في قلب النيل، بعيدًا عن صخب العاصمة، يقف قصر جزيرة الذهب شاهدًا على حكاية ممتدة عبر قرون، حكاية عائلة كانت يومًا في صدارة الحكم، ثم وجدت نفسها وجهًا لوجه أمام واحدة من أكثر لحظات التاريخ المصري دموية، من داخل هذا القصر يروي البرنس نجيب حسن، حفيد علي بك الكبير وأحد المنتمين لسلالة المماليك الشراكسة، تفاصيل غير مألوفة عن نجاته العائلية من مذبحة القلعة، كاشفًا كيف لعبت الصدفة والحب دورًا حاسمًا في إنقاذ جده من مصير محتوم، وذلك خلال لقاء خاص مع تلفزيون اليوم السابع أجرته الزميلة هبة الشافعي.
بدأ الحوار في أجواء ودية، حيث رحّب البرنس نجيب حسن بفريق تلفزيون اليوم السابع، وفتح قلبه قبل أن يفتح أبواب قصره، مستعيدًا محطات متفرقة من تاريخ عائلته، بين الحكم والمجد، ثم السقوط والنجاة والهجرة والحنين والعودة. وأوضح أن لقب «برنس» ليس لقبًا مستحدثًا، بل توارثته العائلة عبر أجيال، باعتبارها واحدة من العائلات المملوكية التي لعبت دورًا بارزًا في تاريخ مصر السياسي والعسكري.
وتحدث البرنس عن جذور العائلة، مشيرًا إلى أن جده الأكبر حسن باشا ينتمي إلى نسل علي بك الكبير، وكان يشغل منصب الصدر الأعظم في الدولة العثمانية، وهو أعلى منصب بعد السلطان مباشرة. وأضاف أن السلطان أرسله واليًا على مصر عام 1751، موضحًا أن تولي حكم مصر في ذلك الوقت كان يُعد مكافأة كبرى، لما تتمتع به البلاد من مكانة وثروات وطبيعة خلابة، لافتًا إلى أن ترتيب جده كان رقم 111 في سجل باشاوات مصر.
وأوضح أن من العادات الراسخة لدى المماليك آنذاك الزواج من بنات الأمراء المماليك والشراكسة، باعتبار ذلك تقليدًا سياسيًا واجتماعيًا يرسّخ التحالفات داخل بيوت الحكم، مشيرًا إلى أن النساء الشراكسة كن معروفات بالقوة والحزم والجمال، وهو ما انعكس على طبيعة تلك العائلات.
وعن مذبحة القلعة الشهيرة، قال البرنس نجيب حسن إن جده حسن عبد الله الكبير، الذي كان يعمل «كاشفًا» في مدينة المنصورة، كان متزوجًا حديثًا وقت توجيه محمد علي باشا الدعوة لقادة المماليك والجيش. وأضاف أن جده شعر بالريبة من الدعوة، متسائلًا عن سبب جمع القادة دون مناسبة واضحة، لا عيد ولا احتفال رسمي، فاختار عدم الذهاب، مازحًا بأن «الحب» كان سبب غيابه لانشغاله بحياته الزوجية الجديدة.
وأوضح أنه بعد وقوع المذبحة ومقتل معظم قادة المماليك، أدرك جده أنه نجا من مصير محتوم، ففرّ هاربًا إلى الحاكم العثماني، لتبدأ مرحلة جديدة من حياة العائلة، أنقذت السلالة من الفناء الكامل.
وأشار البرنس إلى أن العائلة عادت إلى مصر بعد سنوات، واستقرت فيها لفترات طويلة، قبل أن تضطر إلى مغادرتها مجددًا عقب ثورة يوليو 1952، حيث غادر والده البلاد دون أموال أو أملاك، ليبدأ حياة جديدة في أوروبا. ونشأ البرنس نجيب في فرنسا، حيث كانت والدته فرنسية، وعاش هناك سنوات طويلة من عمره، وتنقّل بين دول عديدة حول العالم.
وأكد أن الغربة، رغم نجاحها المادي، لم تمحِ الحنين، قائلًا إن حلم العودة إلى مصر ظل يطارده دائمًا، حتى قرر في أواخر السبعينات العودة والاستقرار نهائيًا، مؤمنًا بأن الإنسان مهما ابتعد لا بد أن يعود إلى جذوره، وأن مصر كانت وستظل «الأم».

البرنس في قصر جزيرة الذهب
وعن قصر جزيرة الذهب، أوضح البرنس أنه بدأ بناءه على الطراز الإسلامي المملوكي منذ عقود، ليس بدافع التفاخر، بل بدافع إحياء العمارة المصرية التاريخية والحفاظ على روح الفن المملوكي. ويضم القصر مجموعة من التحف والمقتنيات النادرة، من لوحات وأوسمة وميداليات مرتبطة بتاريخ العائلة وعصور مختلفة من تاريخ مصر.ويفتح البرنس نجيب حسن أبواب قصره للزوار ومحبي التراث، مؤكدًا أن المكان ليس مجرد مسكن، بل شهادة حية على تاريخ عائلة نجت بالحب من مذبحة، وعادت بعد الغياب الطويل لتكتب فصلًا جديدًا من الحكاية.