رواية "عسل السنيورة".. فقرتان صغيرتان أشعلتا حكاية تاريخية كاملة.. والرواية خروج كامل من زمن الحملة الفرنسية إلى التاريخ المعاصر
الحملة الفرنسية والهوية.. لماذا لم تعد مصر كما كانت قبل 1798؟
نجيب محفوظ "سيد الناس".. وماركيز له صورة بالحجم الطبيعى فى مكتبى.. وأخطر ما فى الكتابة أن القارئ الذى يعرفك سيقرأ الرواية بصوتك
الرواية ليست سيرة ذاتية… لكنها تتسرب منك دون أن تدرى.. وإذا أردت أن تكتب بلغة عربية جيدة؟: اقرأ القرآن
مصر رائدة فى الفيلم الوثائقي.. بدأنا فى قناة الوثائقية من 3 سنوات ولدينا العديد من الأفكار.. والشركة المتحدة للخدمات الإعلامية لها فضل كبير في تبنى هذا المشروع
كرمت "اليوم السابع"، الكاتب والمخرج شريف سعيد، رئيس القناة الوثائقية، وصاحب رواية "عسل السنيورة" الحاصلة مؤخرًا على جائزة نجيب محفوظ، من المجلس الأعلى للثقافة، وكان لقاؤه فرصة لمناقشة العديد من الموضوعات المهمة حول التاريخ والتوثيق وفن الرواية.
وشهدت الندوة التى تقدمها عبد الفتاح عبد المنعم رئيس التحرير، وأدارها وائل السمري، رئيس التحرير التنفيذي، وشارك فيها عدد كبير من الزملاء منهم، عبد الرحمن حبيب، ومحمد فؤاد، ومحمد غنيم، وحسن مجدي، ومنة الله حمدي، حوارًا مثمرًا وفتح قضايا كبيرة عن تاريخ مصر وكيفية توثقيقه، وما تقدمه قناة الوثائقية وتقوم به من دور، وبين فن الرواية وما به من خيال.
فى البداية رحب الكاتب الصحفى، عبد الفتاح عبد المنعم، رئيس تحرير اليوم السابع، بالكاتب والمخرج شريف سعيد، مبديًا سعادته بفوزه بجائزة نجيب محفوظ، وما يقدمه فى القناة الوثائقية.
ومن جانبه أبدى الكاتب شريف سعيد، سعادته بوجوده فى "اليوم السابع" وأشاد بما تقدمه المؤسسة خلال "اليوم السابع"، سواء الموقع الإلكترونى أو الفيديو أو النسخة الورقية، وإجابة عن سؤال "هل ستقدم القناة الوثائقية مادة فيلمية عن الصحف والمواقع المستقلة"؟ أجاب شريف سعيد بأن مصر بلد عريق فى صناعة الصحافة، فحين نعود لتاريخ الصحافة فى مصر، نرجع إلى أيام إصدارات الحملة الفرنسية، ومرورًا بعد ذلك بـ "الوقائع المصرية" وصولًا إلى اللحظة الآنية، لذا تكون هناك أولويات فى التوثيق، وقد عملنا على أمير الصحافة محمد التابعي، واشتغلنا على "روز اليوسف" احتفاءً بمئويتها هذا العام، ونعمل حاليًا على "الأهرام" لأننا اقتربنا بالفعل من مرور 150 عامًا على إصدار أول عدد، فنحن فى الناحية الوثائقية وتاريخ الصحافة فى مصر نعمل عليها تباعًا.
كيف تتعامل القناة الوثائقية مع أرشيف الصحافة ومع الصحف المستقلة؟
أى مؤسسة صحفية فى مصر، وتحديدًا المؤسسات الصحفية القومية، تاريخها عريق جدًا، والمتتبع لتاريخها وأرشيفها يرى تاريخ مصر وتاريخ المنطقة. نتحدث عن الأهرام، الأخبار، الجمهورية، ودار الهلال، كل هذه المؤسسات، وصولًا بعد ذلك للمواقع الإلكترونية وعلى رأسها "اليوم السابع"، علاوة على ذلك نحن خلال موضوعاتنا الوثائقية، وحين نتتبع أحداث 2011 وما تلاها وصولًا لعام 2013، ودور الصحافة والصحفيين المصريين فى تلك اللحظة الوطنية؛ يظهر ذلك فى أفلام كثيرة قد لا تكون مختصة بالإصدار الصحفى ذاته، لكن يتم التطرق فيها للدور المشرف الذى لعبته هذه المؤسسات فى تلك اللحظة الفارقة.
حدثنا عن القناة الوثائقية.. ودورها المهم في حفظ تراث مصر والكشف ؟
القناة الوثائقية عمرها قارب الثلاث سنوات، وأنا أقول دائمًا للزملاء ولنفسي، مهما فعلنا فنحن لم نفعل شيئًا بعد، لأن "أن تأتى متأخرًا خير من ألا تأتى أبدًا"، مصر دولة عريقة فى صناعة الفيلم التسجيلى والوثائقي، بل هى الدولة الرائدة فى المنطقة، وكوننا تأخرنا فى إطلاق قناة متخصصة فى الصناعة الوثائقية، فالفضل فى تدارك ذلك يعود لله ثم للشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، لأنه ليس من السهل أن يتبنى أحد مشروعًا كهذا، فى الفترة السابقة كان لدينا "واجب" (عمل تحضيري) كبير جدًا، بدأنا كوحدة أفلام وثائقية فى 2018 ثم كبرنا شيئًا فشيئًا بفضل الله حتى وصلنا لهذه النقطة.
ومع الوقت نتوسع ونتنوع فى الإنتاج أكثر، لكن هناك "واجبات" أو ما لا يمكن تركه فى الصناعة الوثائقية بالضرورة، فلا يصح مثلًا أن أنطلق فى 2023 وبعد أشهر قليلة يحل اليوبيل الذهبى لحرب أكتوبر ولا أوجه كل ماكينة الإنتاج لهذه المناسبة، ثم شيئًا فشيئًا دخلنا فى السياسة، والثقافة، والتاريخ، والفن، والأندية الشعبية، وغيرها، وأصبح هناك "البودكاست"، لأنه فى النهاية يجب متابعة وملاحقة المستجدات، لكن بمعيار المحتوى الذى نقدمه، كما لاحظنا أن من الأشياء التى تحظى باهتمام، خاصة من السن الصغيرة، "علم المصريات" (Egyptology)، والرياضة، والفن، وبالمناسبة، من أعلى نسب المشاهدة - وهذا ما لم نكن نتوقعه من الأعمار الصغيرة - هو كل ما يتعلق بانتصار مصر على إسرائيل، خصوصًا فى السنوات الثلاث أو الأربع الماضية.
ننتقل للرواية الفائزة بجائزة نجيب محفوظ.. كيف بدأت العمل على رواية "عسل السنيورة"؟
إن البداية كانت من إشارة سريعة عن هذه السيدة المسماة جوليا، فكل ما كتب عنها حرفيًا كان مجرد "فقرتين"، لكننى شعرت أننى لابد أن أكتب عنها، كان لابد أن أعود إليها ثانية لأنها قصة مثيرة جدًا، فحين تجد فى كتب التاريخ اسمًا مثل "السنيورة"، تتساءل: من هذه السيدة التى يسميها المصريون فى ريف المنصورة "السنيورة"؟ ولماذا سموها هكذا؟ كان الموضوع بالنسبة لى غرائبيًا جدًا، وظللت محتفظًا به حتى انتهيت من الرواية الأولى وعدت إليها، بدأت البحث، ولأن شخصية "كلوت بك" كانت رئيسية فى روايتى الأولى، كان لزامًا على قراءة كل ما كتبه كلوت بك، وفى هذا الإطار استوقفتنى قصة "السنيورة"، فقد تحدث عنها لدرجة أنه قابلها.
إذًا، بالنسبة لي، ولكى أخرج بكيان متكامل، كان العثور على هذين المقطعين فقط هو الأريح لى كروائي، لأن ذلك يمنحنى حرية أكبر فى الخيال وبناء العلاقات.
وبعيدًا عن "كلوت بك"، حين اتجهت لمراجع أخرى، مثل كتابات المؤرخ الكبير "عبد الرحمن الرافعي"، وجدت نفس الفقرة تقريبًا.
ولكن ما أضاف لى جديدًا هو كتاب عن "أعيان الريف المصري"، وجدته وأنا أضع اللمسات الأخيرة للرواية. كان دراسة دكتوراه، وقد ذكر الباحث اسم الشخص الذى استولى على "جوليا" - أو بالأحرى أسرها لأن العربان هم من خطفوها - ذكره بالكامل: "محمد أبو قورة"، وأنا ذكرت اسمه بالكامل فى آخر صفحة من الرواية.
حين وجدت هذا الاسم، صرخت حرفيًا من الفرحة، وقلت "وجدتها!"، ففى كل الكتب التى ذكرتها سابقًا كان اسمه "أبو قورة"، وحتى اسم "محمد" لم يكن موجودًا عند "كلوت بك" غالبًا.
لكن الباحث ذكره باسمه الرباعي، وذكر أيضًا أنه أحب "السنيورة" ووقع فى غرامها لدرجة أنه "وزنها" بالذهب ليعطيها مهرها، وكانت تلك لحظة بحثية فارقة، لأن التفاصيل الصغيرة تكون مهمة جداً حتى وإن لم أكتبها جميعاً فى الرواية.
شخصية "حُسنة" من الشخصيات الأساسية في الرواية.. كيف ظهرت وكيف انشغلت بها؟
بالبحث لم يقتصر على "السنيورة" أو "جوليا" فقط، بل كان هناك بحث آخر خاص بشخصية "حُسنة"، ففى النهاية، "حُسنة" هى "كريمة البصر" (كفيفة)، وكان على أن أتقمص وجدانها لأكتب عنها، ولكى أكتب وتتحدث الشخصية بصوت إنسانة لا ترى بعينيها وقد وُلدت كفيفة، كان لابد من البحث عن فتاة فى سن السابعة عشرة أو العشرين تقريبًا، وُلدت كفيفة ولم تفقد بصرها لاحقًا، لأن التجربتين مختلفتان تمامًا.
وبعد بحث طويل، وجدت ضالتى فى طالبة جميلة الخُلق والمظهر بكلية الإعلام بإحدى الجامعات، طلبت أن أتحدث إليها، ومن ضمن الأسئلة "كيف يبدو العالم بالنسبة لك؟"، و"ماذا يعنى اللون الأسود لك؟".
كان حوارًا طويلًا جدًا لمحاولة تخيل عالمها، فهناك تجارب لا يمكن الكتابة عنها بصدق إلا ممن عاشها، فالحالات المماثلة، مثل السجن والحرب، هى تجارب يجب استقاؤها ممن عاشوها، وهذا ما فعلته مع شخصية "حُسنة"، وهى شخصية مهمة جدًا فى الرواية، رغم أن الأضواء ذهبت أكثر لـ "السنيورة".
وبالمناسبة، "حُسنة" شخصية حقيقية تمامًا مثل "السنيورة"، كل تفاصيلها حقيقية ما عدا النهاية، فما حدث فى الواقع هو أن الحملة الفرنسية حين نزلت فى منطقة "العجمي" وسارت فى رحلة طويلة عبر الصحراء وصولًا إلى الدلتا والقاهرة، وجد الجنود فتاة مجردة من ملابسها تمامًا، وقد فقئت عيناها وتُركت لتموت فى الخلاء.
حين أحضروها واستدعوا المترجم، قالت: "لقد حبلتُ سفاحًا"، وحُكم عليها بالموت فى الخلاء، فأخذوها وألبسوها وحاولوا البحث عن أهلها، ووصلوا إليهم بالفعل، لكنها ماتت فى الحقيقة.
هذه القصة تبرز وحشية الأحكام الاجتماعية فى مجتمع الدلتا آنذاك، بغض النظر عن التقييم الأخلاقى للفعل، وحتى فى تطبيق الأحكام الشرعية لم يكن الأمر بهذه القسوة، وهذه من القصص التى اهتممت بها جدًا فى فترة الحملة الفرنسية.
هذه القصة مذكورة فى عدة مصادر، منها كتاب "خوان كول" (بونابرت يغزو الشرق الأوسط)، وترجمة المركز القومى للترجمة. وقد اعتمدت على عدد كبير من المراجع مثل "الجبرتي"، و"نيقولا ترك"، ومذكرات بونابرت التى ترجمها المركز القومى للترجمة مشكورًا.
كيف غيرت رسائل برنوييه غير المترجمة رؤيتك للسرد وبناء العالم الروائي؟
وهناك نوع آخر من المصادر الهامة، وهو الرسائل، فقد ذكر "خوان كول" فى هوامش كتابه رسائل "فرانسوا برنوييه"، حثت عنه وعرفت أنه "رئيس الخياطين" فى الحملة، وهو بطل فى روايتي.
وجدت أن له رسائل غير شائعة فى العالم العربى ولم تترجم، وبعد رحلة بحث عثرت عليها فى مكتبة بباريس. وقد تم العثور على هذه الرسائل فى نهايات القرن العشرين ضمن مقتنيات قديمة لأحد أحفاده، ونُشرت بعد مرور 226 عامًا.
هذه الرسائل كان يكتبها "برنوييه" لزوجته ولابن عمه. وبالطبع، ما يكتبه لزوجته يختلف تمامًا عما يكتبه لابن عمه، فرسائله لابن عمه كانت تحكى عن مغامراته "الخفية" فى عالم القاهرة، وهو موضوع ثرى جدًا لأى روائي.
وقد استعنت بأسرتى لترجمتها لأنهم يجيدون الفرنسية، كان هذا "كنزًا" حقيقيًا، وأتمنى أن تقوم أى جهة بترجمة هذه الرسائل، وأنا أمتلك نسخة منها فى منزلي.
فى الرواية قصة "فاطمة" التى يسمونها (بطة)، ولها كحاية تاريخية تشبه حرفيًا ما جاء فى قصة (القاهرة 30)، لكننى لم أكتبها بتلك التفاصيل، بل أضفيت عليها لمحة رومانسية نورانية، فالموضوع فى حقيقة التاريخ أكثر قسوة من ذلك بكثير.
هذه هي الرواية الثانية لك.. لذا يحق لنا أن نسألك: لماذا تكتب؟
أنا أكتب لكى أبتهج، أى أن الكتابة بالنسبة لى هى فعل هروب أو فعل تنفس، فأنا أكتب لكى أستمتع، أنا أكتب ما يريحني، ما يسعدني، وفى الوقت نفسه ما يحقق التواصل، ولقد تعلمت كتابة الرواية من قراءة الروايات، فالرواية التى تعجبني، هى بالنسبة لى رواية ناجحة، والرواية التى لا تعجبنى لا أتعلم منها شيء ولا أكتب مثلها، لذا، فقد قرأت كمًا ضخمًا جدًا من الروايات المصرية ولكبار الكتاب.
هناك أمران أثرا فى؛ الأول هو قراءتى الشاملة لكل شيء، سواء الأدب المصرى أو العربى أو المترجم، والثانى هو عملى كمخرج؛ لأننى قادم فى الأساس من خلفية بصرية لذا، دائمًا ما يعلق الكثير من الزملاء حين يقرؤون الفصل الأول من أعمالى قائلين: "أنت تصنع (برومو) أو إعلانًا تشويقيًا"، والحقيقة أننى لا أتعمد ذلك، أنا لا أقصد كتابة "برومو"، بل أكتب الفصل الأول من الرواية.
الرواية الأولى تعرضت لبعض النقد، وكان أهم ما قيل لي: "نحن حين نقرأ الرواية نراها كصور، فهى مشهدية جدًا، ولكن المونولوج الداخلى لم يكن فى أقوى حالاته"، البعض أخبرنى بذلك، لذا أحببت فى هذه الرواية أن أتجه أيضًا نحو المونولوج الداخلي، ولكن دون إغراق أو ملل.
الأمر باختصار، أن الأشياء التى كانت تعجبنى طوال عمرى وأنا أقرأ منذ صغري، كنت أختزلها بداخلى على أنها طريقة الكتابة الناجحة، هل ما أقوله صحيح؟ هذا من وجهة نظري، فيجب أن يكون الهدف الأول لأى عمل، سواء كان تلفزيونيًا أو كتابيًا أو مقالاً "براعة الاستهلال"، والحفاظ على شغف القارئ أو المشاهد ليكمل العمل، هذان هما الأمران الأهم، كيف أفعل ذلك؟ هذه هى "الصنعة" نفسها، وهذا فضل من الله ومنحة.
أحرض نفسى دائمًا طوال وقت الكتابة بمقولة: "الرواية التى لا تكشف مستورًا فالنار أولى بها.
ما رأيك في الحملة الفرنسية .. وما قامت به في مصر؟
وفيما يتعلق بالحملة الفرنسية، فالمؤكد أن مصر قبلها ليست مصر بعدها، ومنذ تلك اللحظة - بالمناسبة - فنحن قبل عام 1798 لم نكن نتحدث عن الهوية، ولا عن الشخصية المصرية، ولم يكن هذا السؤال يؤرقنا من الأساس، ومن تلك اللحظة بدأنا.. ترتبت على تلك اللحظة فترة محمد علي، والبعثات، والطلاب المصريون الذين سافروا للتعلم.
أسرار الحملة، مثيرة جدًا، وكان التحدى وأنا أكتب ألا تأخذنى الكتابة فى اتجاه السرد التاريخى البحت، يعنى مسألة: كيف سيجمعون هذا الجيش كله فى "تولون"؟ هذا وحده رواية، وكيف يصعدون إلى المراكب، وفى لحظة معينة، يفتح الجميع المظاريف، كل قبطان يفتح الظرف ليعرف إلى أين نحن متجهون؟ كانت مسألة درامية جدًا.
كيف وقعت في حب التاريخ؟
لقد وقعت أحداث وقصص هامة فى حياتى كانت سببًا فى حبى للتاريخ، أو ساهمت فى تعلقى به، فمنذ الصف الخامس الابتدائى وحتى الصف الثانى الإعدادى كنت أقيم فى الخليج، وتحديدًا فى المملكة العربية السعودية، حيث كان والدى - رحمه الله - يعمل مدرسًا بنظام الإعارة.
وقد هيأت لى الظروف أن أتعمق فى التاريخ الإسلامي؛ أى تاريخ نشأة وظهور الإسلام، وكذلك تاريخ العرب والحضارات فى شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام، وتاريخ الصحابة والتابعين. فكنت ملمًا بهذا الجانب، وبعد 4 سنوات عدت إلى مصر. وكان ذلك ضمن المناهج الدراسية، حيث كنا ندرس هذه الموضوعات بشكل مكثف جدًا، سواء فى مواد الشريعة أو اللغة العربية أو التاريخ؛ إذ كانت تلك الموضوعات متداخلة فى المواد الثلاث.
ثم عدت إلى مصر.. ولكننى قبل تلك الفترة كنت قد عشت فى مصر وزرت المتحف المصري.. وحين عدت، درست التاريخ المصري، أى التاريخ المصرى القديم، ثم التاريخ المصرى الحديث والمعاصر.
وعندما التحقت بكلية الإعلام، كان من حسن حظنا أن الأقدار يسرت لنا الدكتور محمد عفيفى ليدرس لنا مادة التاريخ بالكلية، أبدع شيء فعله الدكتور محمد عفيفى ونحن طلاب هو القراءة المغايرة للتاريخ عبر المصادر غير الرسمية للتوثيق، أى دراسة التاريخ من خلال الأدب، والسينما، والمسرح، والرسائل، والمذكرات. فالتاريخ من هذا المنظور ستجده شائقاً للغاية، وستجد أن لا علاقة قوية له بتلك القوالب الجامدة الموجودة فى الكتب المدرسية. كانت تلك هى البدايات، ومن هنا نبع حبى للتاريخ.
أما الرواية القادمة - بمشيئة الله - فلن تدور أحداثها فى تلك الحقبة الزمنية مطلقاً، بل ستكون فى حقبة التاريخ المعاصر.
جوليا بطلة الرواية .. كيف رأيت شخصيتها وهل تعلقت بها؟
نموذج للمرأة المقهورة على أصعدة متعددة، فهى مقهورة مع زوجها الأول، ومقهورة لأن زوجها لم يكترث لأمرها، إذ أننا حتى هذه اللحظة لا نعلم هل مات لحظة القصف؟ أم أنها فُقدت وهو لم يعبأ بالبحث عنها؟ أم أنه نجا ولم يهتم؟ لذا فهى مقهورة على هذا المستوى أيضاً.
كما أنها مقهورة على مستوى الوقوع فى الأسر لدى العربان، ومقهورة لأنها فى النهاية - وبالمناسبة - لم تنصع لشيخ العرب وتهدأ ويتم ترويضها إلا بعدما اكتشفت أنها حامل، ومقهورة لأنه بعد وفاة هذا الرجل، تزوجت من أخيه رغماً عنها، والذى عاملها معاملة سيئة للغاية، ومقهورة لأنها، حتى بعد كل ذلك، أصبح لديها أبناء هنا، ومنهم ابن تشير التوصيفات التاريخية إلى أنه كان من ذوى الاحتياجات الخاصة، ولذلك لم تستطع الرحيل، لدرجة أن "كلوت بك" عندما ذهب وقابلها بعد مرور 34 عامًا - وكانت تلك المرة الأولى التى تسمع فيها أحدًا يتحدث الفرنسية، وهى مسألة كانت عاطفية جدًا - عرض عليها العودة، لكنها أجابت: "لقد فات الأوان، إلى أين أعود؟ أنا باقية هنا"، إذن، فهى مقهورة على مستويات عديدة للغاية. وهنا نحن نرى امرأة مقهورة، امرأة غربية فرنسية من أصول إيطالية، تعيش القهر فى قرية بالدلتا تسمى "ميت العامل".
حدثنا عن علاقة محمد على باشا بالفرنسيين؟
بالنسبة لمحمد على باشا، كان شخصية هامشية فى أحداث روايتي، أما ما فاجأ البعض، مثل علاقته بالفرنسيين، فهذه من التساؤلات التى أطرحها، هل كان محمد على خيارًا شعبيًا بحتًا؟ أم أن بونابرت - الذى لم تخرج مصر من رأسه حتى بعد رحيله - وعن طريق القنصل، مكان له دور فى تهيئة الساحة السياسية والشعبية، ليصل محمد على فى النهاية إلى سدة الحكم ؟
ما ندرسه فى الكتب هو أنه اختيار شعبي، لكن المراسلات الدبلوماسية توحى بأن الأمر لم يكن كذلك فقط، بل تم التمهيد له لأن الفرنسيين رأوا فيه الشخص الأنسب لمصالحهم فى صراعهم مع الإنجليز.
وماذا عن نابليون بونابرت؟
أما نابليون، فقد كان شخصًا قلقًا، وكانت لديه مشكلة عاطفية كبيرة مع "جوزفين". العالم كله كان يعلم بخيانتها له إلا هو كان يرفض التصديق، حتى أن ابن جوزفين كان ضابطاً معه فى الحملة.
بعد الفوز بالحائزة صار الناس يسألونك عن فنون الكتابة الروائية.. فما نصائحك لكتابة الرواية؟
لمن يريد أم يكتب بلغة عربية جيدة؟ القاعدة الأولى هى أن تقرأ القرآن الكريم بكثرة، هذا هو الأساس وبادئ ذى بدء. وعليك أيضًا قراءة الأدب بكثرة، والروايات، وكذلك الأدب المترجم، وعليك أن تحسن اختيار المترجمين، مثل ترجمة صالح علمانى.
وبالمناسبة، بذكر الأستاذ صالح علماني، فقد أخذنا الحديث إلى "ماركيز"، وفيما يخص التأريخ والتوثيق، هناك رواية هامة جدًا، وهى رواية "الجنرال فى متاهته".
تعد هذه الرواية مختلفة جدًا عن سائر كتابات ماركيز، لأنه يكتب فيها عن "سيمون بوليفار"، أى عن شخصية تاريخية، وحينما يذهب رائد الواقعية السحرية ليكتب عن شخصية تاريخية، ستجد أن غابرييل غارسيا ماركيز لم يكسر الثوابت التاريخية، وكان مقلًا جدًا فى مساحة الخيال.
وتكمن أهمية هذه الرواية - التى ترجمها صالح علمانى - فى الفصل الأخير، حيث يكتب عن كواليس العمل وكيفية كتابته للرواية، إنه فصل هام للغاية يسرد فيه رحلة البحث والتأريخ، ويوجه الشكر لكل من ساعدوه موضحًا دور كل منهم، لأن هناك سؤالًا يُطرح دائمًا: "إلى أى مدى تمتد مساحة الخيال لدى كاتب الرواية التاريخية؟". وبالنسبة لي، أنا من أنصار عدم تجاوز أو كسر الخطوط العامة للتاريخ، فيجب الاستناد إلى مصادر، ولا يصح تغيير محطات رئيسية تؤدى إلى التشويه؛ فلا يصح مثلًا أن أصور التتار وقد انتصروا فى معركة عين جالوت. هذا لا يجوز. نعم، قد يُعتبر ذلك حقاً له من منظور الصنعة الإبداعية ووجهات النظر، ولكن حين أكتب التاريخ، فأنا لست من أنصار هذه المدرسة.
أما فكرة "ماذا لو حدث كذا"، فهى مجرد تخريجة إبداعية. وفى النهاية، الأمر يختلف من كاتب لآخر. أنا شخصيًا لا أستسيغ كسر الثوابت التاريخية كثيرًا، ولكن تظل فرضية "ماذا لو" مخرجًا إبداعيًا.
كيف توازن بين خيال الرواية والدقة التاريخية؟
أى عمل فني، سواء كان فيلمًا أو رواية أو قصة قصيرة، هو بمثابة "اتفاق" ضمنى بين الكاتب والمتلقي، طالما اتفقنا أن هذه "رواية"، فهذه هى الحقيقة داخل إطار العمل المطبوع. أما عن العلاقة بالتفاصيل التاريخية، ففى لحظة معينة يمتزج الخيال بالواقع ويعيش القارئ داخل القصة.
لكن، ما نحتاجه من كتب التاريخ والبحث هو ما يفيدنا فى بناء المشهد: كيف كان شكل الملابس؟ كيف كانت لغة التخاطب؟ ماذا كان الناس يأكلون؟ فلا يصح مثلًا أن نصور الناس فى فترة الحملة الفرنسية وهم يشربون الشاي، لأنه لم يكن هناك شاى فى مصر فى ذلك التوقيت.
كيف تبني روايتك؟
وفى طريقتى للكتاب أميل لمدرسة "الهندسة"، يجب أن أكون عارفًا لنقطة النهاية منذ البداية، أصعب منطقة فى الرواية هى المنتصف، وهى "المنطقة الموحلة" التى قد يغرق فيها القارئ والكاتب، لذا، أكون محددًا للبداية وللمصائر النهائية بدقة، وإلا سيصبح العمل مبتورًا، أنا لا أفضل الارتجال الكامل فى المسار.
لا يمكن لشخصية أن تتمرد على مصيرها فى روايتي، أنا أتعامل مع الشخصيات بشكل وظيفى ومحدد المصائر مسبقًا، أما عن التعاطف، فبما أننى عشت مع شخصية "السنيورة" (جوليا) أربع سنوات من البحث والكتابة، فقد تعاطفت معها جدًا، وكذلك مع شخصية "حُسنة"، وفى الرواية الأولى تعاطفت مع "سليمة" و"رقية"، التعاطف قد يجعلك توجد لهم مبررات إنسانية أو تنظر لضعفهم من زاوية مختلفة، لكن لا تغير مصيرهم المحتوم.
قلت إنك تقرأ كثيرا.. فمن هم أساتذتك في كتابة الرواية؟
الكتاب الذين تعلمت منهم كثر، رقم واحد بالطبع هو نجيب محفوظ، هو "سيد الناس" وكبيرنا الذى أسس وطور الرواية العربية، وأستاذنا إبراهيم عبد المجيد، والدكتور محمد المنسى قنديل، والراحل بهاء طاهر، وعالميًا، أعشق "جابرييل جارسيا ماركيز"، حتى أننى أضع له صورة بالحجم الطبيعى فى مكتبى بالقناة الوثائقية.
هل فكرت في تحويل رواياتك لأعمال درامية؟
لم أفكر فى التصدى لكتابة الدراما، هناك زملاء وأصدقاء كثر بعد روايتى الأولى "وأنا أحبك يا سليمة" - التى حصلت عنها على جائزة لجنة التحكيم فى ساويرس ووصلت للقائمة القصيرة - قالوا لى إن النص يجب أن يتحول لعمل تلفزيونى أو سينمائي، فى النهاية هذه وجهة نظر القارئ، وأنا لم أتصد للكتابة الدرامية من قبل، المشكلة تكمن فى أن من يقرأ عملًا أدبيًا لك وهو يعرفك معرفة شخصية - وهذه تجربة عشناها جميعًا - سيقرأ الرواية بصوتك رغمًا عنه، نعم، سيقرأها بصوتك، وهناك خبرات حياتية وعلاقات اجتماعية تتسرب للنص رغمًا عنك.. صحيح أن الرواية ليست مرآة للسيرة الذاتية، لكنها تتسرب حتى دون وعى منك.
فى النهاية، لا يوجد كاتب لا يسعى من أجل تحويل كتابته لعمل درامي، سواء على المستوى الفنى أو economic، وأنا لم أفكر فى التصدى لكتابة الدراما بنفسي، رغم أن البعض اقترح ذلك بعد روايتى الأولى "وأنا أحبك يا سليمة"، فتحويل النص لدراما هو رؤية أخرى، وقد يقرأ الناس النص بصوتى أو بشخصيتي، وهذا تحدٍ آخر.

رئيس التحرير يكرم شريف سعيد

رئيس التحرير يفتتح الندوة النقاشية

ندوة لتكريم الكاتب شريف سعيد

جانب من الندوة

مناقشة رواية عسل السنيورة

شريف سعيد