 عاما، أمضت عقودا طويلة من عمرها فى الدفاع عن حقوق الإنسان وملاحقة الجرائم الدولية، فجأة تتوج بجائزة نوبل للسلام، فى وقت تتعرض فيه المؤسسات القضائية الدولية لضغوط سياسية غير مسبوقة، وتخوض فيه إسرائيل والولايات المتحدة مواجهات حادة مع جهات دولية تتحدى سياساتهما ومواقفهما.
انطلاقا من هذه المفاجأة، يبرز السؤال: كيف انتقل ملف غزة من مساحة كانت إسرائيل تتمتع فيها بقدر واسع من التعاطف السياسى عقب هجمات السابع من أكتوبر 2023، إلى قضية أصبحت فيها اتهامات الإبادة الجماعية موضع تحقيق دولى، ومحل نقاش قانونى وأخلاقى واسع، وموضوعا يؤثر فى صورة إسرائيل ومكانتها لدى قطاعات من الرأى العام العالمى؟
وللإجابة عن هذا السؤال المهم، فإنه لا يمكن فهم التحول فى المواقف الدولية دون العودة إلى اللحظة الأولى للحرب، فعقب هجمات السابع من أكتوبر، أعلنت معظم الحكومات الغربية دعمها لإسرائيل، وأكدت حقها فى حماية مواطنيها والدفاع عن أمنها، تأسيسا على ما وفرته صور الضحايا والرهائن، إلى جانب الصدمة التى أحدثتها الهجمات، من تعاطف كبير لهذا الدعم.
ومع امتداد العمليات العسكرية، واتساع نطاق الدمار، وارتفاع أعداد الضحايا الفلسطينيين، من أطفال وشباب ونساء وكبار السن، بجانب تعرض المستشفيات والبنية التحتية المدنية لأضرار واسعة، بدأت الأسئلة تتجاوز أهداف الحرب المعلنة إلى وسائل تنفيذها وحدودها القانونية والإنسانية، فكان التحول تدريجيا، لكنه عميق، ومع استمرار الأزمة الإنسانية، أصبحت الصور القادمة من غزة، وتقارير المنظمات الدولية، والتحقيقات الحقوقية، عوامل ضاغطة على الحكومات التى كانت تتبنى خطابا أكثر تفهما للموقف الإسرائيلى.
نافى بيلاى تصدرت المشهد الدولى عبر بوابة غزة، وإيمانها المطلق بأحقية الفلسطينيين فى العيش بأمن وسلام على أراضيهم، وأن ما تفعله إسرائيل، جرائم إبادة ضد الإنسانية تفوق خطورتها التفرقة العنصرية المقيتة، وكون «بيلارى» نشأت وترعرعت فى جنوب إفريقيا فى ظل نظام الفصل العنصرى، وعملت محامية فى الدفاع عن الحقوق، ثم أصبحت من أبرز الشخصيات القانونية التى شاركت فى تطوير منظومة العدالة الدولية، فقد شغلت منصب المفوضة السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فى الفترة ما بين عامى 2008 و2014، كما عملت قاضية فى المحكمة الجنائية الدولية، وارتبط اسمها بالعمل القضائى الدولى فى قضايا الجرائم الجسيمة.
وتكتسب خلفيتها الجنوب أفريقية أهمية خاصة فى فهم رؤيتها، فقد عايشت مجتمعا أقيمت فيه منظومة قانونية وسياسية لتبرير التمييز العنصرى، وشاهدت كيف يمكن للقوة أن تحول الظلم إلى واقع طبيعى، وكيف يمكن للقانون أن يصبح إحدى أدوات مقاومته.
وفى سبتمبر 2025، أعلنت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التى ترأستها أن إسرائيل ارتكبت أربعة من الأفعال الخمسة التى تتناولها اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، وخلصت إلى توافر القصد الخاص المطلوب قانونا فى تفسيرها للأدلة، كما حملت اللجنة السلطات الإسرائيلية مسؤولية هذه الأفعال، وأشارت إلى تصريحات لمسؤولين إسرائيليين اعتبرتها تحريضا على الإبادة الجماعية.
ورفضت إسرائيل هذه الاتهامات، ووصفت التقرير بأنه منحاز ومضلل، غير أن مجرد صدور التقرير عن لجنة تحقيق أممية، واستناده إلى تحليل الوقائع والتصريحات والسلوك العسكرى، جعلا الاتهام جزءا مركزيا من النقاش الدولى بشأن الحرب، لا مجرد شعار سياسى تتداوله أطراف الصراع.
فى حيثيات منح الجائزة لعام 2026، ركزت لجنة نوبل على جهود بيلاى فى تعزيز السلام والقانون الدولى، ودورها فى الدفع نحو مساءلة مرتكبى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية.
والرسالة الأعمق هنا أن النفوذ السياسى لا يضمن امتلاك الحقيقة إلى الأبد، وأن المؤسسات الدولية تستطيع، رغم القيود والضغوط، منح الشرعية المعنوية لمن يصرون على مساءلة الأقوياء.
إن فوز نافى بيلاى بجائزة نوبل للسلام يكشف أن مساحة الصمت والتبرير حيال الجرائم الإسرائيلية فى غزة، أصبحت أضيق، وأن المساءلة القانونية لم تعد شأنا هامشيا يمكن تجاهله بسهولة.
وربما تكون الرسالة الأكثر وضوحا للرئيس الأمريكى دونالد ترامب، وحليفه فى الشر، رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو، أن النفوذ يستطيع تأخير المحاسبة، لكنه لا يضمن إلغاءها، وأن السيطرة على الرواية الإعلامية لا تعنى السيطرة على ذاكرة العالم.
العالم يتغير بالفعل، وأن جرائم إسرائيل فى غزة كشفت حجم التناقض بين المبادئ المعلنة والممارسات الفعلية، ولأن شخصيات ومؤسسات دولية تواصل المطالبة بتطبيق القانون على الجميع.