د.سمر أبو الخير تكتب: ساعات المذاكرة ليست ساحة حرب مع أصحاب القدرات الخاصة

الخميس، 01 أكتوبر 2026 10:31 ص
د.سمر أبو الخير تكتب: ساعات المذاكرة ليست ساحة حرب مع أصحاب القدرات الخاصة د.سمر أبو الخير

حين يسكن الليل في أركان البيت وتخفت الأصوات، يبقى في إحدى الغرف ضوء خافت يشهد على معركة صامتة لا يسمع ضجيجها أحد، طفل يتشبث بكتاب مفتوح منذ ساعات، تائهة عيناه بين السطور كمن يبحث عن نجاة، وإلى جواره أم يمزق قلبَها الخوف على مستقبله، فترمي أمام صمته عبارات تظنها طوق نجاة: «ركز يا بني.. حاول أكثر.. انظر إلى زملائك أين وصلوا». وبحسن نية جارف، يتحول ركن المذاكرة من محراب لاكتشاف العالم إلى ساحة استنزاف نفسي، يقف فيها الطرفان على حافة الإرهاق دون أن يدركا أن المشكلة لم تكن يوماً في قلة المحاولة.

وهنا تغفل عين الأم المحبة، وسط قلقها المشروع، عن حقيقة علمية وإنسانية بالغة البساطة: بعض الأبناء لا تنقصهم ساعات إضافية من الجلوس القسري أمام الورق، بل يحتاجون إلى درب مختلف يسلكونه نحو المعنى، وإلى متسع من الصبر والفهم يحتضن تفردهم، فالمذاكرة لم تكن يوماً اختباراً للجلد العضلي، ولا فريضة تُنتزع بالصراخ والتهديد وحرمان الراحة.

كما أن تكديس الساعات أمام الكتب لا يصنع بالضرورة عقلاً نبيهاً، لا سيما حين يخوض التجربة طالب يتعايش مع إعاقة، أو يواجه صعوبة تعلم محددة، أو يكابد مرضاً مزمناً يستنزف طاقته العصبية والجسدية قبل أن يبدأ أول سطر.

إن تفكيك هذا النزاع اليومي يبدأ من الإيمان العميق بأن الاختلاف ليس عجزاً، فعسر القراءة أو الكتابة أو الحساب ليس دليلاً على انخفاض معدل الذكاء، تماماً كما أن الإعاقة الحركية أو الحسية لا تعني أبداً قصوراً في مدارك الفهم والاستيعاب، وكل ما في الأمر أن مسارات الإدراك تتعدد بتعدد البشر، ومن هنا يتجلى جوهر العدالة التعليمية، التي لا تقتضي صبّ الجميع في قالب واحد ومنحهم الأدوات ذاتها، بل تعني مدّ كل طالب بما يناسب هندسته الخاصة لتمكينه من بلوغ كامل إمكاناته دون حواجز مصطنعة.

وحين تُستبدل هذه الرؤية المنصفة بالضغط العصبي والمقارنة الدائمة مع الأقران، يتحول التعلم فسيولوجياً إلى تهديد وجودي يُشعل في الدماغ استجابات الخوف.

وتشير أبحاث علوم الأعصاب إلى أن الوقوع تحت وطأة التوتر المزمن يعطل وظائف القشرة المخية المسؤولة عن الانتباه والذاكرة والوظائف التنفيذية، ليجد الطالب نفسه محاصراً داخل دائرة مفرغة، كلما زاد صراخ المحيطين به لإجباره على التركيز، انغلقت بوابات الذاكرة في عقله بفعل الخوف، ليتحول الجهد كله إلى صدمة نفسية تعمق شعور العجز المكتسب.

لذلك يصبح لزاماً على الأسرة الواعية أن تغير بوصلة السؤال، فبدلاً من أن تسأل مساء كل يوم: «كم ساعة أمضيت أمام الكتاب؟» عليها أن تتساءل بنضج «ما الأثر الذي بقي في عقلك اليوم؟ وكيف نجعل رحلة وصولك إلى الفكرة أيسر وأخف وطأة؟».

هذا التحول يبدأ بإعادة هندسة بيئة التعلم لتغدو مساحة آمنة تحتفي بالقدرة وتراعي الجهد، عبر تقسيم أوقات الدراسة إلى فترات مركزة وقصيرة تفصل بينها استراحات مدروسة، مع احترام المنحنى البيولوجي للطاقة وأيام الإجهاد والألم لأصحاب الظروف الصحية الخاصة.

كما يتطلب هذا استبدال جمود النصوص الورقية بثرائها البصري والسمعي، من خرائط ذهنية، وجولات افتراضية، وتقنيات تحويل النص المكتوب إلى صوت مسموع، ليصبح التعلم تجربة حسية متعددة المنافذ.

وفوق هذا كله، يزدهر الطالب حين يشارك بنفسه في تخطيط وقته واختيار أدواته، وحين يقترن جهده بتشجيع يثمن كل خطوة للأمام بدلاً من مطاردته بترصد الأخطاء، مع بناء جسر مستمر من التواصل والتنسيق الواعي بين البيت والمدرسة والمختصين.

إننا بحاجة ماسة إلى نزع القداسة عن فكرة «عدد الساعات»، فالتفوق الحقيقي لا يُوزن بثقل الوقت المستنزف، بل بعمق الفهم، والقدرة على توظيف المعرفة في الحياة، وصون السلامة النفسية للطالب التي هي رأسماله الأبقى، وينسحب هذا المفهوم مباشرة على قاعات الاختبارات في المدارس، بحيث يمنح الطالب وقتاً إضافياً ويتم دعمه بوسائل مساعدة بهدف رفع العائق الحركي أو الحسي الذي يعوق عملية التعلم.

وفي نهاية المطاف، لا يحتاج الابن إلى أم تقف كحارس يترصد دوران عقارب الساعة، بل إلى رفيقة تكتشف معه شغف المعرفة وتؤمن بإيقاعه الفطري، فالأبناء لا يزهرون تحت وطأة المقارنة ولوم التقصير، وإنما ينمون في ظلال الفهم والاحتواء ولعل أبلغ ما يمكن أن يقدمه أب أو أم لطفلهما بعد عناء يوم طويل، ألا يسألاه عن عدد الصفحات التي طواها، بل أن يغمراه بنظرة فخر صادقة قائلين: «يكفينا فخراً أنك حاولت بشجاعة اليوم».

فالنجاح لا يصنعه الخوف من الخطأ في بيوت متوترة، بل ينبثق في رحاب بيت يؤمن بأن العثرة أول طريق الفهم، وأن الإعاقة أو المرض أو صعوبة التعلم ليست إلا منعطفات في الطريق، يمكن تجاوزها دائماً بحب واعٍ وأفق رحب لا يعرف الاستسلام.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة