فى زمن اللامعنى والتفاهة، تقف أنشطة الخط العربى المتزايدة يومًا بعد يوم كأداة للحضور الذى يحمل معانى متعددة، بدءًا من مضامين روحية إلى مضامين فنية تسمو بالروح.
فى الشارقة، شهدنا مؤخرًا ملتقى الشارقة للخط العربى، الذى اشتمل على أنشطة متعددة من معارض وندوات وورش، برز فى الملتقى خطاط مصرى واعد هو الدكتور بلال مختار، وهو من مواليد مدينة الزقازيق عام 1982، وبالرغم من تخصصه فى مجال تكنولوجيا التعليم وعمله فى مجال المكتبات فى معهد الزقازيق الدينى الأزهرى، أى خارج العاصمة القاهرة، استطاع أن يتخطى حدود البعد عن المركز، ليكتب بإبداعه خطوطًا جعلت منه واحدًا من أفضل الخطاطين فى العالم، فقد حصد إلى الآن خمس جوائز دولية، كما كتب ثلاثة مصاحف، واختير محكّمًا فى مسابقات دولية، وشارك فى عدد من المعارض فى مصر وخارجها، ولا شك أن بُعد هذا المبدع عن العاصمة والإعلام وصخبه جعله يبدع بشكل غير مسبوق، لكن فى الوقت ذاته حان الوقت لكى يقدّره الإعلام المصرى ويقدمه للحياة العامة كنموذج يجب الافتخار به.
وفى الشارقة برز الخطاط الكويتى جاسم معراج، والذى قدم أربع لوحات مبتكرة للحلية الشريفة، جاسم مهندس كيميائى، ومن شغفه بالخط العربى ترك الهندسة وتفرغ لهذا الفن، حتى حصل على الماجستير فى الفنون الإسلامية، وحصد عبر مسيرته عددًا من الجوائز.
والحلية الشريفة تمثل وصفًا أدبيًا وخطيًا للنبى محمد، صلى الله عليه وسلم، يجمع بين صفاته الخَلْقية والخُلُقية، ضمن تكوين بصرى متوازن يعكس جمالية الخط العربى وعمقه الروحى، وفى هذه الحلية، تنافس فى الشارقة عدد من الخطاطين فى إبرازها، كان منهم محفوظ ذو النون من الموصل، سليل المدرسة الخطية العراقية الشهيرة، والخطاط المغربى عبد الرحيم كولين، وهو رئيس شعبة الخط فى أكاديمية الفنون التقليدية فى الدار البيضاء، وقد نال شرف كتابة المصحف الشريف برواية ورش عن نافع بالخط المغربى المبسوط، وأعماله من المقتنيات المنتشرة فى العالم لجمالها.
إن من اللافت للنظر معرض "ميزان" الذى صاحب الملتقى، وهنا لا بد أن نذكر الفنان والخطاط خالد الجلاف، الذى عكست رؤيته جماليات الخط العربى فى سلسلة المعارض التى صاحبت الملتقى، ومنها معرض "ميزان"، اللوحات التى جرى اختيارها لهذا المعرض تمثل نقلة نوعية فى الخط العربى، ويعود ذلك إلى قوة تعبيرها التى حملت مشاعر عميقة لدى الخطاط، وهى تنطلق من بُعد مهم فى الفن الإسلامى، وهو أن العلاقة بين الخط والزخرفة فى اللوحة الخطية علاقة وطيدة، فالزخرفة ليست عنصرًا زائدًا أو تابعًا، لكن شريكًا بصريًا للخط، غير أن نجاح هذا التشارك مرهون بميزان دقيق يمنع أن تطغى الزخرفة على النص أو تشتت معناه، ويحول دون أن يكون الخط منغلقًا على ذاته دون امتداد جمالى، فالتوازن بينهما يحقق وحدة فنية تتكامل فيها الدلالة مع الزينة.
ما يميز معارض الخط فى الشارقة هو تنوع المدارس، فالزائر سيقف كثيرًا أمام لوحات الخطاط السودانى تاج السر حسن، الذى قدم لوحات "دوائر النور" بخط الثلث الجلى داخل أشكال هندسية، مثل المربع والمعين وغيرها.
لكن من هراة فى أفغانستان، استحضر الفنان محمد يونس جامى روح الفنان بهزاد، الذى يُنسب خطأً إلى إيران، وروح الزخارف الإسلامية بالتقليد والابتكار، فقدم تأملًا بصريًا فى لوحات تعكس الاستمرارية والتكرار وغياب النهاية، ضمن فضاء تتلاشى فيه الحدود الفاصلة بين البداية والنهاية، وتتداخل فيه الخطوط الهندسية والإيقاع والضوء لتشكل حركة بصرية مفتوحة مستلهمة من لغة التذهيب. وهكذا، لو جلسنا أمام لوحاته، سنجد كلمات تتدفق كمياه الأنهار، تحاول أن تعبر بصورة أو بأخرى عن روائع لوحاته، لكن كل هذا لا يغنى عن تأملها وهى أمامنا، فهل يعجز الإنسان عن توصيف لوحة؟ هنا أقول: نعم!