الدكتور القس أندريه زكى رئيس الطائفة الإنجيلية يكتب: من الظلمة إلى النور

الأربعاء، 07 يناير 2026 10:45 ص
الدكتور القس أندريه زكى رئيس الطائفة الإنجيلية يكتب: من الظلمة إلى النور القس أندريه زكى

الدكتور القس أندريه زكى

فى زمنٍ يتسم بالقلق والمخاوف والصراع، ويثقل الإحساس بالضياع وانعدام القيمة والمعنى، يشعر الإنسان بأنه غارق فى الظلمة، لكن يعود إلينا عيد الميلاد لا كذكرى تاريخية بعيدة، بل إعلان حى عن انتصار النور الإلهى على ظلمة الشر. من الظلمة إلى النور تبدأ الحكاية، لا بوصفها شعارًا، بل حقيقة روحية عميقة اختبرها البشر عبر الأجيال، وما زالت قادرة اليوم على أن تعيد صياغة الحياة من جديد. ففى الميلاد، لا نحتفل بحدثٍ مضى، بل نواجه سؤالًا حاضرًا: هل ما زال النور قادرًا أن يبدّد ظلمات هذا العالم وداخل الإنسان؟

قبل ميلاد المسيح بنحو 8 قرون، تنبأ إشعياء النبى بواحدةٍ من أهم النبوات عن ميلاد المسيح، فيقول فى الإصحاح التاسع من سفر إشعياء: «اَلشَّعْبُ السَّالِكُ فِى الظُّلْمَةِ أَبْصَرَ نُورًا عَظِيمًا. الْجَالِسُونَ فِى أَرْضِ ظِلاَلِ الْمَوْتِ أَشْرَقَ عَلَيْهِمْ نُورٌ». لم تُكتب هذه الكلمات فى فراغ، بل خرجت من قلب واقع مظلم، كان فيه الشعب يعيش اضطرابًا سياسيًّا، وفسادًا أخلاقيًّا، وظلامًا روحيًّا عميقًا، مع غياب كلمة الله وحضوره الحى فى حياتهم. كانت ظلمة شاملة، لا تمسّ الظروف الخارجية فقط، بل تخترق القلب والضمير والرجاء.

لكن لا يكتفى إشعياء بوصف الظلمة، بل يعلن فى الإصحاح ذاته، فى الآيتين السادسة والسابعة، أن هذا النور ليس فكرةً مُجرَّدة، ولا قوَّةً عابرة، بل شخص حى: «لأَنَّهُ يُولَدُ لَنَا وَلَدٌ وَنُعْطَى ابْنًا، وَتَكُونُ الرِّيَاسَةُ عَلَى كَتِفِهِ، وَيُدْعَى اسْمُهُ عَجِيبًا، مُشِيرًا، إِلهًا قَدِيرًا، أَبًا أَبَدِيًّا، رَئِيسَ السَّلاَمِ». هكذا تربط النبوة بين النور والميلاد، بين الرجاء وشخصٍ آتٍ ليغيّر مجرى التاريخ.

تحققت النبوة فى ميلاد المسيح، فى لحظةٍ بدا فيها العالم غارقًا فى ظلام الخطيَّة وفقدان المعنى والرجاء، فى «ملء الزمان» كما يسميها الرسول بولس. جاء الله إلينا متجسدًا، لا ليقدّم تفسيرًا فلسفيًّا للظلمة، بل ليواجهها حضوريًّا فى شخص المسيح. كانت البشرية قبل مجىء المسيح تعيش فى ظلام طويل: ظلام الجهل بالله، وظلام الانفصال عنه، وظلام الخوف وفقدان الرجاء. ومع الميلاد، لم يتغير المشهد الخارجى فجأة، لكن دخل إلى العالم نور جديد، قادر أن يبدّل الداخل.

لهذا يشهد الإنجيل عن المسيح قائلًا: «كَانَ النُّورُ الْحَقِيقِى الَّذِى يُنِيرُ كُلَّ إِنْسَانٍ آتِيًا إِلَى الْعَالَمِ» (إنجيل يوحنا 1: 9)، ويشهد هو عن نفسه: «أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ. مَنْ يَتْبَعْنِى فَلاَ يَمْشِى فِى الظُّلْمَةِ بَلْ يَكُونُ لَهُ نُورُ الْحَيَاةِ» (إنجيل يوحنا 8: 12). لم يولد المسيح ليكون نورًا نظريًّا، بل نورًا يرافق الإنسان فى مسيرته، وينير دروبه، ويمنحه حياة جديدة.
ويعبّر القديس أوغسطينوس عن هذا المعنى بقوله: «بالإيمان نخرج من الظلمة وموت الخطية إلى النور والحياة»، فالإيمان هنا ليس هروبًا من الواقع، بل عبورٌ حقيقى من حالةٍ إلى أخرى، ومن موتٍ داخلى إلى حياةٍ متجددة. من هنا نفهم أن الاحتفال بالميلاد لا يقتصر على المظاهر، بل هو دعوة مفتوحة للقاء النور.

فالظلمة ما زالت حاضرة اليوم بأشكال متعددة: ظلمة الصراع الداخلى الذى يمزّق الإنسان، وظلمة الخطيّة التى تسلبه سلامه، وظلمة العلاقات المكسورة التى تترك جراحًا عميقة، وظلمة اليأس والشعور بعدم القيمة. لكن ميلاد المسيح يعلن لنا أن النور لم ينطفئ، وأنه ما زال يعمل فى القلوب ويغيرها. هذا النور لا يغيّر الظروف فقط، بل يغيّر الإنسان نفسه، وينقله من الخوف إلى السلام، ومن اليأس إلى الرجاء.

ونحن نحتفل بميلاد المسيح، نرفع قلوبنا بالصلاة، طالبين أن يشرق هذا النور فى حياتنا وبيوتنا، وأن ينير طرقنا وسط ظلمة هذا العالم. نصلى من أجل بلادنا، أن يحفظها الله فى سلامه، وأن يفيض عليها بالأمان والاستقرار والازدهار، وأن يزرع فى قلوب أبنائها روح الرجاء والمحبة. ليكن ميلاد المسيح بداية جديدة، لا للأفراد فقط، بل للأوطان، حتى نكون جميعًا شهودًا لنورٍ لا يُقهر، فى عالمٍ متعطّش للحياة والرجاء والسلام.

 

p
 

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة