سعيد الشحات يكتب: ذات يوم.. 7 يناير 1971.. أم كلثوم تتراجع عن قرار الاعتزال وتعود بعد حدادها ثلاثة أشهر حزنا على رحيل جمال عبدالناصر.. وتبكى فى أغنية «ودارت الأيام» على مسرح سينما قصر النيل

الأربعاء، 07 يناير 2026 10:00 ص
سعيد الشحات يكتب: ذات يوم.. 7 يناير 1971.. أم كلثوم تتراجع عن قرار الاعتزال وتعود بعد حدادها ثلاثة أشهر حزنا على رحيل جمال عبدالناصر.. وتبكى فى أغنية «ودارت الأيام» على مسرح سينما قصر النيل أم كلثوم

سعيد الشحات

كانت الساعة العاشرة وسبعة عشر دقيقة مساء 7 يناير، مثل هذا اليوم، 1971، حين ظهرت سيدة الغناء العربى أم كلثوم على مسرح سينما قصر النيل لتقدم حفلتها الغنائية التى أقامتها الإذاعة المصرية، وخصصت جزءا منها لصالح المجهود الحربى، حسبما يذكر الكاتب والباحث كريم جمال فى كتابه «أم كلثوم وسنوات المجهود الحربى».

استقبل الجمهور أم كلثوم بعاصفة تصفيق، بعد أن قدمها الإذاعى صبرى سلامة، وانطلقت صيحات: «حمد الله على السلامة يا ست»، و«ربنا يديكى الصحة يا ست»، و«حمد الله على السلامة يا حاجة»، وكان حزنها على وفاة جمال عبدالناصر ظاهرا عليها، فعقب وفاته يوم 28 سبتمبر 1970 أوقفت حفلاتها، وأشيع أنها تفكر فى الاعتزال، ويذكر كريم جمال: «كانت أم كلثوم تفكر جديا فى اعتزال الغناء المسرحى تماما، والاكتفاء بتسجيل أغنيات وطنية بين الحين والآخر، كى توفق بين حزنها المقيم فى القلب تجاه الرئيس الراحل جمال عبدالناصر الذى قربها منه، وكرمها فى شخصها، وبين واجبها تجاه بلدها ومركزها كفنانة الشرق الأولى».

كان رد الفعل الجماهيرى رافضا على تفكير أم كلثوم فى الاعتزال، ويذكر «جمال» أن صندوق بريدها استقبل حتى بداية الموسم الغنائى فى يناير 1971 ما يزيد على نصف مليون رسالة تطالب بشىء واحد هو العودة للغناء وتخطى فكرة الاعتزال، ونشرت مجلة «الموعد» اللبنانية بعضها، وجاء فى إحداها: «لست أدرى كيف نعيش دون صوتك، إنها كارثة حقيقية لا نستطيع أن نتحملها، نستحلفك باسم الرئيس الراحل وذكراه الغالية أن تغنى».

رضخت أم كلثوم أمام هذا الضغط الإنسانى الهائل، وينقل «جمال» تصريحها لمجلة «الكواكب»، عدد يوم 3 نوفمبر 1970، بأنها «ستغنى لتكرم روح عبدالناصر، ولكى تعرب عن إيمانها بثورته ونضاله الذى لن يغيب أبدا»، وفى 7 يناير 1971 عادت لموسمها الغنائى الجديد بحفلتها فى سينما قصر النيل، ورافقتها مجلة «الموعد» قبل أن تخرج على المسرح، وقالت لمندوبها: «سأغنى وأنا حزينة، سأغنى لكل عربى حتى يحس الناس بأننا أمة تقدر على مقاومة المصاعب والأحزان».

قدم الإذاعى صبرى سلامة أم كلثوم فى حفل 7 يناير، ثم خرجت إلى الجمهور وغنت فى وصلتها الأولى «الحب كله» تلحين بليغ حمدى وكلمات أحمد شفيق كامل، وحضر «بليغ» قبل أن ينفرج الستار ليشرف معها على اللمسات الأخيرة للحنه الجديد الذى قدمته فى 108 دقائق وبأداء باهت وحزين، غير أن قمة حزنها كان فى وصلتها الثانية التى غنت فيها «ودارت الأيام»، تلحين محمد عبدالوهاب، وكلمات مأمون الشناوى، ويذكر كريم جمال، أن تسجيل «ودارت الأيام» فى هذه الحفلة عرف اصطلاحا عند الهواة باسم «ودارت الأيام الحزينة»، موضحا: «بدت أم كلثوم فى تلك الوصلة شاحبة الصوت، مشوشة الأداء، تظهر عليها هالات الحزن والإجهاد، لتبلغ تلك الحالة مداها عندما شرعت فى غناء المقطع الأخير، إذ تحول الغناء إلى بكائية، واختنق صوتها المتعب، وأسلمت نفسها إلى آهات موجعة طويلة، وهالت الجماهير تلك الحالة التى ظهرت بها على المسرح، فسكت كل من فى القاعة وأنصت إليها بعدما أدركوا بفطنتهم أنها تبكى عبدالناصر، ويقول من حضر تلك الليلة إنها لم تتمالك أعصابها وأفلتت منها دموعها فى حرقة».

يضيف كريم جمال: «ظلت أم كلثوم تكرر جملة «ودارت الأيام/ ومرت الأيام» فى أداء يكشف حجم حزنها المكتوم»، ويضيف: «فسر البعض حزنها الشديد وتفاعلها مع ذلك المقطع على أنه حسرة على غياب الزعيم، الذى قربها منه وجعلها رأس حربة قوته الناعمة، وعزا البعض بكاءها لإدراكها أن أيام الغناء قد ولت، وأن وقفاتها المسرحية أصبحت معدودة، فضلا عن كبر سنها ومرضها المضنى الذى اشتد عليها منذ مطلع السبعينيات خصوصا بعد جولات مجهودها الحربى».

يعلق كريم جمال، قائلا: «لا أحد يدرى بالضبط ما دار فى خاطرها فى تلك الليلة الحزينة، ولكن الأكيد أنها كانت تبكى أشياء عدة رحلت عنها بلا عودة، وربما زادتها حزنا مسحة الشجن فى لحن ذلك المقطع، وتحديدا جملة «وهل الفجر بعد الهجر/ بنوره الوردى بيصبح»، ومع أن الكلمات تميل للفرح فقد جازف الموسيقار محمد عبدالوهاب وكساها بلحن شجى، بعد أن لامس سريعا مقام «الصبا» الحزين فى مقطع «من فرحتى تهت مع الفرحة/ من فرحتى لا بنام ولا بصحى».

يضيف كريم جمال: بكت أم كلثوم، وأبكت جمهورها فى المسرح، وملايين العرب الذين سهروا مع شدوها فى تلك الليلة الحزينة، وعندما فرغت من غناء تلك الوصلة لم تستطع أن تفرغ من حزنها، فنسمعها فى نهاية التسجيل تقول لعامل رفع الستارة بتنهيدة حزينة «افتح» كى تكمل تحية الجمهور الذى أدرك فى لحظة ذكاء أن أيام أم كلثوم القادمة لن تقل حزنا عن أدائها فى تلك الليلة الباكية.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة