دندراوى الهوارى

أمة تنزف وعدو يتمدد ويلتهم الخرائط.. شروخ وتصدعات قاتلة فى الصف العربى

الإثنين، 05 يناير 2026 12:00 م


الانقسام ليس قدرا محتوما، وإنما اختيار مصنوع بصمت وتسويف وغض الطرف وتغليب الخلافات فوق المصير؛ وبينما الأمتان العربية والإسلامية، مختلفتان متنافرتان، فإن الخرائط تعاد صياغتها، والخطر يتقدم بخطوات مسرعة فاقت كل التوقعات، متنقلا من فلسطين لسوريا للبنان حتى القرن الأفريقى، وعشش فى «صوماليلاند» فى نقلة نوعية «للمرازية» ومحاولة السيطرة على المنافذ البحرية، بعد سيطرته على البر والجو.


ما نعيشه اليوم ليس نتيجة قوة خارقة قادمة من الفضاء، وإنما وهن وعجز إرادة مفرط نحو التوحد ولملمة الصف ومراجعة فقه الأولويات والنظر بعين اليقين عن المصير السيئ المحتوم، وأن التشرذم والبحث عن المصلحة الشخصية الضيقة، سيؤدى إلى المصير الذى حذر منه المثل العربى المؤلم: «أكلت يوم أكل الثور الأبيض».


تشققات وتصدعات وانقسامات عربية خطيرة، وسط متابعة وانفراج أسارير العدو، الذى يتمدد ويبتلع الخرائط يوما بعد يوم، ويرى أن الأوضاع الحالية إقليميا ودوليا فرصة كبيرة يجب استثمارها وتوظيفها لتحقيق الحلم بتدشين إسرائيل الكبرى من النهر إلى البحر، ومن فلسطين حتى صوماليلاند، لإحداث توتر بالغ فى البحر الأحمر، والهدف السيطرة على باب المندب، فى الوقت الذى تقف فيه مصر فقط  كحجر عثرة أمام هذه المخططات الجهنمية، إدراكا منها أن هذه المخططات لا تنال من أمنها القومى فحسب وإنما من الأمن القومى العربى بمفهومه الشامل.


التوصيف الحقيقى لهذه اللحظة المفصلية فى تاريخنا المعاصر، ينطلق من الصورة الممزقة لأمة ما يجمع بينها أضعاف أضعاف ما يفرق، وإن وجدت تحالفات فهى هشة، وغياب لفضيلة الوحدة والتكاتف، وأن ما نشهده اليوم، ليس مجرد خلافات سياسية عابرة، وإنما منافسة وصراع إقليمى، مما أحدث شروخا عميقة، وتكشفت هشاشة المشروع العربى فى كل المواجهات مع الكيان الصهيونى المحتل، وتمدد نفوذه الاستراتيجى حتى أطراف القرن الأفريقى.


منذ عقود طويلة والشعوب العربية يحدوها الأمل فى الوحدة والتكامل، بدءا من فكرة القومية العربية، بهدف بناء قوة مستقلة قادرة على الردع وصيانة الأمن القومى العربى، إلا أنه ومع كل فكرة تُطرح للوحدة تفشل قبل أن تبدأ ولا تتجاوز مجرد طموحات نظرية وأحلام وردية، إذ أخفق العرب فى إيجاد صيغة توافق حقيقية عمادها التضامن ووحدة المصير، بل ومع مرور الوقت يتراجع الاهتمام بالقضايا الجوهرية أمام حسابات ضيقة ومصالح متقاطعة.


المؤلم أن الاتحاد الأوروبى، ورغم تعدد العرقيات واللغات، تمكنوا من التكامل والوحدة، فيما فشل العرب أصحاب العرق الواحد واللغة الواحدة والدين، فى الوحدة والتكامل وهو أمر محزن ومؤلم؛ وكانت آخر محاولة فى 2015 عندما طرحت مصر على لسان رئيسها عبدالفتاح السيسى، فكرة تشكيل قوة عربية مشتركة، قادرة على الحماية والردع، وبالفعل اتُخذت الخطوات وأُعدت مسودة الاتفاق فى جامعة الدول العربية، واستبشر الجميع بهذه القوة، إلا أن الفشل كان مصيرها - كالعادة التاريخية الأصيلة - ولو كانت الفكرة اكتملت وتشكلت القوة العربية لصار للعرب درع وسيف، أمام النيران المشتعلة فى الإقليم بل وفى العالم كله.


هذا التفكك التاريخى، تطور إلى تشقق وتصدع فى العلاقات، وصارت كل دولة تغرد خارج السرب، وترى أن سياستها ونهجها هو الصح ويحقق لها النجاة من الغرق فى تسونامى الحالى، بينما فى المقابل هناك عدو يتربص ويرى أن الظرف الراهن فرصة تاريخية لتحقيق مشروعه، فلم يتوقف عند حدود الجغرافيا السياسية التقليدية فحسب، وإنما بدأ يتمدد ويوسع نفوذه إلى مناطق أبعد كثيرا بما فى ذلك القرن الأفريقى الاستراتيجى.


اعتراف الكيان المحتل بسيادة واستقلالية إقليم «صوماليلاند» ليس حدثا عاديا، ولا يمكن فصله عن سياق استراتيجى واضح ومرتبط بمصالح أمنية شديدة الحساسية، إذا ما وضعنا فى الاعتبار أن إقليم «صوماليلاند» يقع فى نقطة محورية تطل على البحر الأحمر والمضايق الحيوية، وأن سيطرة الكيان عليه، يضع العرب أمام واقع مرير، وعجز مفرط أمام تمدد وزيادة نفوذ عدوهم الأول خارج حدود المنطقة التقليدية للصراع الفلسطينى الإسرائيلى.


هذا التمدد واستعراض العضلات لم يكن ليتم بكل هذه البساطة إلا على أنقاض تصدع عربى عنيف، وأن الانقسامات بين الدول العربية حول الأولويات، وغياب تام لمشروع عربى موحد، أفسح المجال أمام اللاعبين أصحاب المشروعات القديمة، للعب أدوار أكبر، على حساب الخرائط العربية.


هذا التصدع والشروخ فى العلاقات العربية - العربية، لا يؤدى لخسارة الأرض فقط وإنما فقدان العمق العربى المشترك، وفقدان القدرة على التكتل والصمود والإجماع على رأى موحد، وشقوق موجعة فى الروح الجماعية، وجميعها يؤشر لخطر داهم ينال من الجميع وحينها لن ينفع ترديد مقولة «أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض».




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة