أكد الدكتور خالد عبد الغفار وزير الصحة والسكان، أن قرارات العلاج على نفقة الدولة تمثل حاليًا إحدى الأدوات الرئيسية لتوفير الرعاية الصحية للمواطنين الذين لا يتمتعون بالتغطية التأمينية، خاصة من لا يشملهم التأمين الصحي القائم أو منظومة التأمين الصحي الشامل، وليس لديهم نظام تأمين صحي من خلال جهة عمل أو مؤسسة خاصة.
وأشار وزير الصحة والسكان خلال لقائه الصحفيين والإعلاميين اليوم الخميس، إلى أن الدولة تصدر نحو 14 ألف قرار علاج يوميًا، ما بين طلبات جديدة وقرارات صادرة بالفعل، بمتوسط إنفاق يومي يصل إلى نحو 25 مليون جنيه، وهو ما يعكس حجم الاحتياج الفعلي لهذه المنظومة، خاصة في الحالات التي تحتاج إلى علاج مستمر أو تدخلات طبية مرتفعة التكلفة.
وأضاف أن إجمالي القرارات يصل إلى نحو 343 ألف قرار شهريًا، ونحو 4 ملايين قرار سنويًا، بتكلفة إجمالية تقدر بنحو 34 مليار جنيه سنويًا لعلاج غير القادرين الذين لا تشملهم مظلة التأمين الصحي.
من 1.5 مليون إلى 4 ملايين قرار.. تصاعد الطلب على العلاج
وأوضح أن حجم قرارات العلاج على نفقة الدولة شهد ارتفاعًا ملحوظًا مقارنة بالسنوات الماضية، حيث ارتفع عدد القرارات من نحو 1.5 مليون قرار سنويًا إلى نحو 4 ملايين قرار، بما يعكس زيادة الطلب على الخدمة واتساع نطاق الحالات التي تلجأ إليها.
وأكد أن الأموال التي يتم إنفاقها من خلال هذه القرارات تصل بالفعل إلى المواطنين المستفيدين في صورة خدمات علاجية وأدوية وتدخلات طبية، إلا أن ذلك لا يعني عدم وجود احتياجات أو شكاوى تحتاج إلى التعامل معها، مشددًا على أن المنظومة تمثل أداة مهمة للتدخل في الحالات التي تحتاج إلى علاج ولا تملك القدرة المالية اللازمة.
الميكنة تقلص زمن إصدار القرار.. وأحيانًا دقائق للحالات البسيطة
وأشار إلى أن الدولة تعمل على تطوير وميكنة منظومة قرارات العلاج على نفقة الدولة بهدف تقليل الوقت اللازم لإصدار القرار، موضحًا أن الميكنة الجديدة تستهدف إنجاز الطلبات خلال فترة تتراوح بين 24 ساعة و3 أيام كحد أقصى، بينما يمكن لبعض الحالات البسيطة أن تحصل على القرار خلال دقائق.
وأكد أن سرعة إصدار القرار تمثل عاملًا مهمًا، خصوصًا في الحالات الطبية التي لا تحتمل الانتظار، مشيرًا إلى أن تطوير المنظومة لا يقتصر على إصدار القرار، وإنما يشمل كذلك التعامل مع الاستفسارات والشكاوى ومتابعة رحلة المواطن داخل الخدمة.
«اللي بيشتكي مش هو كل الناس».. ضرورة قراءة الشكاوى في سياقها
وأوضح الدكتور أن تقييم أي منظومة صحية لا يمكن أن يعتمد فقط على عدد الشكاوى، لأن المواطن الذي يواجه مشكلة يكون أكثر ميلًا إلى التواصل والإبلاغ عنها، بينما لا يظهر في الصورة العدد الأكبر من المواطنين الذين حصلوا على الخدمة دون تقديم شكوى.
وأكد في الوقت نفسه أن الشكوى تظل مؤشرًا مهمًا يجب الاستماع إليه وتحليله، خصوصًا عندما تكشف عن مشكلة متكررة أو خلل في جزء من رحلة المريض، لافتًا إلى أن الهدف من منظومة الشكاوى ليس فقط استقبال البلاغات، وإنما اكتشاف مواطن الخلل والعمل على إصلاحها.
التأمين الصحي الشامل يغير المعادلة.. «الغني والفقير داخل منظومة واحدة»
وأشار إلى أن التوسع في منظومة التأمين الصحي الشامل يمثل، على المدى الطويل، تحولًا جوهريًا في طريقة تقديم الخدمة الصحية، موضحًا أن المواطن في المحافظات التي تطبق بها المنظومة يصبح مشمولًا بالتأمين، سواء كان قادرًا أو غير قادر، بما يضمن حصوله على الخدمة وفق قواعد المنظومة نفسها.
وضرب مثالًا بمحافظات المرحلة الأولى مثل الإسماعيلية والسويس، موضحًا أن المواطنين المشمولين بالمنظومة لا يحتاجون إلى اللجوء إلى قرارات العلاج على نفقة الدولة، لأن التغطية التأمينية تشمل الجميع داخل المحافظة.
وأكد أن فلسفة التأمين الصحي الشامل تستهدف تدريجيًا توحيد مظلة الحماية الصحية للمواطنين، بحيث تتراجع الحاجة إلى المنظومات المؤقتة أو البديلة مع دخول المزيد من المحافظات إلى التأمين الصحي الشامل.
34 مليار جنيه للعلاج على نفقة الدولة.. والاحتياجات تفرض زيادة الإنفاق
وشدد الدكتور على أن ارتفاع تكلفة العلاج على نفقة الدولة من مستويات سابقة إلى نحو 34 مليار جنيه سنويًا يعكس حجم الاحتياجات المتزايدة، مؤكدًا أن الموازنات الصحية يجب أن تتطور بالتوازي مع تطور احتياجات المواطنين وارتفاع تكلفة الخدمات والأدوية والتدخلات الطبية.
وأوضح أن الإنفاق الصحي يتأثر بدوره بالظروف الاقتصادية العامة، وأن الأزمات الاقتصادية أو نقص العملة الأجنبية يمكن أن ينعكس على تكلفة توفير بعض الأدوية والمستلزمات والمعدات الطبية، خاصة في المجالات التي تعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد.
علاج الأورام نموذج للتكلفة المرتفعة.. مئات الملايين شهريًا
وأشار إلى أن علاج الأورام يمثل أحد أبرز الأمثلة على ارتفاع تكلفة الرعاية الصحية، موضحًا أن أعداد المستفيدين من علاج الأورام تصل إلى مئات الآلاف سنويًا، بينما تصل تكلفة العلاج إلى مليارات الجنيهات.
وأوضح أن تكلفة علاج الأورام تشمل أدوية وعلاجات بيولوجية ومستلزمات طبية وتدخلات متعددة، وأن جزءًا كبيرًا من هذه الاحتياجات يرتبط بسلاسل توريد عالمية، ما يجعل توفير العملة الأجنبية واستقرار سلاسل الإمداد عاملين مؤثرين في استمرار إتاحة الخدمة.
وأكد أن الأزمات الاقتصادية العالمية لا تؤثر على مصر وحدها، وإنما تمثل تحديًا أمام النظم الصحية في مختلف الدول، خصوصًا فيما يتعلق بالأدوية والمستلزمات الطبية التي تعتمد على التصنيع أو المواد الخام المستوردة.
«الأزمة كانت موجودة.. لكن المواطن ما حسش بيها»
ولفت الدكتور إلى أن فترات نقص العملة الأجنبية واضطراب سلاسل التوريد مثلت تحديًا حقيقيًا أمام القطاع الصحي، خاصة في توفير بعض الأدوية والمستلزمات التي تحتاجها المستشفيات، مشيرًا إلى أن استمرار تقديم الخدمات خلال هذه الفترات تطلب إدارة دقيقة للموارد والتوريد.
وأكد أن قدرة المنظومة الصحية على التعامل مع هذه الضغوط ترتبط بوجود تخطيط مسبق للمخزون والاحتياجات، إلى جانب استمرار الدولة في تمويل الخدمات الأساسية، خاصة الخدمات المرتبطة بالأمراض المزمنة والأورام والحالات التي لا تحتمل تأجيل العلاج.
«المريض هو البوصلة».. الإنفاق في النهاية لخدمة المواطن
واختتم بالتأكيد على أن الأرقام الخاصة بالموازنات وقرارات العلاج وعدد المستفيدين لا ينبغي أن تكون هدفًا في حد ذاتها، وإنما وسيلة لضمان وصول الخدمة إلى المواطن الذي يحتاج إليها.
وأوضح أن نجاح المنظومة الصحية يقاس في النهاية بقدرتها على حماية المواطن، وتوفير العلاج في الوقت المناسب، وتقليل الأعباء المالية المباشرة عنه، مع استمرار التوسع في التأمين الصحي الشامل باعتباره الإطار الذي يستهدف جمع المواطنين داخل مظلة صحية موحدة ومنظمة.