يرى باحثون أن فن الكهوف فى عصور ما قبل التاريخ ربما كان يبدو مختلفا تماما عما نراه اليوم فى الصور الفوتوغرافية أو الإضاءة الحديثة، إذ كانت الرسومات تُشاهد فى ضوء خافت ومتذبذب صادر عن المشاعل أو مصابيح دهن الحيوانات، ما قد يجعل الحيوانات المرسومة تبدو وكأنها تخرج من الصخور أو تتحرك بين الظلال.
ويزداد اهتمام الباحثين بدراسة فنون الكهوف باعتبارها جزءا من بيئتها الطبيعية، وليس مجرد صور على الجدران، ففى موقع إل كاستيلو بشمال إسبانيا، الذى يضم آلاف الصور، واستخدم الفنانون تضاريس الكهف ضمن أعمالهم، فتحولت الشقوق والنتوءات وتكوينات الصخور إلى أجزاء من أجسام الحيوانات، بينما أضيفت أحيانا علامات قليلة فقط لإبراز شكل موجود بالفعل فى الحجر، بحسب my modern met.

فن الكهوف
الصخور جزء من اللوحة
تشير هذه التفاصيل إلى أن فنانى ما قبل التاريخ ربما لم يتعاملوا مع جدران الكهوف كمساحات فارغة، بل كانوا يتعرفون على أشكال الحيوانات داخل الصخور ويستخدمون الطلاء أو النحت لإظهارها، وقد يوحى أحد المنحنيات بظهر ثور البيسون، بينما يمكن أن تشير تشكيلات أخرى إلى حصان أو غزال.
ويدرس عالم الآثار دييغو غاراتى، الذى بحث على نطاق واسع فى فن الكهوف خلال العصر الحجرى القديم، الطريقة التى تفاعلت بها هذه الصور مع محيطها، بما فى ذلك تأثير الإضاءة القديمة التى يصعب نقلها عند إعادة إنتاج فن الكهوف فى الصور الحديثة.
الظلال تمنح الحيوانات حركة
كانت المشاعل ومصابيح دهن الحيوانات تختلف عن مصادر الإضاءة الحديثة، إذ كانت تصدر ضوءا متذبذبا تتحرك معه الظلال باستمرار على جدران الكهوف غير المستوية، ولذلك كان الحيوان المرسوم على نتوء أو بجوار شق يمكن أن يبدو مختلفا من لحظة إلى أخرى مع تحرك الأشخاص ومصادر الضوء.
ومن أبرز الأمثلة فى إل كاستيلو شكل يعرف أحيانا باسم "رجل البيسون"، وهو شكل منحوت فى صواعد الكهوف، وعند إضاءته من زاوية معينة يلقى ظلا يشبه ظل البيسون، وقد بدا الظل أثناء تحريك غاراتى لمصدر الضوء وكأنه يسير على جدار الكهف.
تجربة يصعب استعادتها
لا يمكن الجزم بأن صانع "رجل البيسون" قصد هذا التأثير، فالمصابيح اليدوية الحديثة تختلف كثيرا عن المشاعل والمصابيح التى كانت متاحة قبل آلاف السنين، ما يجعل إعادة إنتاج التجربة الأصلية بدقة أمرا صعبا، ويستخدم الباحثون حاليا عمليات إعادة بناء رقمية وتقنية الواقع الافتراضى لدراسة تفاعل مصادر الضوء القديمة مع أسطح الكهوف.
وتكشف أعمال أخرى عن مدى دقة ملاحظة فنانى ما قبل التاريخ للصخور المحيطة بهم، ففى أحد التكوينات الطبيعية فى إل كاستيلو يظهر ما يشبه رأس ثور أمريكى، ولم يضف الفنان سوى علامتين سوداوين صغيرتين للعين والمنخر، بينما جاءت معظم تفاصيل الحيوان من شكل الصخر نفسه.
وتعيد هذه التفاصيل تشكيل نظرة الباحثين إلى فنون ما قبل التاريخ، إذ ربما لم تكن رسومات الكهوف صورا ثابتة تُشاهد من زاوية واحدة، بل أعمالا وُجدت داخل بيئة من الظلام والصخور غير المستوية والمشاهدين المتحركين والضوء المتغير باستمرار، وهو ما قد يكون جعل الكهوف تقدم تجربة غامرة، وتبدو الحيوانات المرسومة والمنحوتة وكأنها تنبض بالحياة فى وهج اللهب الخافت.