د. سمر أبو الخير تكتب: تأخر النطق بين إرث الجينات وصناعة البيئة

الثلاثاء، 06 يناير 2026 04:00 م
د. سمر أبو الخير تكتب: تأخر النطق بين إرث الجينات وصناعة البيئة د. سمر أبو الخير

يشكل تأخر النطق والكلام عند الأطفال هاجسًا مؤرقًا لكثير من الأسر، حيث يتحول الانتظار إلى قلقٍ متنامٍ مع كل مرحلة عمرية يمر بها الطفل دون أن تنضج قدراته اللغوية بالوتيرة المتوقعة.

ويتساءل الآباء والأمهات: هل ما يمر به طفلهم هو قدرٌ وراثي محتوم، أم أن ثمة عوامل أخرى تسببت في تأخر النطق والكلام لدى طفلهم؟

للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من النظر عبر عدسة علمية تربوية متكاملة، تفكك تشابك العوامل الوراثية والبيئية في تشكيل المسيرة اللغوية للطفل.

ونبدأ بالعامل الوراثي، حيث تشير الأبحاث في مجالي علم الوراثة العصبية (Neurogenetics) وعلم الأعصاب اللغوي (Neurolinguistics) إلى وجود مكون وراثي في اضطرابات اللغة والتواصل.

كما تظهر الدراسات الوبائية أن احتمالية تأخر الكلام تزداد لدى الأطفال المنحدرين من أسر لديها تاريخ عائلي لهذه الصعوبات، وقد حددت دراسات الربط الجيني والدراسات على التوائم وجود جينات قد تكون مرتبطة بنمو مناطق الدماغ المسئولة عن المعالجة اللغوية، مثل منطقتي بروكا (Broca's area) وفيرنيكه (Wernicke's area) في القشرة المخية.

إلا أن النظرة العلمية الرصينة تؤكد أن الوراثة نادرًا ما تكون العامل الوحيد أو الحاسم في تأخر النطق والكلام عند الأطفال؛ فوجود استعداد وراثي لا يعني بالضرورة تحقق الاضطراب.

وهنا يأتي مفهوم التفاعل بين الجينات والبيئة (Gene-Environment Interaction)، حيث تتفاعل الميول الوراثية مع الظروف البيئية المحيطة بالطفل لتشكل النتيجة النهائية. فالجينات قد تضع «حدودًا» معينة للإمكانات اللغوية، لكن البيئة هي التي «تعبئ» هذه الإمكانات وتشكلها لدى الأطفال.

وإذا كانت الوراثة تقدم «البذرة الأولى»، فإن البيئة هي «التربة والمناخ والماء» التي تساعد على نمو هذه البذرة، فاللغة، بكل وضوح، مهارة مكتسبة تتطلب مدخلات غنية وتفاعلًا ثنائيًا، إذ إن المخ البشري مهيأ فطريًا لاكتساب اللغة، لكنه يحتاج إلى حافز خارجي لتفعيل هذه الآليات الفطرية.

ولا شك أن البيئة المنزلية، ولا سيما البيئة التفاعلية بين الوالدين والطفل، تلعب دورًا محوريًا في نمو البراعم الأولى للكلمات لدى الأطفال، حيث يحتاج الطفل إلى ما يسميه الخبراء «اللغة الموجهة للطفل» (Child-Directed Speech) أو «لغة الأمهات» وهي لغة بطيئة، عالية النبرة، غنية بالتكرار والتعبيرات الوجهية، وقد ثبت علميًا أنها تحفز الانتباه وتسهل تعلم الكلمات والتراكيب.

كما أن قراءة القصص للطفل، والغناء له، والتحدث إليه عما يفعله ويشاهده خلال الروتين اليومي، كلها ممارسات تزيد من حصيلته اللغوية.

وفي المقابل قد تسهم بعض العوامل البيئية في تأخر الكلام، مثل التعرض المفرط للشاشات، حيث تحل التفاعلات أحادية الاتجاه مع الشاشات محل الحوارات التفاعلية الثنائية الضرورية لتعلم اللغة.

فضلًا عن نقص التحفيز اللغوي، كالبيئات الصامتة أو التي لا يتحدث فيها البالغون مع الطفل بشكل كافٍ، إضافةً إلى الضغوط النفسية أو التوتر العائلي، إذ تؤكد الدراسات العلمية أن ذلك يؤثر في استعداد الطفل للتواصل، وقد يسبب ما يعرف بـ«الحرمان الحسي أو الاجتماعي».

والسؤال الأهم الذي يجول في خاطر كل أم: ماذا أفعل إذا اكتشفت أن طفلي يعاني من مشكلة تأخر النطق والكلام؟

إن الأهم في مواجهة هذه الحالة هو التدخل المبكر من قبل فريق متخصص من أخصائي النطق واللغة (Speech-Language Pathologist)، لتقييم المهارات الاستقبالية (الفهم) والتعبيرية (النطق)، وقدرات النطق والطلاقة.

فضلًا عن عرض الطفل على أخصائي السمع (Audiologist) لاستبعاد أي مشكلات سمعية، وهي من أكثر الأسباب العضوية شيوعًا، بالإضافة إلى عرض الطفل على طبيب الأطفال وطبيب المخ والأعصاب لاستبعاد أي أسباب طبية أخرى، كاضطرابات النمو العصبي أو الشلل الدماغي أو غيرها.

ومن خلال نتائج التقييم السابقة، توضع خطة علاجية للطفل تركز على علاج النطق واللغة، وتعمل على تحسين المهارات الاستقبالية لفهم الكلمات والتعليمات، وتنمية المهارات التعبيرية، باستخدام استراتيجيات مثل النمذجة (Modeling) والتوسيع (Expansion)، حيث يوسع الأخصائي أو الوالد جملة الطفل البسيطة لتصبح أكثر اكتمالًا.

وفي النهاية نؤكد أن كلمات الطفل قد تتأخر، لكنها ليست غائبة؛ فهي تنتظر البيئة المناسبة، والصبر الواعي، واليد الممتدة التي تعرف كيف تستدعيها من عالم الصمت إلى عالم التواصل.

والعلاج الناجح هو الذي يتحول فيه المنزل إلى شريك فعال في الرحلة، حيث تصبح كل لحظة مشتركة جسرًا تعبر عليه الكلمات طريقها نحو النور.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة