ما يجرى فى فنزويلا، بعد اختطاف الرئيس مادورو، يعيد التذكير بسوابق أمريكية فى اغتيال وخطف وإزاحة رؤساء، ويعيد التذكير بالتوحش الأمريكى ما بعد الحرب الباردة، لكنه فى أمريكا اللاتينية يبدو أكثر تحققا مع تطبيق مبدأ مونرو الذى يتيح للولايات المتحدة التدخل لحماية ما ترى أنه لصالحها، اعتبارا لكون أمريكا اللاتينية فناء خلفى لواشنطن، وهناك عشرات التدخلات المباشرة وغير المباشرة لتغيير نظم الحكم فى أمريكا اللاتينية، وفى الربع الأول من القرن الـ21، أجرت الولايات المتحدة عشرات التدخلات الناعمة لزعزعة حكومات دول فى المنطقة، وتدخلات مستمرة لتغيير أنظمة الحكم فى فنزويلا وكوبا ونيكاراجوا.
ففى عام 1989 أصدر الرئيس جورج بوش الأب قرارا بغزو بنما، وأطاحت القوات برئيس البلاد آنذاك مانويل نورييجا، الذى كان يتمتع بدعم أمريكى، وتم اتهامه بتجارة المخدرات والفساد، وفى 2004 دعمت واشنطن انقلابا أطاح بالرئيس الهاييتى جان برتران أريستيد المنتخب ديمقراطيا، وأُجبر وعائلته على مغادرة البلاد.
وهناك بالطبع عشرات الحالات منذ القرن التاسع عشر والعشرين، وخلال السنوات، وفيما يتعلق بفنزويلا، فقد واصلت الولايات المتحدة دعمها لمحاولات الانقلاب ضد الرئيس الفنزويلى السابق هوجو تشافيز، وكانت أبرزها عام 2002، حيث دعمت انقلابا فاشلا فى 11 أبريل 2002 أدى إلى الإطاحة بالرئيس هوجو تشافيز من منصبه لمدة 47 ساعة قبل أن يعود إلى السلطة، ويواصل المواجهة مع السياسة الأمريكية، لكن الواقع أن تشافيز بالرغم من أنه كان يتبع سياسة اقتصادية فاشلة، كانت بداية التدهور الاقتصادى الكبير، لكنه كان يسيطر على الأمور، ويحظى بشعبية ودعم من الفئات الشعبية.
لا يمكن تصديق اتهامات واشنطن وترامب لفنزويلا بتجارة المخدرات أو غيرها، لكنها الشعور بمحاصرة المصالح الأمريكية، منذ طرد تشافيز الشركات الأمريكية ورأس المال، من فنزويلا من دون بديل اقتصادى، والواقع أن انهيار فنزويلا خلال العقدين الماضيين، حسب دراسة لفورين أفيرز، ترجمها الصديق عزت إبراهيم، كان المحرّك الأكبر للهجرة غير النظامية، والجريمة العابرة للحدود، والفساد، وتدفّقات الأموال غير المشروعة فى القارة، وكلها أضرت بالمصالح الأمريكية، وتتهم أمريكا نظام مادورو بارتكاب جرائم منهجية بحق شعبه، جرائم أفرغت المجتمع الفنزويلى من مضمونه وصدّرت عدم الاستقرار إلى الخارج، بجانب عدم قدرة خصوم الولايات المتحدة، بمن فيهم الصين وإيران وروسيا، عن ضمان استقرار وقوة نظام أصابه الهزال.
بالطبع ليس لدى الولايات المتحدة مبررات للغزو، وهى تخالف القانون الدولى، لكن فى الوقت نفسه استغلت ضعف فنزويلا وانهيار اقتصادها وهو حقيقة، فشل الرئيس المخطوف من مواجهتها، وجعل هذا المصير متوقعا بالغزو أو الانقلاب.
وفى فبراير 2019 كانت فنزويلا تواجه أزمة كبرى ومحاولات تمرد، قابلها مادورو بالعنف، لكنه لم يعالج الاختلالات، ويومها كتبت «فنزويلا ودروس فى الدولة الفاشلة والناجحة.. النية الحسنة وحدها لا تكفى»، حيث كانت الأوضاع تتأزم، تستمر المظاهرات من المعارضين والمؤيدين للرئيس نيكولاس مادورو، وزعيم المعارضة خوان جوايدو، رئيس البرلمان الذى أعلن نفسه رئيسا مؤقتا للبلاد، داعيا لانتخابات رئاسية جديدة، فى وقت تتزايد فيه الأزمة الاقتصادية وتنعكس على حياة 30 مليون فنزويلى يواجهون الفقر والجوع.
لكن الرئيس الفنزويلى تمسك بموقعه، وانقسم قيادات الجيش بين مساندين للانتخابات المبكرة، أو داعمين للتمرد على الرئيس والاعتراف بزعيم المعارضة خوان جوايدو، الذى حظى بتأييد ودعم الولايات المتحدة وبعض دول أوروبا والدول اللاتينية، فيما أصر مادورو على المواجهة ورفض التخلى، واستمر، لكنه لم يحاول معالجة الاختلالات والفقر ونتائج السياسات الفاشلة،
معروف أن الأزمة فى فنزويلا بدأت مع تولى الرئيس هوجو شافيز الذى أراد بناء تجربة اشتراكية تقليدية من دون مقومات تراعى التطورات العالمية، خاض هوجو شافيز حربا متعددة الأطراف مع الولايات المتحدة ومع رجال المال، ما دفع إلى هروب الأموال خارج فنزويلا وتوقف الاستثمارات، وأنفقت العائدات الضخمة على برامج إسكان ومعونات للفقراء لم تخرجهم من الفقر، ولا ساهمت فى خفض البطالة، ومع الوقت انتهت السياسات إلى تراجع التنمية وتضاعف البطالة وتراكم الديون، كما لم تعالج عملية إحلال الصين وروسيا فى إدارة النفط الى حل، وهو ما أدى لمزيد من التدهور.
هناك جدل حول ما إذا كان مادورو تعرض لخيانة، وهو أمر وارد فى ظل تدهور اقتصادى وسياسى وجريمة منظمة وعابرة للحدود، وتدهور وصل إلى هروب ملايين بحثا عن الطعام وبيع خصلات الشعر او الإتجار فى الأعضاء، وهنا يمكن تصور غياب رد الفعل من الداخل الفنزويلى، بجانب العجز عن مواجهة الغزو، هناك ادعاء أمريكى بإدارة فنزويلا، وهو أمر سيتم من خلال تابعين أو ممثلين وإعادة المصالح الأمريكية، مع الأخذ فى الاعتبار أن أى أوضاع قد لا تكون أسوأ مما وصل إليه الحال فى فنزويلا، خاصة أن أمريكا لا يمكن أن تتحمل سيناريو ما بعد غزو العراق، وهو ما يطرح بسيناريوهات متفائلة او متشائمة للسيئ أو الأسوأ.