عندما أطلق بنيامين نتنياهو معركته الشعواء في الشرق الأوسط، كان البقاء في السلطة أحد أهم الأهداف التي يضعها على أجندته، في لحظة فارقة، تجمعت فيها الظروف بين ملاحقات قضائية تواجهه في إطار تورطه في قضايا فساد، بالإضافة إلى اعتلائه السلطة في ظل تحالف هش، نظرا لفشله في الحصول على أغلبية مطلقة داخل الكنيست، لتضع حكمه برمته على المحك، في الوقت الذي قدمت فيه أحداث السابع من أكتوبر فرصة ذهبية للحكومة اليمينية المتطرفة في إسرائيل، لتنقذ بقائها، أو بالأحرى لتطيل أمدها، عبر اعتداءات متلاحقة، امتدت من غزة إلى لبنان مرورا بسوريا وحتى واليمن، مع هجمات متبادلة مع إيران، لتضع تل أبيب وكأنها في معركة بقاء، بينما فتحت الباب أمام رئيس الحكومة ليكون المنقذ الذي يبقى بقاءه مرتبطا بكيان دولته نفسها.
رؤية نتنياهو اعتمدت في الأساس على استغلال الزخم الناجم عن اعتداءات السابع من أكتوبر، لتحويل الخوف لدى المجتمع الإسرائيلي جراء عملية محدودة النطاق، إلى حالة من الهلع غير المسبوق، وهو النهج الذي ربما ينبغي النظر إليه عند رصد المستجدات في مناطق أخرى من العالم، وأحدثها في أمريكا اللاتينية، بعدما أقدمت واشنطن على التصعيد على الجبهة الفنزويلية، عبر اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو ونقله وزوجته إلى نيويورك، لمحاكمته هناك، وما لحق ذلك من تهديدات أمريكية طالت دولا أخرى في محيطها الجغرافي، على غرار كولومبيا، ثم حالة من الطوارئ شهدتها كوبا، وهو ما يمثل في مجمله حالة إقليمية غير مستقرة، في إطار غير مسبوق منذ عقود طويلة، في العمق الاستراتيجي الأمريكي.
ونظرية الخوف في إدارة السياسة، ليست جديدة على إطلاقها، فقد سبق وأن تم توظيفها، أو بالأحرى استثمارها في الداخل، في إطار الحروب المتلاحقة التي أطلقتها قوى دولية على الإرهاب، سواء في إطار تنظيمات أو ميليشيات، وهو ما سبق وأن تناولته في سلسلة مقالات سابقة، إلا أن المرحلة الراهنة تشهد حالة أعمق، تتجلى في توسيع دائرة الخوف، من مجرد أعمال إرهابية، يمكن ملاحقتها عبر إجراءات صارمة في الداخل، إلى فرض ما يمكننا تسميته بـ"طوارئ إقليمية"، يمكن من خلالها تحويل مناطق جغرافية بأكملها إلى حالة غير متناهية من الصراع، والهدف هو البقاء في السلطة.
فلو اعتبرنا الحالة الإسرائيلية حلقة وصل بين ما يسمى بـ"الحرب على الإرهاب"، كما روجت، والصراع الإقليمي بصورته الأوسع نطاقا، من خلال توسيع الصراع ضد التنظيمات المناوئة لها في كل دول الإقليم، بهدف فرض شخص بعينه (نتنياهو) على مقعد السلطة، رغم ما تدعيه لعقود حول كونها نموذجا ديمقراطيا في منطقة قمعية، فإن الحالة الأمريكية، وهي إن جاز وصفها بـ"مركز الديمقراطية" تمثل، من جانبها، انتقالا مباشرا إلى الصراع الإقليمي بمفهومه الواسع، عبر التهديد المباشر والفعل، على غرار ما شهدته فنزويلا، والهدف ربما ليس الاحتفاظ بشخص الرئيس، وإنما في فرض حالة سياسية جديدة، أو ربما إرثا يسعى لإرسائه الرئيس دونالد ترامب.
التحول من الصراعات الضيقة، سواء ضد جماعات أو تنظيمات أو حتى مفاهيم، على غرار الحرب على الإرهاب، إلى صراعات أوسع نطاقا، على المستوى الإقليمي، من شأنه تجاوز الخوف التقليدي المرتبط بالحالة الأمنية الداخلية، إلى حالة أكبر وأعمق يترتب عليها تداعيات أكبر، منها بالطبع ما هو أمني، ولكن يضاف إليه مخاوف أخرى، ترتبط بالاقتصاد والمجتمع والجريمة، وهو ما يضفي شرعية جديدة، يمكنها أن تكون بديلا للديمقراطية، للسلطة الحاكمة لتتخذ ما يحلو لها من إجراءات، دون استفتاء أو انتخاب، حيث يمكنها تقييد الحريات، تحت مظلة الحماية، بينما تتحول الديمقراطية من أحد أركان النظام إلى جانب شكلي، لن يتم التخلي عنه، ولكنه سيبقى مرهونا بالحالة الأعم وهي الخوف.
الأزمة الحقيقية، في هذا الإطار، خاصة إذا ما كان حديثنا عن دول تنظر إلى الديمقراطية كـ"عقيدة" سياسية، ليست في تغيير الآليات، ولكن لتحويلها إلى جسد بلا روح، فالصندوق موجود ويتوافد عليه الناخبون، ولكن ليس للتعبير عن قناعاتهم الحقيقية، ولكن للحصول على حقوقهم في الأمان والحياة، في ضوء ما يلاحقهم من تهديدات وجودية، وفي سبيل ذلك قد يتخلون عن حقهم في الاختيار، أو بالأحرى تأجيله، ولكن إلى أجل غير مسمى.
والواقع أن الحالة السياسية على هذا النحو، تتجاوز في خطورتها الديكتاتورية بشكلها التقليدي والقائمة على القمع، فالأخيرة ستجد معارضين، وتطاردها الاحتجاجات، وتلاحقها الإدانات الدولية، على غرار ما شهدته الكثير من الدول التي وصمها العالم لعقود طويلة من الزمن، وأما الحالة الجديدة فهي تعتمد آليات مقنعة، تتمركز حول الفوضى المحيطة ومخاطرها، تدفع المواطن نفسه إلى التسليم بعدم جدوى الديمقراطية، بينما تصبح الاحتجاجات جريمة، وحرية التعبير نقمة، ليكون بعدها القمع خيارا شعبويا ضد المارقين، في ضوء ما يلوح من أخطار تصل إلى درجة التهديد الوجودي.
وهنا يمكننا القول بأن القمع لم يعد الخطر الحقيقي الذي يواجه الديمقراطية، وإنما أصبح في واقع الأمر هو تحول الديكتاتورية إلى مطلبا شعبيا، عبر إقناع المواطنين بأن الاختيار الحر سيدفعهم نحو الهلاك، وحرية التعبير تضعهم في دائرة الفوضى، والمعارضة تصبح تهديد، وبالتالي تتأجل الديمقراطية إلى وقت لاحق غير معروف مداه، بينما تحتفظ بشكلها، عبر وجود المؤسسات والإجراءات، ولكنها ستتخلى بدورها عن استقلاليتها تدريجيا لصالح السلطة الحاكمة، في إطار حماية الأمن ودحض التهديدات، ومجابهة المخاطر القادمة جراء الصراع.