من النكبة إلى غزة.. الفنانة التشكيلية الفلسطينية منال الكلحوت لـ"اليوم السابع": الفن وسيلتي للبقاء ونرفض محو ذاكرتنا.. الحرب أخذت مني البيت واللوحات لكنها لم تأخذ حلمي.. لا نرسم للزينة بل لحفظ كل لحظة إنسانية

الخميس، 08 يناير 2026 07:00 م
من النكبة إلى غزة.. الفنانة التشكيلية الفلسطينية منال الكلحوت لـ"اليوم السابع": الفن وسيلتي للبقاء ونرفض محو ذاكرتنا.. الحرب أخذت مني البيت واللوحات لكنها لم تأخذ حلمي.. لا نرسم للزينة بل لحفظ كل لحظة إنسانية منال الكلحوت

حوار / أحمد عرفة

<< ما زلنا نرى ونحلم والريشة أقوى من القصف

<< الأطفال الذين رأيت وجوههم الصغيرة بين القصف ألهموني لأرسم الصمود

<< كل يوم من النزوح أعاد ترتيب حياتي والفن كان ملاذي

<< أرسم الألم والشهادة فكل لوحة تحكي قصة صمود

<< الفن صار واجبا لحماية الذاكرة من الطمس والاندثار

<< النزوح لم يكن مجرد انتقال مكان بل انتقال روحي وثقيل

<< الحرب علمتني الصبر والريشة علمتني كيف أقاوم

<< أرسم الطفل الذي يلعب بين الخيام والمرأة التي تحمل الخبز وهذا هو صمودنا

<< ريشتي تحمي ما لا تستطيع الحرب محوه

<< رائحة الغبار وصوت الصمت وحكاية كل لوحة أنجزتها بعد القصف

 

في غزة، حيث تتشابك أصوات القذائف مع صمت الخراب، ويختلط الغبار برائحة الحياة التي لا تستسلم، تقف الفنانة التشكيلية الفلسطينية منال الكلحوت، حاملة ريشتها كدرع يحمي الذاكرة والإنسانية، في غزة لم يعد الفن مجرد لون على قماش، بل أصبح أداة للبقاء، وصوتا صامتا يصرخ ضد محاولات الطمس والنسيان.

 

اقرأ أيضا:
 

"نساء غزة.. صانعات الأمل وسط الركام".. سمية وادي شاعرة تقاوم الأنقاض بالكلمة وتكتب نجاة الروح فوق رماد الحرب.. الشاعرة الفلسطينية: فقدت زوجة أخي و15 من أولاد عمومتي والكثير من الأصدقاء ووثقت الحرب بقصيدة الصمود

تجربة منال الكلحوت مع الحرب ليست مجرد حكاية نزوح أو فقدان، بل صراع يومي بين العجز والضرورة، بين الألم والقدرة على الاستمرار، بين الخوف على العائلة وإصرار الروح على أن تبقى حية، تراقب، وتشهد، وتوثق.

خلال حوارها مع "اليوم السابع"، تكشف الفنانة التشكيلية كيف تحولت ريشة فرشاتها إلى مرآة للواقع؟ وأصبحت اللوحات ليست مجرد أعمال فنية بل شهادات حية على ما يعانيه الفلسطينيون منذ النكبة وحتى اليوم، من نزوح ودمار وفقدان لأعزاء، ومن قسوة التجويع والحصار إلى لحظات الصمود اليومية، كما تتحدث عن الخوف الذي يلتصق بالأيام، وفقدان الأمان في البيت الذي كان ملاذها، ولحظة النزوح الأخيرة، التي حملت معها ثقلا روحيا لا يقل عن أعباء الحياة اليومية في غزة.

منال الكلحوت لم تخف من الحديث عن فقدان لوحاتها وأرشيفها الفني، والألم الذي يصاحب كل عمل ضاع، لكنه ألم يحمل في طياته إيمانا راسخا بأن الفكرة لا تموت، وأن الذاكرة الحية أقوى من أي حطام، ومن خلال حديثها عن الأطفال الذين يحاولون فهم الحرب، وعن وجوه أحبائها التي سرقتها يد العدوان، تنبثق رواية فلسطينية متكاملة وهي رواية عن القوة في أقصى حالات الضعف، والجمال الذي يولد رغم الدمار، والفن الذي يصبح شهادة وواجبا على حد سواء.

في هذا الحوار، تأخذنا منال الكلحوت إلى عمق الثقافة الفلسطينية، وتسلط الضوء على دور الفنانين والمثقفين الذين وثقوا النكبة، وكيفية مواجهتهم لمحاولات الاحتلال محو الهوية والثقافة، وكيف أصبح الفلسطيني اليوم قادرا على توثيق روايته بوسائل جديدة، من خلال الألوان والكلمات والصور، لنقول للعالم بصوت لا يحتمل التجاهل "نحن هنا، نحن صامدون، وذاكرتنا لن تمحى".

الفنانة الفلسطينية لا تتحدث فقط عن الحرب والدمار، بل عن إنسانية لا تموت، وصمود يجد تجلياته في أصغر التفاصيل اليومية، وقدرة الفن على جعل الغياب حاضرا، وواجب المثقفين والفنانين في كل أنحاء العالم أن يكونوا شهودا على الحقيقة، ويرفعوا الصوت ضد المجازر والظلم، كي لا تصبح حياة الفلسطينيين مجرد أرقام وأخبار عابرة، بل قصة حية تستمر عبر الأجيال، وإلى نص الحوار..

الفنانة منال الكحلوت
الفنانة منال الكحلوت

 

كيف كانت تجربتك كفنانة مع الحرب في غزة؟

تجربتي كفنانة مع الحرب كانت صراعا بين العجز والضرورة، كنت أشعر أن الريشة أحيانا أصغر من الجرح، وأحيانا أخرى تصبح هي الوسيلة الوحيدة التي أستطيع أن أتنفس بها، فالفن بالنسبة لي صار محاولة لحماية الذاكرة من الاندثار، ومحاولة لأقول للعالم "نحن ما زلنا أحياء، وما زلنا نرى ونشعر ونحلم"

كيف كان تأثير الحرب عليك وعلى عائلتك؟

التأثير كان كبيرا، أول نزوح دائمًا يكسر جزء من الإنسان، خصوصا عندما يكون البيت هو المكان الوحيد الذي حسيت فيه بالأمان، عائلتي عاشت حالة توتر وخوف، وكل يوم كنا نعيد ترتيب حياتنا من الصفر، لكن رغم الألم، صار بينا تماسك أكبر، كأننا نعيد لملمة أنفسنا كل مرة.

كيف كانت تجربة النزوح؟

نزوحي كان لأول مرة في آخر شهر سبتمبر 2025، كنت طوال الوقت ثابتة في غزة وشمالها، وما تركت بيتي قبل ذلك رغم القصف والخطر، لكن في سبتمبر وصل الوضع لمرحلة ما عاد فيها البقاء ممكن، واضطررت لأترك كل شيء وأتجه للجنوب.

إحدى لوحات الفنانة منال الكحلوت
إحدى لوحات الفنانة منال الكحلوت

 

ما تأثير النزوح الأخير عليك؟

كانت لحظة قاسية، حيث تحزم حياتك بدقائق، وتسير وأنت غير متأكد إذا ستعود مرة أخرى، الطريق، الحواجز، الخوف، الازدحام، كلها تفاصيل تظل محفورة في أذهاننا، النزوح بالنسبة لي ما كان مجرد انتقال مكان، بل انتقال روحي وثقيل من حياة لحياة مختلفة تماما.

 

ماذا عن فقدانك مقتنياتك الثقافية ولوحاتك خلال الحرب؟

نعم، فقدت جزءا من أرشيفي الفني، وبعض اللوحات التي كانت تحمل سنوات من العمل، الألم ليس فقط على اللوحة، بل على اللحظات والذكريات التي رافقت رسمها، لكني أؤمن أن الفكرة لا تقصف، وأن ما نحمله في داخلنا يبقى أقوى من أي حطام.

الفنانة التشكيلية منال الكحلوت
الفنانة التشكيلية منال الكحلوت

 

ما أصعب اللحظات عليك خلال الحرب؟

أصعب ما رأيته هو الأطفال، حيث وجوه صغيرة تحاول أن تفهم ما لا يمكن فهمه، أيضا لحظات انتظار الأخبار عن أحبابنا، رائحة الغبار بعد القصف، وصوت الصمت بعد فقدان مكان كان بيتا.

هل استشهد أحد من عائلتك أو أصدقائك خلال العدوان؟

نعم، الحرب سرقت منا وجوها لن تعود، والفقد الشخصي يجعل كل شيء أكثر ألما، لكنه أيضا يجعل القضية أكثر وضوحا في القلب.

الفنانة منال الكحلوت ترسم لوحة
الفنانة منال الكحلوت ترسم لوحة

 

ما الذي تغير في حياتك الفنية والأدبية بعد العدوان؟

أصبحت أكثر صدقا وجرأة، لم أعد أرسم للزينة، بل للشهادة، والفن لم يعد احتمالا بل صار واجبا.

 

كيف ترين عملية التجويع المتعمدة ضد سكان القطاع؟

التجويع ليس إجراءا عسكريا، إنه عقاب جماعي، وسلاح بطيء يهدف لكسر إرادة الإنسان، لكن رغم كل ذلك، أثبت الناس أن روحهم أكبر من الجوع، وأنهم قادرون على مشاركة كسرة الخبز في أصعب الظروف.

لوحة تشكيلية للفنانة منال الكحلوت
لوحة تشكيلية للفنانة منال الكحلوت

 

ما الفرق بين نكبة 48 وبين ما يحدث في غزة الآن؟

نكبة 1948 كانت بداية القصة، وما يحدث اليوم هو استمرار لها ولكن بوسائل أخطر، الفرق الوحيد أن العالم اليوم يرى كل شيء مباشرة، ولم يعد بإمكان أحد إنكار الحقيقة.

هل كانت وسائل التوثيق في 48 غير كافية؟

نعم، التكنولوجيا آنذاك كانت محدودة، كثير من المذابح لم توثق، وبعضها بقي روايات شفوية حملها الناجون، هذه الفجوة في التوثيق هي ما نحاول اليوم تعويضه.

من الكتاب والمثقفين الفلسطينيين الذين وثقوا نكبة 48؟

أبطال توثيق النكبة كانوا كثيرين، وكل منهم حمل جزءا من الرواية الفلسطينية بطريقته، من أبرزهم ناجي العلي الذي بريشته وحنظلة جعل الوجع الفلسطيني حاضرا في كل ضمير، وإسماعيل شموط فهو من خلد تفاصيل اللجوء والتهجير بلوحات أصبحت ذاكرة بصرية خالدة، وتمام الأكحل التي رسمت المرأة والبيت والمنفى بحس إنساني عميق، وسليمان منصور بعدما قدم أعمالا شكلت الوجدان الفلسطيني، أبرزها "جمل المحامل" التي صارت رمزا لحمل الفلسطيني لوطنه أينما ذهب، وغسان كنفاني، حيث وثق النكبة أدبيا، وكتب الرواية الفلسطينية بعمق وصدق، ووراء هؤلاء، هناك أسماء كثيرة من رسامين ومصورين وكُتّاب ومؤرخين وناجين، كلهم ساهموا في حماية الذاكرة الفلسطينية من المحو.

لوحة تشكيلية لمنال الكحلوت
لوحة تشكيلية لمنال الكحلوت

 

كيف عملت إسرائيل على إخفاء جرائمها في 48؟

اعتمدت على منع التصوير، قتل الشهود، والسيطرة على الرواية العالمية، لكن اليوم الأمر أصعب عليها.

لماذا؟

لأن الهاتف صار كاميرا، والفلسطيني صار إعلامه الخاص، والعالم لم يعد يصدق الرواية الرسمية بسهولة.

 

لماذا فشلت إسرائيل مؤخرا في رواية المظلومية؟

لأن الحقيقة ظهرت بلا وسطاء، ولأن مشاهد غزة كانت أقوى من أي دعاية، ولأن الفلسطينيين - صحفيين، فنانين، وأناس بسطاء - نقلوا الصورة بأنفسهم، فأسقطوا القناع.

 

ما العقبات أمام الفنان التشكيلي في غزة؟

قلة المواد، انعدام المساحات الفنية، صعوبة التسويق، الحصار، الفقر، ورغم ذلك يواصل الفنان العمل بروح أكبر من الظروف.

كيف وثقت التاريخ الفلسطيني بريشتك؟

أرسم الإنسان الفلسطيني كما هو، قوي، مرهق، واقف رغم الانكسار، الفن بالنسبة لي ليس صورة فقط، بل ذاكرة تحفظ من حاولوا إخفاءنا.

كيف عملت على توثيق صمود الفلسطينيين منذ النكبة؟

من خلال التركيز على التفاصيل اليومية، المرأة التي تحمل الخبز، الطفل الذي يلعب بين الخيام، الرجل الذي يعيد بناء بيته، الصمود الحقيقي في التفاصيل الصغيرة.

هل يستطيع الفنانون اليوم توثيق ما يحدث؟

نعم، بل هذا دورهم، كل لوحة وصورة وفيديو ونص هي وثيقة للأجيال القادمة، نحن نكتب التاريخ بالألوان.

كيف يسعى الاحتلال للسطو على الثقافة والهوية؟

بالسرقة، والتحريف ونسب التراث لنفسه، وتدمير المراكز الثقافية، وملاحقة المبدعين، والاحتلال يعرف أن الهوية أخطر عليه من السلاح.

هل يتعمد الاحتلال استهداف الفنانين والمثقفين؟

نعم، لأن الفنان يحمل الرواية، والصوت، والوعي، واستهدافه محاولة لقطع الطريق على الذاكرة الفلسطينية.

كيف يواجه الفن مخطط التهجير؟

الفن يجعل المكان حيا، عندما نرسم بيوتنا وتاريخنا، نحن نعيد تثبيته في الوعي، والفن يقول للعالم "نحن ننتمي إلى هنا، ولن نغادر قصتنا".

ما المطلوب من المثقفين حول العالم؟

أن يكونوا صوتا للحق، أن، أن يوثقوا، أن يكتبوا، أن لا يسمحوا بزيف الرواية أن ينتصر مرة أخرى.

ما رسالتك للعالم لوقف المجازر؟

رسالتي بسيطة، انظروا إلينا كإنسان، لا تسمحوا أن تتحول حياتنا إلى أرقام، افعلوا ما تستطيعون - كلمة، موقف، ضغط - فالصمت مشاركة في الجريمة.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة