معركة بين جغرافيا النفوذ وإرث القوة.. هل تعيد واشنطن سيناريو كوبا مع فنزويلا؟.. ترامب يبدأ الحرب بتصريحات وعقوبات ثم اعتقال مادورو.. وسياسات الطاقة تلعب دورا موازيا في التصعيد وكاراكاس مركز تجمع خصوم أمريكا

الثلاثاء، 06 يناير 2026 12:00 ص
معركة بين جغرافيا النفوذ وإرث القوة.. هل تعيد واشنطن سيناريو كوبا مع فنزويلا؟.. ترامب يبدأ الحرب بتصريحات وعقوبات ثم اعتقال مادورو.. وسياسات الطاقة تلعب دورا موازيا في التصعيد وكاراكاس مركز تجمع خصوم أمريكا الحرب الفنزويلية الأمريكية

كتب رامي محيى الدين – أحمد عرفة

نفط فنزويلا لن يعود للأسواق ما دامت كاراكاس مرتبطة بخصوم واشنطن

خبيرة بالحزب الجمهوري: ترامب يعتبر نفط مادورو سلاحا سياسيا لا تجارة

تصنيف مادورو كتهديد أمني يمنح واشنطن أدوات ضرب خارج الحدود

خبيرة أمريكية: واشنطن تستخدم ورقة الإرهاب لخنق نفط فنزويلا

ترامب يحاصر مادورو لمنع تغيير خريطة الطاقة العالمية

تأطير فنزويلا ككيان إجرامي يفتح باب العقوبات والضربات السرية

مادورو الخصم المثالي لترامب في معركة الطاقة والنفوذ

خبيرة أمريكية: مادورو ليس ديكتاتورا فقط بل محور شبكات تهريب وغسيل أموال وتحالفات معادية

ترامب يستهدف مادورو لأنه نقطة التقاء روسيا وإيران والصين في نصف الكرة الغربي

خبيرة صينية: بكين ترفض إعلان ترامب وتعتبره تهديدًا استعمارياً لفنزويلا

خبيرة سياسية: الدعم الصيني لمادورو مستمر لمواجهة الضغط الأمريكي

خبيرة: الصين تحذر من أي تدخل خارجي وتدافع عن سيادة فنزويلا

أستاذة علوم سياسية: واشنطن لا تستطيع طرد النفوذ الصيني والروسي بالقوة من أمريكا اللاتينية

خبيرة صينية: خطة ترامب 2025 لإعادة تقسيم الكرة الأرضية تهدف للاستيلاء على سلاسل التوريد
 

في قلب الكاريبي، وعلى بعد ساعات قليلة من الولايات المتحدة، تقف فنزويلا اليوم، على مفترق طرق حرج.. التاريخ يهمس في أذاننا، قبل أكثر من ستة عقود، حاولت أمريكا قلب نظام كوبا وفشلت، لتبدأ أزمة صواريخ كادت أن تشعل حربا نووية بين القوتين العظميين، ليظل السؤال الآن هل يمكن أن تعيد واشنطن سيناريو كوبا لكن هذه المرة على أرض فنزويلا؟

ويعود البحر الكاريبي إلى واجهة الأحداث الدولية، ليس كفضاء للسياحة والمياه الدافئة والشمس الاستوائية، بل كمساحة محتملة لاشتعال صراع جيوسياسي قد يعيد تشكيل ميزان القوى في نصف الكرة الغربي، في ظل تصاعد التقارير العسكرية، التحركات البحرية الأمريكية، والتوتر السياسي المتصاعد بين إدارة البيت الأبيض وحكومة مادورو، تبدو المنطقة وكأنها تقف على حافة سيناريو مفتوح، تتداخل فيه الحسابات العسكرية بالاقتصاد والطاقة، ويتقاطع فيه نفوذ واشنطن مع الطموحات الروسية والصينية في أمريكا اللاتينية.

 

الحرب الأمريكية على كوبا.. فشل تاريخي ودروس مستفادة

في عام 1961، شنت الولايات المتحدة غزوا على كوبا عبر قوة من منفيين كوبيين مدعومين من وكالة الاستخبارات الأمريكية (CIA)، فيما يعرف بـ غزو خليج الخنازير، الغزو فشل بالكامل خلال أيام قليلة، حيث سقط أكثر من 1,200 أسير من الغزاة، وخسر الأمريكيون عشرات القتلى والجرحى، بينما الفشل لم يكن مجرد هزيمة عسكرية، بل ألقى بظلاله على الهيبة الدولية لأمريكا وأكد قدرة كوبا على المقاومة.

لاحقا، دخلت الأزمة في مرحلة أخطر مع أزمة الصواريخ الكوبية  1962، عندما اكتشفت واشنطن أن الاتحاد السوفييتي يضع صواريخ نووية في كوبا، حينها العالم وقف على حافة حرب نووية قبل أن يتوصل الطرفان إلى تفاهم تمثيل في إزالة الصواريخ من كوبا مقابل وعد أمريكي بعدم غزو الجزيرة، وسرا إزالة صواريخ أمريكية من تركيا.

 

خسائر أمريكا في كوبا

حينها خسرت الولايات المتحدة كثيرا خلال معركتها في كوبا تمثل في فقدان الهيبة السياسية والدبلوماسية، والفشل في السيطرة على جزيرة استراتيجية على بعد 90 ميلا من شواطئها، وتأثرت سلبا على نفوذها في أمريكا اللاتينية على المدى الطويل، وكان أبرز الظاهر للعلن حينها أن الدعم النووي والعسكري من الاتحاد السوفييتي كان حاسما لحماية كوبا، وهو ما يجعل أي مقارنة اليوم بين فنزويلا وكوبا تتطلب النظر إلى الدعم الدولي المحتمل.

خسائر الولايات المتحدة في كوبا
خسائر الولايات المتحدة في كوبا

 

استدعاء التاريخ لفهم المستقبل

تجربة كوبا تركت دروسا قاسية في الذاكرة العسكرية الأمريكية، على رأسها أن التدخل المباشر في بيئة عدائية دون غطاء دولي محفوف بالمخاطر، كما أن القوى الصغيرة يمكنها الصمود إذا تلقت دعما استراتيجيًا من قوة عالمية منافسة، والدبلوماسية ليست خيارا تكميليا، بل قد يكون في بعض الأوقات الطريق الوحيد للخروج من المواجهات المعقدة.

يبدو أننا أمام سيناريو شبيه بما حدث في ستينيات القرن الماضي، فالعالم يترقب نشوب حرب أمريكية فنزويلية، خاصة بعد اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، والتي جاءت بعد تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المتكررة للزعيم الفنزويلي، هذا العداء المستمر منذ بداية الفترة الأولى لحكم الرئيس الأمريكي الحالي في عام 2017، ليعود خلال الفترة الثانية ويجدد هذا العداء.

 

القدرات العسكرية للولايات المتحدة وفنزويلا

مقارنة بين عدد الأسلحة بين الجيش الأمريكي والفنزويلي
مقارنة بين عدد الأسلحة بين الجيش الأمريكي والفنزويلي

 

من المهم المقارنة بين القدرات العسكرية بين الولايات المتحدة وفنزويلا، لمعرفة سيناريو أي حرب قد تنشب بين الطرفين، وهى تظهر بشكل كبير تفوق واشنطن بشكل كاسح في كل الجوانب، وهو ما قد يجعل غزوها المحتمل لكاراكاس، بعد تغيير النظام الحالي أمرا ليس صعبا لكن يظل العائق الأكبر حال تدخل أي من الدول الكبرى كروسيا والصين لحماية النظام الفنزويلي كما فعل الاتحاد السوفيتي مع كوبا.

 

وفقا لتصنيفات القوة العسكرية العالمية، فإن جيش الولايات المتحدة يمتلك نحو 1.395 مليون جندي نشط، إضافة إلى حوالي 806,700 من قوات الاحتياط، بجانب أكثر من 13,000 طائرة عسكرية بما فيها مقاتلات، قاذفات، مروحيات، وكذلك 471 وحدة بحرية تشمل حاملات طائرات، غواصات، مدمرات، و4,640 إلى 4,657 دبابة قتال رئيسية.

القدرات العسكرية الأمريكية
القدرات العسكرية الأمريكية

 

كذلك لدى واشنطن أسلحة نووية منشورة وغير منشورة ورقم الرؤوس النووية أكبر بما كثير من كل ترسانة فنزويلية، حيث تمتلك الولايات المتحدة 5,044 رأسا نوويا، كما أن ميزانية وزارة الحرب الأمريكية تعد الأكبر عالميا من حيث الإنفاق العسكري وصل في 2025 لـ 895 مليار دولار وبلغ  1.01 تريليون دولار في 2026،  بجانب قدرة لوجستية عالمية، وقدرات تكنولوجية متقدمة.

 

على الجانب الأخر فإن الجيش الفنزويلي يمتلك 123,000 جندي نشط، بجانب 8 آلاف جندي احتياطي على أقصى تقدير، بالإضافة إلى 228 طائرة عسكرية ، وعددا محدودا منها فعال، و21 مقاتلة روسية Su-30 وتواجه صعوبات تشغيل وصيانة بسبب نقص قطع الغيار والعقوبات، و180 دبابة ، و50 قطعة بحرية تشمل ست فرقاطات وثلاث سفن هجوم سريع و13 زورقا حربيا وغواصتين، بينما لا تمتلك سلاحا نوويا، وتصل ميزانياتها العسكرية لـ4 مليار دولار.

الميزانية العسكرية للجيشين الأمريكي والفنزويلي
الميزانية العسكرية للجيشين الأمريكي والفنزويلي

 

من خلال تلك الأرقام نكتشف الفارق الهائل عسكريا وتكنولوجيا، حيث إن الولايات المتحدة تتفوق في كل عناصر القوة سواء عدد أفراد، حجم وسرعة نشر، وتكنولوجيا متقدمة، وقدرات جوية وبحرية كبيرة، وقدرات نووية وقدرات لوجستية عالمية، بينما تظل فنزويلا قوة إقليمية نسبيا، وأكثر تركيزا على دفاع داخلي وإقليمي لديها ترسانة معقولة لكنها أضعف بكثير من واشنطن، خاصة أن  كثير من الأسلحة قديمة وتعاني من اضطرابات صيانة وتشغيل، وبالتالي فإن أي مواجهة عسكرية مباشرة أو تدخل عسكري واسع النطاق، فإن الميزان يميل بقوة لصالح أمريكا.

 

عدد القوات الأمريكية مقارنة بالقوات الفنزويلية
عدد القوات الأمريكية مقارنة بالقوات الفنزويلية


اقتصاد البلدين

إذا نظرنا لاقتصاد البلدين، فإن اقتصاد الولايات المتحدة كبير للغاية، حيث إن الناتج المحلي الإجمالى لدى الولايات المتحدة وفقا لتقديرات عام 2025، يبلغ حوالي 28 تريليون دولار، ما يجعلها لا تزال أكبر اقتصاد في العالم من حيث القيمة الأسمية، والنمو الاقتصادي يتراوح بين 2-2.5% سنوياً، مدفوعاً بالابتكار التكنولوجي والاستهلاك الداخلي القوي، وتبلغ الصادرات الأمريكية في 2025، حوالي 2.8 تريليون دولار، مع التركيز على التكنولوجيا، المنتجات الزراعية، والطاقة، بينما الواردات تصل إلى 3.5 تريليون دولار، مما يؤدي إلى عجز تجاري مستمر 700 مليار دولار، وهذا يعني موارد ضخمة لدعم جيش متطور، وإنفاق دفاعي ضخم متواصل، وبنية تحتية صناعية وعسكرية متقدمة.

بينما اقتصاد فنزويلا، يعاني أزمات اقتصادية كبيرة منذ سنوات، وهذا يؤثر على قدرة الإنفاق العسكري، الصيانة المستمرة، والتحديث.، حيث على مستوى الناتج المحلي الإجمالي، شهد انكماش الاقتصاد بشكل كبير على مدى السنوات الماضية قدر بنحو 78% حسب تقديرات صندوق النقد الدولي، ويشكل أكثر من 90% من إيرادات التصدير، فيما يرجع انخفاض إنتاجه إلى سوء الإدارة والعقوبات.

 

ورغم أن الإنتاج بدأ يرتفع مجددا، ويعيش أكثر من 80% من السكان تحت خط الفقر خلال عام 2025، مما دفع ملايين الفنزويليين للهجرة، وقل الناتج المحلي الإجمالي لفنزويلا عن خمس نظيره في كولومبيا بعد انكماشه بنسبة مذهلة بلغت 78% بالدولار، وهذه الأرقام تؤكد أن القدرة الفنزويلية على الصمود في حرب طويلة أو مواجهة متطورة محدودة رغم الرغبة في المقاومة، ومن حيث الدفاع الداخلي أو مقاومة  مع حرب غير متماثلة أو حرب استنزاف، فكاراكاس قد تحاول الصمود، لكنها ستعاني بشدة بسبب ضعف الإمكانيات اللوجستية والاقتصادية.

 

معركة بين جغرافيا النفوذ وإرث القوة

فنزويلا قد لا تملك قوة تقليدية تكفي لمواجهة الولايات المتحدة، لكنها تمتلك ثلاثة أوراق هم التحالفات الدولية، والعمق الجغرافي والسياسي في أمريكا اللاتينية، والتاريخ الذي يذكر واشنطن بأن السواحل القريبة لم تكن دائما ساحة حسم سريع، بينما الولايات المتحدة، فلا تريد صراعا يجرها إلى حرب طويلة، لكنها في الوقت نفسه لا ترغب بوجود حكومة معادية مدعومة من موسكو وبكين على بعد ثلاثة آلاف كيلومتر من شواطئها الجنوبية ويبقى مستقبل الصراع سؤالا مفتوحا "هل ستكون فنزويلا "كوبا جديدة" أم مجرد فصل عابر في لعبة توازنات أكبر من حدودها خاصة بعد اعتقال الزعيم الفنزويلي؟ فالأسابيع المقبلة ستحمل الإجابة أو بداية السيناريو.


إن كان التفوق الأمريكي ساحقا، إلا أن المعركة قد لا تكون تقليدية، فالموقع الجغرافي، طبيعة التضاريس، وقرب الساحل الفنزويلي من أمريكا اللاتينية قد يحول أي تدخل أمريكي إلى صراع استنزاف أو حرب عصابات طويلة، لا تحسمها الطائرات والصواريخ وحدها، خاصة أن فنزويلا ليست كوبا اقتصاديا، فهي واحدة من أغنى الدول من حيث احتياطي النفط، لكنها في الوقت ذاته واحدة من أكثر الدول أزمة اقتصاديا في العقدين الأخيرين، إلا أنه رغم ذلك، تعتمد كاراكاس على ما تصفه قيادتها بـاستراتيجية الحرب طويلة النفس، حيث حرب تستنزف الخصم وتحول الأرض إلى بيئة عدائية لا يمكن السيطرة عليها بسهولة، شبيهة بتجربة أفغانستان.

 

تاريخ ترامب في محاولات تغيير النظام الفنزويلي

منذ أيامه الأولى في البيت الأبيض في عام 2017، لم يخف ترامب موقفه من مادورو، واعتبر انتخابه غير شرعي، لكن ذروة الصدام جاءت في يناير 2019، حين أعلن الرئيس الأمريكي حينها اعترافه برئيس البرلمان الفنزويلي خوان جوايدو رئيسا مؤقتا للبلاد، في خطوة وصفت حينها بأنها أكبر محاولة أمريكية مباشرة لتغيير نظام حكم في أمريكا اللاتينية منذ عقود.

وفي خطاب حاشد بميامي، صعد ترامب لهجته قائلا : جميع الخيارات مفتوحة، مادورو لن يجد مأوى ولا مخرجا، وإن لم يتراجع فسيخسر كل شيء"، كما وصفه بالدمية الكوبية، في إشارة إلى النفوذ الأمني والاستخباراتي لكوبا داخل فنزويلا، وهو وصف تكرر أكثر من مرة في خطابه السياسي آنذاك.

لم يكتف ترامب بالتصريحات، بل فرض سلسلة من العقوبات الاقتصادية غير المسبوقة على قطاع النفط الفنزويلي، تجميد أصول حكومية، ومحاصرة شركات تتعامل مع نظام مادورو، كل ذلك في سياق ما سماه البيت الأبيض حينها استعادة الديمقراطية، ورغم حدة التصعيد، ظهرت مفارقة لافتة في يونيو 2020 عندما لمح ترامب، في مقابلة مع وكالة أكسيوس الأمريكية، إلى رغبته في لقاء مادورو، قائلا: "قد أفكر في ذلك نادرا ما أرفض الاجتماعات"، تصريحا بدا وكأنه نافذة خلفية تفتح رغم جدار المواجهة الأمامي.

 

الاعتراف بجوايدو.. مناورة سياسية لم تغير قواعد اللعبة

قرار الاعتراف بجوايدو كان الركيزة الأكبر في استراتيجية ترامب، حيث اعتبر البيت الأبيض أن البرلمان الفنزويلي هو المؤسسة الشرعية الوحيدة في البلاد، وأن المقعد الرئاسي شاغر بسبب تزوير انتخاب مادورو، إلا أن هذه المقاربة رغم الدعم الأوروبي والأمريكي لها لم تحقق هدفها الرئيسي وهو إزاحة مادورو من السلطة، بل ظل الأخير ممسكا بالمؤسسات العسكرية والأمنية والنفطية، ما أبقى الوضع السياسي على حالة انسداد مستمرة.

 

بايدن وسياسة أقل صخبا وأكثر واقعية

مع وصول جو بايدن إلى البيت الأبيض، ورغم التوقعات باستمرار النهج ذاته، حدث تحول مهم، ففي يناير 2023، وبعد قرار المعارضة الفنزويلية نفسها إنهاء الرئاسة المؤقتة لجوايدو، أعلنت إدارة بايدن أنها لم تعد تعترف به رئيسا مؤقتا، تلك الخطوة أنهت أبرز أدوات الضغط التي استخدمها ترامب.

سياسة بايدن لم تكن تصالحية مع مادورو، لكنها كانت أقل عدوانية، وأكثر ميلا إلى التفاوض والضغط الناعم، حيث قلصت واشنطن خطاب الإطاحة المباشرة، وفتحت بابا لتخفيف بعض العقوبات مقابل التزام كاراكاس بخطوات سياسية في الداخل، وبهذه المقاربة، انتقلت واشنطن من استراتيجية الهجوم التي طبعت عهد الإدارة الجمهورية، إلى استراتيجية الاحتواء التي تميز عهد نظيرتها الديمقراطية.

 

مادورو بين هجوم ترامب وحذر بايدن

بالنسبة لمادورو، لم تتغير الصورة كثيرا بين الإدارتين، فهو ما زال يعتبر أن الولايات المتحدة تتدخل في الشأن الفنزويلي، لكنه يدرك أن عهد ترامب كان الأخطر، حيث عقوبات قصوى، واعتراف برئيس بديل، وتهديدات باستخدام القوة، وخطاب شخصي مهين وسياسي عدائي، بينما  في عهد بايدن، تغير الخطاب من إسقاط النظام إلى تنظيم العلاقة، دون أن يعني ذلك قبولا بشرعية مادورو أو تخفيفا  كاملا للضغط.

 

عداء معلن مقابل محاسبة هادئة

ويكشف الانتقال بين ترامب وبايدن عن ثلاثة مشاهد أساسية في السياسة الأمريكية تجاه فنزويلا، فالرئيس الحالي يتبع مواجهة مباشرة، وضغوط قصوى، واعتراف ببديل سياسي، وتهديدات مفتوحة، بينما الرئيس السابق اتبع سياسة باردة، وضبط لنبرة الخطاب، وإنهاء الاعتراف بجوايدو، وإحلال الدبلوماسية محل الصدام، فيما اتبع مادورو خطاب دفاعي، ومحاولات لاستغلال التناقضات الأمريكية، وتحرك دبلوماسي لموازنة روسيا والصين مقابل الضغط الغربي، إلا أن واشنطن، مهما اختلف رؤساؤها، تعتبر فنزويلا ساحة نفوذ لا يمكن تركها، لكن أساليب اللعبة تختلف بين رئيس يفضل الضرب على الطاولة، وآخر يتبع أسلوب التفاوض.

العقوبات الأمريكية على فنزويلا
العقوبات الأمريكية على فنزويلا


وتؤكد إيرينا تسوكرمان عضو الحزب الجمهوري الأمريكي، أن تركيز ترامب تغيير مادورو في عام 2025 والذي أدى لاعتقاله مدفوع بمزيج من السياسة الداخلية وحسابات القوة الإقليمية والسياق الاستراتيجي الأوسع الذي أصبحت فيه كاراكاس مركزا للخصوم الذين تريد واشنطن تحييدهم، موضحة أن الرئيس الأمريكي في بيئته السياسية، لا ينظر إلى نظيره الفنزويلي على أنه مجرد زعيم ديكتاتوري، بل يُعامل كعقدة مركزية في منظومة سياسية وإجرامية واستخباراتية تتقاطع مع طرق تهريب المخدرات وأنابيب غسيل الأموال والتحالفات المناهضة للولايات المتحدة وأزمة الهجرة التي تهيمن على عناوين الصحف الأمريكية.

وتضيف في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن فريق ترامب يدرك أن الخصم الأجنبي يصبح أكثر قوة سياسية عندما يرتبط بالمظالم الأمريكية الداخلية، فيما يوفر مادورو هذا الارتباط بالضبط، ويعززه الرئيس الأمريكي لأنه يمنحه هدفا أجنبيا يمكنه إسقاط الغضب الداخلي عليه.

وتشير إلى أن ترامب يرى في مادورو نموذجا يحتذى به لاستعادة النفوذ الأمريكي القسري في نصف الكرة الغربي، حيث لسنوات، شاهدت واشنطن فنزويلا وهي تنزلق أكثر فأكثر في فلك روسيا وإيران والصين، ويعمل المستشارون العسكريون الروس في قواعد فنزويلية، وتسعى شبكات الاستخبارات الإيرانية إلى بناء شراكات محلية، مستفيدة من نفس الأساليب التي استخدمتها في أمريكا اللاتينية قبل عقود.

وتوضح أن البصمات التجارية والمراقبة الصينية توسعت عبر البنية التحتية الفنزويلية، حيث لا يرى ترامب هذا الأمر إزعاجا جيوسياسيا بعيدا، بل تحديا مباشرا للعمق الاستراتيجي الأمريكي في منطقته، لافتة إلى أن استهداف مادورو هو وسيلة لتفكيك البيئة المتساهلة التي تتمتع بها هذه الجهات، ولإعادة التأكيد على أن الولايات المتحدة لا تزال تحدد قواعد الأمن في نصف الكرة الغربي.

وتؤكد أن ترامب يقر بهشاشة الهياكل الداخلية لفنزويلا، حيث إن الاقتصاد مفرغ، والبنية التحتية متدهورة، والولاء الشعبي للدائرة الحاكمة يعتمد بشكل متزايد على الإكراه بدلا من الموافقة، كما يرى صناع القرار في واشنطن أن بقاء مادورو يعتمد على عدد قليل من نقاط الضغط منها الوصول إلى مصادر دخل غير مشروعة، والتعاون الاستخباراتي مع رعاة خارجيين، والسيطرة على القيادة العسكرية، والقدرة على التلاعب بتدفق المهاجرين إلى خارج البلاد.

وتشير عضو الحزب الجمهوري الأمريكي، إلى أن استراتيجية ترامب ركزت على كل هذه النقاط السابقة في آن واحد، واعتبرت مادورو معزول وضعيف ويعتمد على أدوات تستطيع الولايات المتحدة تعطيلها، وهذا الإطار يبرر اتخاذ تدابير أقوى دون الحاجة إلى تصعيد كبير.

وتشدد على أن تركيز ترامب يتأثر بتطور سياسات الهجرة، حيث وصل مئات الآلاف من الفنزويليين إلى الحدود الجنوبية للولايات المتحدة في السنوات الأخيرة، مما خلق ضغطا شديدا على الحكومات المحلية والهيئات الفيدرالية والولايات الحدودية، وهذا ما جعل الرئيس الأمريكي يربط موجة الهجرة هذه مباشرة بحكم مادورو، مصورا الدولة الفنزويلية ليس فقط كمصدر للمهاجرين، بل كطرف فاعل يزعزع استقرار المنطقة عمدا، متابعة أنه بربطه عدم استقرار الحدود بخصم أجنبي واحد، تحول الإدارة الجمهورية، السياسة الخارجية إلى ذخيرة سياسية محلية، لذلك يزداد الضغط على الزعيم الفنزويلي مع احتدام النقاشات حول الهجرة الداخلية وهذا يعطي نظيره الأمريكي متهما خارجيا بمشكلة يراها الناخبون داخلية".

 

الجيش الفنزويلي ينحاز لمادورو

وفي 4 يناير، أكد وزير الدفاع الفنزويلي فلاديمير بادرينو لوبيز، انحيازه لمادورو، مشيرا إلى أن الولايات المتحدة الأمس اختطفت الشخص الذي اختاره الشعب الفنزويلي رئيسا له.

وأضافت في تصريحات نقلتها شبكة CNN، الأمريكية، أن الرئيس نيكولاس مادورو هو القائد الدستوري الأصيل والحقيقي لجميع الفنزويليين والفنزويليات، لافتا إلى أن القوات المسلحة ترفض رفضا قاطعا الاختطاف الجبان للرئيس.

وأشار وزير الدفاع الفنزويلي، إلى أن عدد كبير من أفراد الفريق الأمني للرئيس مادورو قتل في العملية الأمريكية، وأكثر من 30 ألف جندي كولومبي متمركزون على طول حدود البلاد مع فنزويلا

وأوضح أن القوات تعطي الأولوية للمناطق التي تستهدف اثنتين من منظمات تهريب المخدرات، كما تعطي الأولوية لمناطق تتمركز فيها اثنتان من منظمات تهريب المخدرات.

وأشار " لوبيز " إلى أن هناك استنفار القوات المسلحة في أنحاء البلاد لضمان السيادة، مطالبا العالم بالتحرك ضد العدوان الأمريكي على الأراضي والسيادة والدستور الفنزويلي.

 

مطامع واشنطن في فنزويلا

لا شك أن فنزويلا تعد واحدة من أغنى دول العالم من حيث الموارد الطبيعية، رغم أزمتها الاقتصادية الحالية، حيث تمتلك أكبر احتياطي نفط مؤكد في العالم يقدر بأكثر من 300 مليار برميل، أغلبها في حزام أورينوكون فيما يعتمد الاقتصاد الفنزويلي على النفط بنسبة تتجاوز 90% من عائدات التصدير، وذلك بحسب تقارير عالمية.

الثروات الفنزويلية
الثروات الفنزويلية


وفيما يتعلق بالغاز الطبيعي، تمتلك كاراكاس واحدا من أكبر احتياطيات الغاز في نصف الكرة الغربي، والاحتياطات تتجاوز 200 تريليون قدم مكعب، بينما تعد فنزويلا ضمن الدول العشر الأولى عالميا في احتياطي الذهب، ولديها مناجم ضخمة خاصة في منطقة "قوس أورينوكو للتعدين"، بحسب صحف دولية، والاحتياطي الرسمي يتجاوز مئات الأطنان، إضافة لاحتياطات غير مكتشفة كبيرة.


كما توجد مناطق واسعة خصوصا في ولاية بوليفار غنية بالماس، لتجعل فنزويلا من أكبر الدول المنتجة للماس في أمريكا اللاتينية، وكذلك تمتلك البلاد خامات حديد عالية الجودة، وكانت في السبعينيات من أكبر مصدري الحديد الخام في العالم، ويتوافر بكثرة لديها الألومنيوم والبوكسيت، ولديها مجمعات صناعية ضخمة لإنتاج الألومنيوم في مدينة "سيوداد جيانا"، كما تمتلك احتياطات كبيرة في الغرب، خاصة في ولاية زوليا.

ثروات فنزويلا
ثروات فنزويلا


كذلك لدى فنزويلا معادن نادرة والتي تهتم بها الولايات المتحدة الأمريكية مثل النيكل والكولتان  الذي يدخل في الصناعات التكنولوجية، واليورانيوم، وتصدر البلاد أيضا الكثير من الثروات الطبيعية كالبن عالي الجودة، والكاكاو الفاخر والذي يعد من الأفضل عالميا ويبلغ إنتاجه لحوالي 17 ألف طن متري، حسب تقارير اقتصادية عالمية، مع قيمة إنتاج تزيد عن 13 مليون دولا ، والسكر، والزيوت النباتية.

وتؤكد إيرينا تزكريمان عضو الحزب الجمهورى الأمريكي، أن سياسات الطاقة تلعب دورا موازيا في التصعيد، حيث تمتلك فنزويلا بعضا من أكبر احتياطيات النفط في العالم، ومن شأن قدرتها على العودة إلى الأسواق العالمية أن تغير ديناميكيات الأسعار التي تؤثر على كل من التضخم الأمريكي وسلاسل التوريد العالمية.

وتوضح أن ترامب لا ينظر إلى صادرات مادورو النفطية على أنها معاملات تجارية، بل أعمال سياسية تعزز نظاما معاديا، وتفيد روسيا وإيران من خلال شبكات مشتركة من التجار والوسطاء، ورغم استهدافه الرئيس الفنزويلي، فإن النفط الفنزويلي لن يتدفق بحرية إلى الأسواق طالما بقيت كاراكاس مرتبطة بخصوم الولايات المتحدة، وهذا النهج يمنح واشنطن نفوذا على محادثات الإمدادات العالمية.

وتشير إلى أن تأطير مكافحة الإرهاب ليس عرضيا، لأنه في رؤية ترامب للعالم، يتيح له وصف القيادة الفنزويلية بالكيان الإجرامي أو الإرهابي مجموعة أدوات أوسع، فهو يسمح باستهداف مالي أكثر صرامة، وعمليات حظر سرية، وضربات خارج الحدود الإقليمية ضد جهات تصور على أنها تهديد للأمن الأمريكي، موضحة أن هذا التأطير يطمس الخطوط الفاصلة بين السياسة الخارجية، وإنفاذ القانون، والقوة العسكرية بطرق تتناسب مع غريزة الرئيس الجمهوري في تبسيط التحديات الجيوسياسية المعقدة وتحويلها إلى صراعات أخلاقية ثنائية، ويصبح الرئيس الفنزويلي واجهة هذا الصراع، مما يجعله الخصم الأمثل لرواية الرئيس الأمريكي.

وتشير إلى أن التصورات الإقليمية تشكل حسابات ترامب، حيث شعر حلفاء الولايات المتحدة في أمريكا اللاتينية بالإحباط من تداعيات فنزويلا المُزعزعة للاستقرار، وتمتد شبكات الجريمة وطرق التهريب والتدخل السياسي إلى كولومبيا والبرازيل ومنطقة البحر الكاريبي وأمريكا الوسطى، متابعة أنه بتصوير مادورو كمصدر للاضطرابات الإقليمية، يصور زعيم البيت الأبيض، الولايات المتحدة كقوة لتحقيق الاستقرار في نصف الكرة الأرضية، وهذا يعزز شرعية واشنطن في صراعات القيادة الإقليمية، ويضعف جاذبية القوى الخارجية التي تستغل الفراغ وعدم الاستقرار.

وتقول " تزكريمان"، إنه لا ينبغي الاستهانة بالبعد الشخصي في هذا التصعيد، حيث يؤطر ترامب السياسة الخارجية من خلال التنافسات الفردية، وأصبح مادورو مع مرور الوقت خصما مألوفا في خطاب ترامب، لافتة إلى أن تحويل مشكلة أمنية مشتتة إلى مواجهة شخصية يمكن الرئيس الأمريكي من إظهار الحزم والقوة، وهذه الديناميكية جعلت الرئيس الفنزويلي خصما مثاليا، حتى عندما تكون أدوات السياسة المُستخدمة أكثر تعقيدا بكثير مما يوحي به خطابه.

 

استخدام واشنطن العقوبات لإخضاع كاراكاس

لم تكتف إدارة ترامب بالتصريحات النارية ضد مادورو قبل اعتقاله، بل صنعت أوسع حملة عقوبات اقتصادية شهدتها فنزويلا في تاريخها الحديث، كانت العقوبات بالنسبة لترامب اليد الخشنة التي يلوح بها حين يتجاوز الخطاب حدود الردع ولا يحقق هدفه.

 

عقوبات قطاع النفط

وفي يناير 2019، أعلنت واشنطن عقوبات كاملة على شركة النفط الوطنية الفنزويلية PDVSA، التي تمثل أكثر من 90٪ من عائدات البلاد من العملة الأجنبية، وشلت هذه الخطوة قدرة كاراكاس على تصدير النفط إلى الولايات المتحدة، وهو  السوق الأكبر للبلاد في ذلك الوقت، وحولت عائدات الشحنات إلى حسابات مجمدة تحت سيطرة المعارضة، وبحسب تقديرات اقتصادية دولية حينها، فقد خسرت فنزويلا مليارات الدولارات سنويا نتيجة هذه العقوبات، ما أدى إلى تفاقم الانهيار في سعر العملة المحلية ونقص الوقود داخل البلاد.

 

جانب من العقوبات الأمريكية على فنزويلا
جانب من العقوبات الأمريكية على فنزويلا

 

تجميد الأصول الخارجية

كما فرضت واشنطن كذلك تجميدا واسعا للأصول الحكومية الفنزويلية داخل الأراضي الأمريكية، من بينها أصول شركة CITGO - الفرع الأمريكي لشركة النفط الوطنية - وهي واحدة من أهم الشركات الأجنبية المملوكة لفنزويلا، ومنعت الشركات الأمريكية من التعامل المالي أو التجاري مع مؤسسات الدولة الفنزويلية، بما فيها البنك المركزي، وكانت هذه الإجراءات تهدف بحسب مسئولين أمريكيين حينها إلى تجفيف منابع تمويل النظام.

عقوبات أمريكية
عقوبات أمريكية

 

عقوبات شخصية على قادة النظام

لم تقتصر العقوبات على المؤسسات، فقد استهدفت واشنطن كبار القادة السياسيين والعسكريين المقربين من مادورو، عبر تجميد ممتلكاتهم في الولايات المتحدة، ومنعهم من السفر، وتجريم أي تعامل مالي معهم، حيث شملت العقوبات رئيس المحكمة العليا، وزير الداخلية، كبار ضباط الجيش، ودوائر واسعة من النخب المرتبطة بالنظام، واستهدفت واشنطن حينها من هذه الإجراءات خلق شرخ داخل البنية الداخلية للسلطة، من خلال الضغط على الدائرة المقربة للرئيس الفنزويلي.

 

عقوبات على الذهب.. ومعاقبة بدائل النفط

ومع تراجع كميات النفط المتاحة للتصدير، اتجهت فنزويلا إلى تصدير الذهب لتمويل الدولة، لكن واشنطن سارعت في أواخر 2019 إلى فرض عقوبات على قطاع الذهب، ومنعت الشركات الدولية من شراء المعدن الفنزويلي، معتبرة أن عائداته تستخدم لدعم أنشطة فساد وانتهاكات حقوقية.

 

بايدن واستمرار بلهجة مختلفة

ورغم تغير النبرة بعد وصول جو بايدن إلى الحكم، فإن معظم العقوبات بقيت قائمة، حيث لم ترفع العقوبات الاقتصادية الكبرى، لكن إدارة الرئيس الديمقراطي حينها أبدت استعدادا لتخفيف بعضها إذا التزمت كاراكاس بخطوات سياسية تتعلق بالانتخابات والحوار مع المعارضة.

 

تأثير العقوبات

بحسب تقارير حقوقية واقتصادية دولية، أدت العقوبات، إلى جانب الفساد وسوء الإدارة الداخلية بفنزويلا، إلى هبوط الناتج المحلي لأكثر من 75% خلال أقل من عقد، وانهيار صادرات النفط من 2.5 مليون برميل يوميا إلى أقل من 700 ألف برميل، واتساع موجات الهجرة حتى وصلت إلى أكثر من 7 ملايين فنزويلي خارج البلاد، ورغم ذلك، لم تنجح العقوبات في تحقيق الهدف السياسي الأكبر: إزاحة مادورو من السلطة.

 

سيناريوهات التصعيد

شهدت فنزويلا تحولا تاريخيا في صفقة نادرة من نوعها بعد إعلان الولايات المتحدة اعتقال مادورو وزوجته خلال عملية عسكرية فجر 3 يناير، نقلتهما خارج البلاد تمهيدا لمحاسبتهما أمام القضاء الأمريكي بتهم تتعلق بالمخدرات والإرهاب، حيث جاءت هذه التطورات في وقت تهدأت فيه العاصمة كاراكاس بشكل غير معتاد بعد الهجوم، ما يعكس حالة من الصدمة والترقب في الشارع الفنزويلي.

أحد السيناريوهات المحتملة يتمثل في إدارة الولايات المتحدة لفنزويلا خلال مرحلة انتقالية حتى يتم ضمان انتقال آمن للسلطة، حسب تصريحات ترامب، الذي أشار إلى أن واشنطن قد تكون منخرطة في اختيار القيادة المستقبلية، مع الإشارة إلى اسمى قيادتين محتملتين داخل النظام الفنزويلي، وهذا السيناريو يفتح الباب أمام مفاوضات داخلية وخارجية بين قوى سياسية فنزويلية، يمكن أن تؤدي إلى تسوية مؤقتة أو انتخاب قيادة بديلة، لكن ذلك يعتمد على قدرة هذه القوى على التوصل إلى توافق وسط بيئة متوترة.

كذلك من المتوقع أن تزيد العملية من توتر العلاقات الجيوسياسية في أمريكا اللاتينية، إذ تواجهها دول مثل إيران وروسيا بإدانة شديدة، معتبرة أنها تهديد للسيادة الوطنية في المنطقة، كما أظهرت بعض الدول الحليفة لمادورو استعدادها للتصعيد أو دعم بديل سياسى، ما قد يؤدي إلى استقطاب أوسع بين القوى العالمية داخل فنزويلا، وهذا السياق يعيد إلى الأذهان مخاوف من تحول الأزمة إلى بؤرة صراع نفوذ بين واشنطن من جهة، وموسكو وبكين من جهة أخرى، مع ما يترتب على ذلك من تأثيرات على الاستقرار الإقليمي.

لم يغفل ترامب الحديث عن دور الشركات النفطية الأمريكية في إعادة هيكلة قطاع الطاقة في فنزويلا، مما يشير إلى سيناريو اقتصادي محتمل يتضمن دخول مصالح واشنطن كبرى إلى سوق النفط الفنزويلية وإعادة توجيه الإنتاج والاستثمارات، وإذا ما تحقق هذا السيناريو، فقد يشهد الاقتصاد الفنزويلي تحولات عميقة في ملكية واستغلال الموارد الطبيعية، مع تأثيرات محتملة على أسعار النفط عالميا.

 

تاريخ الصراع الأمريكي الفنزويلي

ويؤكد مأمون العمري، الكاتب والمحلل السياسى الأردني، أن الصراع بين البلدين ليس وليد اللحظة، بل هو نتيجة تراكمات تاريخية وسياسية واقتصادية تعود لأكثر من 100 عام، لكنه اشتد بشكل كبير منذ صعود هوجو تشافيز إلى الحكم عام 1999، موضحا أن نقطة التحول في الصراع بدأت عندما جاء تشافيز بمشروع تحت مظلة المشروع الاشتراكي الثوري، والمعاد للسياسات الأمريكية كما أنه داعم لتحالفات مع روسيا والصين وإيران وكوبا، وهو ما اعتبرته واشنطن تهديدا مباشرا لنفوذها في المنطقة.

ويضيف في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أنه بعد وفاة تشافيز، تولى نيكولاس مادورو الحكم وازدادت التوترات بسبب مزاعم التزوير الانتخابي وفرض العقوبات الاقتصادية الأمريكية الواسعة واتهام واشنطن لفنزويلا بتهريب المخدرات ودعم مجموعات مسلحة، مشيرا إلى أن هناك أبعاد اقتصادية، وأخرى إقليمية ، وأصبح العداء جزء من السياسة في كلا البلدين.

وتوقع أن التصعيد سيكون محدودا يشمل مزيد من الضغط والتهديدات، وضربات محددة مثل قوارب مهربة، ومنشآت مرتبطة بالمخدرات، عقوبات، ومواجهة غير شاملة، إضافة إلى عمليات عسكرية أو بحرية محدودة، وممارسة الضغط الاقتصادي والدبلوماسي، لافتا إلى سبب ذلك هو وجود الفوارق في القوة بين الطرفين، والتكلفة السياسية واللوجستية لحرب واسعة، وكذلك الحذر الدولي من تداعيات كهذه.

من جانبه يوضح الكاتب والمحلل السياسي عمرو حسين، أن الولايات المتحدة تتعامل اليوم مع فنزويلا باعتبارها آخر معاقل النفوذ الروسي الصيني في نصف الكرة الغربي، وهو ما يجعل ملف الرئيس مادورو أكثر من مجرد أزمة داخلية، بل جزءا من صراع جيوسياسي ممتد، لافتا إلى أن واشنطن باتت تتحرك وفق حزمة من السيناريوهات المتدرجة، تهدف جميعها إلى إعادة تشكيل المشهد السياسي في كاراكاس.

ويضيف في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن المحرك الأساسي لهذه الاستراتيجية هو رغبة الولايات المتحدة في السيطرة على موارد الطاقة، وضمان تحييد الوجود الروسي والإيراني في المنطقة، والحفاظ على أمن جيران فنزويلا.

ويشير إلى أن واشنطن ستعمل على إعادة توحيد المعارضة وتقديم قيادة جديدة يمكنها التواصل مع المؤسسة العسكرية، بعدما تراجع نفوذ خوان جوايدو وفشل مشروعات الانقسام داخل الجيش، لافتا إلى أن واشنطن تسعى لبناء توافق دولي يمكن استخدامه كورقة ضغط داخلية، خصوصا إذا رافقه انشقاقات محسوبة في صفوف الضباط.

ويختم الكاتب والمحلل تصريحه قائلا: "الولايات المتحدة لن تتخلى عن هدفها الأساسي في إعادة هندسة السلطة داخل فنزويلا، لكن كل سيناريو يحمل مخاطره، والضغط المفرط قد يؤدي إلى انفجار إقليمي، والتدخل العسكري قد يفتح الباب أمام مواجهة دولية واسعة، وحتى الآن، يبدو أن واشنطن تجمع بين كل المسارات معًا، في محاولة لبناء لحظة مناسبة تدفع نحو إنهاء عهد مادورو دون كلفة كبيرة".

 

الداخل الأمريكي يزيد التوتر

داخل واشنطن، لم تعد التساؤلات تقتصر على مراكز التحليل السياسي، بل طالب أعضاء من الحزبين الجمهوري والديمقراطي بتحقيق رسمي حول الضربات العسكرية الأخيرة ضد قوارب يشتبه بأنها تهرب المخدرات في الكاريبي وشرق المحيط الهادي، حيث تطرقت تقارير صحفية أمريكية عن أوامر قتالية لا تخضع للقواعد العسكرية التقليدية، بما يعكس أن الملف الفنزويلي لم يعد عسكريا فقط، بل كذلك سياسيا داخليا.

وأعرب عدد من النواب الجمهوريين والديمقراطيين عن دعمهم لإجراء تحقيق فى الكونجرس بشأن هذه الضربات، حيث قال عدد من المشرعين من كلا الحزبين الديمقراطى والجمهورى إنهم يدعمون إجراء تحقيق من قبل الكونجرس فى الضربات العسكرية التي وجهتها الولايات المتحدة ضد قوارب يشتبه فى تهريبها المخدرات فى البحر الكاريبى وشرق المحيط الهادى.

وذكرت وكالة أسوشيتدبرس في نوفمبر الماضي، أن النواب استشهدوا بتقرير واشنطن بوست الذى أفاد بأن وزير الدفاع الأمريكي بيت هيجسيث أصدر أمرا شفهيا بقتل كافة أفراد طاقم أحد هذه القوارب الذى تم استهدافه فى الثانى من سبتمبر الماضى، موضحين أنهم لا يعرفون ما إذا كان التقرير، الذى نشرته الصحيفة صحيحا، كما أن مهاجمة الناجين فى ضربة صاروخية أولية يشكل مخاوف قانونية خطيرة.

وبحسب صحف أمريكية، قال النائب الجمهورى مايك تيرنر، إن الكونجرس ليس لديه معلومات بشأن ما حدث من ضربات على قوارب فنزويلية، لافتا إلى قادة لجنتى الخدمات المسلحة فى مجلسى الشيوخ والنواب أطلقوا تحقيقين فى الأمر، وإذا حدث هذا بشكل واضح، فإنه سيكون أمرا خطيرا للغاية، وعملا غير قانوني.

وأضاف أن هناك مخاوف في الكونجرس بشأن الهجمات على السفن التي تقول إدارة ترامب إنها تنقل المخدرات، لكن الإدعاء المتعلق بهجوم الثاني من سبتمبر خارج نطاق أي شيء تمت مناقشته مع الكونجرس وهناك تحقيق جار.

وترى إيرينا تزكريمان، أنه لا يزال من غير المرجح اندلاع حرب شاملة في فنزويلا، بالمعنى التقليدي لنشر تشكيلات برية أمريكية ضخمة لاحتلال الأراضي، خاصة أن المخططين الاستراتيجيين الأمريكيين يدركون الواقع العملياتي لكاراكاس، وتشمل التضاريس مناطق حضرية كثيفة، وغابات معادية، وجبال، ومؤسسة عسكرية، على الرغم من تدهورها، لا تزال متماسكة بما يكفي لشن عمليات دفاعية حول منشآت رئيسية، وسيتطلب أي غزو بري مستوى من القوى البشرية واللوجستيات والالتزام السياسي يفوق بكثير ما يستعد الشعب الأمريكي أو الكونجرس لدعمه.

وتوضح خلال تصريحاتها الخاصة، أن فنزويلا تستضيف عسكريين روسا مدمجين في شبكات دفاعها الجوي واستخبارات الإشارات، وتحافظ على علاقات استخباراتية مع إيران عبر أجهزة الأمن والوحدات الخاصة، وأي غزو بري أمريكي يخاطر ليس فقط بمواجهة مباشرة مع القوات الفنزويلية، بل بمواجهات غير متوقعة مع مستشارين روس أو إيرانيين، وهو ما يجعل احتمالية التصعيد أعلى بكثير مما كانت عليه في تدخلات سابقة مثل بنما أو جرينادا، فيما لا ترغب واشنطن في إثارة مواجهة مباشرة مع دول نووية في مسرح مهم استراتيجيا ولكنه ليس وجوديا.

وتشير إلى أن التحديات العملياتية مهمة للغاية حال حدوث أي عملية غزو، حيث سيحتاج المخططون العسكريون الأمريكيون إلى تأمين الموانئ والمطارات وممرات الإمداد قبل أن تتمكن أي قوة برية من المناورة بفعالية، موضحة أن جغرافية فنزويلا تمنحها فرصا متعددة لتعطيل اللوجستيات، وضرب القوافل، وتخريب البنية التحتية، وستكون الحرب الحضرية في كاراكاس، وماراكايبو، وفالنسيا، أو باركيسيميتو مكلفة وطويلة الأمد، وهذه البيئات تفضل المدافعين الذين يعرفون التضاريس جيدا، ويمكنهم استخدام السكان المدنيين كدروع بشرية، و لا ترغب واشنطن في قتال يشبه أصعب مراحل العراق أو أفغانستان.

وتقول إن حكومات أمريكا اللاتينية، حتى تلك التي تنتقد نظام مادورو، تعارض التدخل العسكري الأمريكي، ولا تزال ذكريات تدخلات الحرب الباردة عالقة في الأذهان، ويفضل قادة المنطقة الضغط السياسي أو الاقتصادي على القوة المسلحة، لافتة إلى أن الولايات المتحدة ستخاطر بعزل شركائها الذين يعد تعاونهم أساسيا لإدارة الهجرة، ومكافحة الجريمة المنظمة، وتحقيق الاستقرار في منطقة البحر الكاريبي.

بينما يتوقع الدكتور حسان الزين، الخبير اللبنانى المختص بشؤون أمريكا اللاتينية، من ساوباولو بالبرازيل، سيناريوهات المواجهة، مشيرا إلى أنها قد تكون سيناريو العراق ، أو كما تفضلت سيناريو "الكويت"، أي غزو على غزو واحتلال لأماكن النفط على سبيل المثال، وهذه السيناريوهات التي هي غزو، فيها الكثير من المخاطر والتحديات، أي ليست لقمة تساغ أو سائغة بالنسبة للإدارة الأمريكية أن تدخل في هذا في هذا الصراع، وقد يكون على غرار ليبيا أو يوغوسلافيا، بقصف بالطائرات ودخول بري، خاصة بعد اعتقال مادورو.

وتساءل في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، هل أصبح الملف الفنزويلي على ملف التفاوض الدولي؟ وتدويل الأزمة الفنزويلية مقابل الأزمة التايوانية والأزمة الأوكرانية؟ وتبدأ فيها الملفات بالتبادل والصراع؟ هل سيقبل الأطراف المتصارعة ذلك؟ خاصة أن هناك استثمارات صينية بمليارات الدولارات، فهل سيقبل الصينيون التدخل الأمريكي؟ وهل ستتم المقايضة؟"

ويشير إلى أن السيناريو العسكري قد يكون واردا، لأن الأمريكيين شاركوا عسكريا في حروب كثيرة، وكانوا يديرون المعركة ولم يتراجعوا، وفي البحر الأحمر خاضوا المعركة لشهر وتراجعوا بعد ذلك، موضحا أن السؤال الهام هو ما هي المقدرات الفنزويلية التي تستطيع إزعاج الولايات المتحدة الأمريكية؟ أو مدى تأثيرها على القرار الأمريكي؟

 

روسيا والصين.. دعم أم تدخل؟

خلال حرب كوبا تدخل الاتحاد السوفيتي مما جعل العالم يتخوف من اندلاع حرب عالمية بين أكبر قوتين في ذلك الوقت، خاصة بعد زرع السوفيت قنابل نووية عند الكوبيين، إلا أن الحرب انتهت بتوافقات بين القطبين حينها، لكن يظل السؤال الأهم هل تكرر موسكو مع كاراكاس ما فعلته في كوبا، خاصة أن الدعم الروسي لفنزويلا ليس جديدا، فقد زودتها عبر السنوات بأسلحة متطورة، واستشاريين عسكريين، وحتى حضور استخباراتي محدود لكن السؤال الأخطر هل تتدخل روسيا عسكريا؟

قد يأخذ الدعم الروسي شكل الدعم طويل المدى عبر السلاح والدعم اللوجستي والحرب الإلكترونية، لاسيما أن فنزويلا حصلت في الماضي على أسلحة روسية، مقاتلات، دبابات، منصات دفاع جوي، في محاولة لتعويض الفجوة مع الغرب، إلا أن حدوث تدخل عسكري يظل خطوة بعيدة، خاصة أن موسكو متحمسة لتحفظ علاقاتها مع الولايات المتحدة خاصة إدارة ترامب لذلك دعمها يكون غالبا رمزي أو عبر تسليح محدود، وليس تدخلا واسع النطاق.

ويؤكد الدكتور رامى القليوبي الخبير في الشئون الروسية، وأستاذ بكلية الاستشراق في المدرسة العليا للاقتصاد بموسكو، أن فنزويلا ليست منطقة للنفوذ الروسي المباشر، وبالتالي ليست بمقدور الأخيرة أن تتدخل، خاصة أن موسكو الآن تقيم علاقة جيدة مع الإدارة الأمريكية الحالية، مما يجعل من الأرجح عدم التدخل.


ويضيف في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن روسيا ربما تصدر بيانات تنديد في حال صعدت أو وصلت الولايات المتحدة تصعيدها ضد فنزويلا، ولكن لن تذهب أبعد من التنديد بالتصعيد الأمريكي بالمحافل الدولية.

بينما الصين، فدافعها مختلف لأن مصالحها في فنزويلا اقتصادية بالدرجة الأولى، حيث استثمارات في الطاقة، وعقود بنى تحتية، وديون سيادية ضخمة مستحقة لها، كما أن بكين لا تريد صداما مباشرا مع واشنطن في نصف الكرة الغربي، لكنها لن تقف مكتوفة الأيدي إذا انهارت مؤسسات الدولة الفنزويلية أو توقفت ديونها.

الصين ورغم علاقاتها الاقتصادية مع فنزويلا، فإنه من غير المرجح أن تقدم دعما عسكريا مباشرا في مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة، لأن ذلك يعني صداما كبيرا ومخاطر سياسية كبيرة وهو ما لا تريده بكين في الوقت الحالي، فرغم أنها الشريك الاقتصادي الأهم لكاراكاس، لكن مصلحتها تكمن في تأمين مصادر الطاقة، وليس صداما عسكريا مع واشنطن.

وتشير الدكتورة نادية حلمى، الخبيرة فى الشؤون السياسية الصينية وسياسات الحزب الشيوعى الحاكم فى الصين والسياسات الآسيوية، وأستاذ العلوم السياسية جامعة بنى سويف، أن الرفض الصينى لإعلان ترامب بأن أجواء فنزويلا بأنها باتت مغلقة بالكامل، لأنه يمثل تهديدا استعماريا ضد السيادة الوطنية الفنزويلية، ولا يتفق مع القانون الدولى ومبادئ الأمم المتحدة.

وتضيف في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن الدوائر السياسية والاستخباراتية والأمنية فى بكين، وهنا، انتقدت استغلال الرئيس الأمريكى لحملته ضد العصاباتِ الإرهابية وتجارة المخدرات فى أمريكا اللاتينية، لبدأ إطلاق خطته الشاملة لضرب المصالح الصينية فى منطقة أمريكا اللاتينية والكاريبى، تحت إسم "مبدأ دونرو"، والتى اعتبرتها بكين بأن هدفها جزئيا هو تطهير الفناء الخلفى لأمريكا من النفوذ الصينى.

وتتوقع أن تتدخل الصين لتخفيض التصعيد الأمريكى الفنزويلى خلال الفترة الأخيرة، وربما سيكون موقفها مشابه لموقف الاتحاد السوفيتى إبان الحرب الأمريكية على كوبا، أو ربما ستسعى لتقريب وجهات النظر بين الطرفين، ولكن يبقى السيناريو المطروح والأقرب واقعيا هو استمرار الدعم الصينى لفنزويلا فى مواجهة الضغط الأمريكى عليها. 

وتشير إلى أشكال التدخل الصينى فى فنزويلا تتخذ أشكال شتى، تتدخل من خلال دعمها الاقتصادى لفنزويلا عبر اتفاقيات "النفط مقابل القروض"، مما يمثل دعامة لاستمرار نظام مادورو فى مواجهة العقوبات الأمريكية، لافتة إلى أن الصين تحذر من أى تدخلات خارجية فى شؤون فنزويلا وتطالب باحترام سيادتها وتجنب الإجراءات المثيرة للتوتر.

وتوضح أن الدعم الصينى لفنزويلا يأخذ الطابع الدبلوماسى، من خلال معارضة الصين لأى تدخل خارجى فى الشؤون الداخلية لفنزويلا، وتنتقد العقوبات الأمريكية التى تفرضها واشنطن من جانب واحد وكذلك اعتقال مادورو، خاصة أن التحليلات تشير إلى أن الصين تمثل تحديا لنفوذ الولايات المتحدة الأمريكية فى حديقتها الخلفية لأمريكا اللاتينية، ومن هنا فإن واشنطن لا تستطيع ببساطة طرد النفوذ الصينى والروسى بالقوة من تلك المنطقة.     

وتقول الدكتورة نادية حلمى، إن جهود "ترامب" من أجل مواجهة تنامى النفوذ الصينى داخل فنزويلا ومنطقة أمريكا اللاتينية، ركزت على محاولة إحياء مبدأ "مونرو"، وهو المبدأ الذى يعود إلى القرن التاسع عشر، والذى كان ينظر فى حينه إلى أمريكا اللاتينية باعتبارها الفناء الخلفى والحديقة الخلفية للولايات المتحدة الأمريكية، ويعلن من خلاله، بأن نصف الكرة الغربى منطقة محظورة على الخصوم، مشيرة إلى أن مشروع 2025، وهو المخطط الذى أعلنه "الرئيس الأمريكي خلال فترة ولايته الثانية، والذى يطلق عليه اسم "إعادة تقسيم الكرة الأرضية"، ويدعو من خلاله، إلى الاستيلاء على سلاسل التوريد فى منطقة أمريكا اللاتينية، كشرط لتحقيق الأمن الإقتصادى الأمريكى.

موقف صيني وروسي ضد سياسة واشنطن في فنزويلا

وأكدت وزارة الخارجية الصينية، أن أفعال الولايات المتحدة الأمريكية تنتهك القانون الدولي، داعية في بيان لها في 5 يناير، واشنطن للإفراج الفوري عن الرئيس الفنزويلي.

وقالت الوزارة، إنها تتابع الوضع الأمني هناك، وتحترم سيادة فنزويلا واستقلالها والتعاون بين البلدين محمي بالقوانين الدولية.

فيما أدان نائب المندوب الصيني في مجلس الأمن سون لي، بشدة الأعمال غير القانونية الأحادية التي قامت بها الولايات المتحدة، موضحا أن واشنطن فضلت نفوذها على التعددية والعمل العسكري على الجهود الدبلوماسية.

كما أدان فاسيلي نيبينزيا مندوب روسيا بالأمم المتحدة في ذات اليوم، العمل الأمريكي ضد فنزويلا بوصفه عدوانًا مسلحًا وندعو الولايات المتحدة إلى الإفراج عن مادورو وزوجته.

 

الاتحاد الأوروبي يحمل مجلس الأمن المسئولية

ودعا بيان للاتحاد الأوروبي  في 5 يناير إلى ضبط النفس والهدوء لتجنب التصعيد وضمان حل سلمي للأزمة، موضحا أن مجلس الأمن يتحمل مسؤولية لدعم مبادئ القانون الدولي، ويجب احترام حق الشعب الفنزويلي في تقرير مصيره.

 

تأثير الحرب على الاقتصاد العالمي

أي صدام عسكري كبير بين الولايات المتحدة وفنزويلا ستكون له انعكاسات اقتصادية غير مباشرة لدى كل دول العالم وعلى رأسها المنطقة العربية، حتى لو لم تكن الأطراف طرفا مباشرا في النزاع، خاصة التأثيرات تختلف بين سياسية واقتصادية وأمنية.

أهم هذه التأثيرات هو أسعار النفط، لأن أي حرب قد تعطل صادرات كاراكاس من النفط وتؤثر على السوق العالمية، بجانب أن فنزويلا تعتبر حليفا لكل من روسيا و الصين، وأي حرب ستدفع موسكو وبكين لفتح جبهات ضغط غير مباشرة على واشنطن، واحتمال انعكاس التوتر على ملفات الشرق الأوسط.

من بين التأثيرات أيضا تراجع الاهتمام الأمريكي بالشرق الأوسط مؤقتا، فإذا انشغلت واشنطن بحرب في أمريكا الجنوبية، قد يقل تركيزها الاستراتيجي في المنطقة، مما يفتح مساحة أوسع لروسيا والصين للتحرك دبلوماسيًا واقتصاديا في المنطقة، بالإضافة إلى حدوث اضطراب في التحويلات المالية والمساعدات، خاصة الدول التي لديها علاقات اقتصادية مباشرة مع الولايات المتحدة قد ترى تأخيرا أو تغييرات في التمويل، خاصة أن أي حرب ستستهلك الميزانية الأمريكية وتقلل دعمها الخارجي.

ويؤكد الدكتور عامر الشوبكي، الخبير الاقتصادي الأردني والمتخصص في شؤون النفط والطاقة، أن المواجهة بين واشنطن وكاراكاس إن حدثت ستكون ضمن المواجهة العالمية في إعادة تحديد أو رسم الهيمنة الأمريكية، وهذه الحرب لن تكون تقليدية فقط، بل ستكون حربا تمس أمن الطاقة العالمي، وأسواق السلع، وسلاسل التوريد، وحرب النفوذ بين الولايات المتحدة والصين وروسيا من جهة أخرى.

 

أهمية فنزويلا النفطية

ويضيف في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن فنزويلا تمتلك احتياطيا نفطيا يصل لقرابة الـ 303 مليار برميل، ما يعادل 19% من الاحتياطي العالمي، ووجود هذا الاحتياطي داخل منطقة الكاريبي قريبا من أكبر اقتصادات العالم - الولايات المتحدة - يجعل أي اضطراب عسكري هناك ينعكس مباشرة على أسعار النفط، الغاز، وعلى حركة التجارة.

 

الخسائر النفطية والاقتصادية المباشرة

ويوضح أن فنزويلا تنتج حاليا قيمة متواضعة وهي 1.1 مليون برميل يوميا، وأهميتها ليست في الكمية بل في النوعية حيث نفط ثقيل تعتمد عليه مصافي أمريكا خصوصاً في خليج المكسيك، وأي ضربة عسكرية أو حصار بحري أو إغلاق للموانئ الفنزويلية قد يؤدي إلى فقدان السوق العالمي ما بين 700 ألف إلى مليون برميل يوميا من خلال أسابيع من هذا الفقد.


ويشير إلى أن الحرب قد تؤدى إلى ارتفاع أسعار النفط والمتوقع سيكون قرب الـ 80 دولار للبرميل في حده الأعلى، بجانبً ارتفاع أسعار المشتقات النفطية خصوصا الديزل، وهو ما ينعكس على تكلفة الشحن البحري وسلاسل الإمداد العالمية، لافتا إلى أن المعدلات التاريخية تؤكد أن أي انقطاع يفوق 1% من المعروض العالمي يسبب قفزة سعرية فورية، وبالتالي ستكون الأسواق أمام صدمة جديدة تضاف إلى الضغوط القائمة بالأساس بسبب توترات الشرق الأوسط وارتفاع تكاليف الشحن في البحر الأحمر.

 

الخسائر الجيوسياسية العالمية

ويؤكد أنه سيكون هناك خطر آخر لا يقل أهمية، هو أن فنزويلا ليست فقط دولة معزولة سياسيا، بل اليوم الصين تشتري أكثر من 80% من النفط الفنزويلي، ولديها استثمارات مباشرة طويلة الأجل في الحقول النفطية، وكذلك روسيا لديها اتفاقيات تنقيب وتمويل تصل قيمتها التاريخية إلى 40 مليار دولار تقريبا، وبالتالي أي حرب أمريكية في فنزويلا ستتحول إلى مواجهة غير مباشرة مع بكين وموسكو.


ويشدد على أن هذه المواجهة المرتقبة تعني إعادة تشكيل التحالفات في أمريكا اللاتينية، وزيادة حدة الحرب الاقتصادية بين واشنطن وبكين، وارتفاع في إنفاق الدفاع عالميا، واضطراب في أسواق السلع الاستراتيجية خصوصا المعادن الضرورية للطاقة الخضراء، لافتا إلى أن فنزويلا تعتبر نقطة ارتكاز صينية-روسية داخل الفناء الخلفي للولايات المتحدة - أمريكا اللاتينية- ولذلك فإن أي حرب ستفتح ملفا أكبر بكثير من حدود فنزويلا.

 

التأثير على المنطقة العربية

كما يؤكد "الشوبكي"، أن الحرب ستؤثر بشكل مباشر وغير مباشر على المنطقة العربية، خاصة فيما يتعلق بأسعار النفط والذي بارتفاعه سينعكس إيجابيا على الدول المنتجة، لكن العالم العربي اليوم يعيش مرحلة حساسة حيث ارتفاع الأسعار يعني زيادة تكاليف الغذاء والسلع، وقد تجبر بعض الدول على رفع الدعم مجددا، كما سيؤدي إلى ضغوط تضخمية في عدة بلدان عربية نتيجة ارتفاع فاتورة الطاقة.
ويوضح أن أسواق الشحن والمشتقات ستتأثر أيضا، خاصة ارتفاع سعر الديزل عالمياً وهذا يرفع تكلفة النقل البحري والبري وينعكس على أسعار كل السلع الأساسية في الدول العربية المستوردة للطاقة، بجانب أن أي حرب تقودها الولايات المتحدة في النصف الغربي من العالم ستقلل من تركيزها العسكري في الشرق الأوسط، وقد يخلق ذلك فراغا نسبيا في بعض الملفات مع تصاعد للتوترات الإقليمية وربما إعادة رسم أولويات واشنطن الأمنية.

 

الأسواق المالية

ويشير إلى أن الذهب سيقفز والدولار سيزداد قوة مؤقتا، وقد يشهد العالم ارتفاعات في تكلفة الاقتراض للدول النامية، وهذا سينعكس سلبا على الدول العربية التي تعاني من ارتفاع كبير في الدين وأعباء الدين والفوائد، وهذا يعني أعباء إضافية، موضحا أن الحرب في فنزويلا إن حدثت لن تكون حربا محلية، بل زلزالا اقتصاديا عالميا يمس النفط، الشحن، التحالفات الدولية، وأسواق المال، وستنعكس المواجهة على المنطقة العربية من خلال ارتفاع الأسعار، واضطراب الأسواق، وتغيير موازين النفوذ، وتباطؤ الاقتصاد العالمي في وقت يعاني من آثار الحروب والتوترات وحالة عدم اليقين الاقتصادية.


ويتابع أن أي مواجهة عسكرية أمريكية فنزويلية ستكون مكلفة على الجميع، لكنها ستكون مكلفة على الولايات المتحدة نفسها لأنها ستعيد تموضع نفسها اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا للحفاظ على هيمنتها في الفترة القادمة وربما تكون أكثر - من حيث النتائج والكلف -  من مواجهات العراق وأفغانستان، هذه المرة هي تجري على أرض متصلة مباشرة مع الولايات المتحدة وفي فنائها الخلفي في الكاريبي، وفي قلب أكبر ملف يهدد المجتمع الأمريكي وهو ملف "الفنتانيل" والمخدرات، لذلك ربما سيتلقى ترامب دعما محليا في مثل هذا التوجه.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة