في العام المنصرم 2025، لم يعد الجوع والمرض في غزة مجرد عناوين عابرة في نشرات الأخبار، بل تحولا إلى تفاصيل يومية محفورة في أجساد الأطفال وملامحهم الصغيرة، ففي هذه البقعة من العالم حيث يفترض أن يكون الخبز حقًا، أصبح حلمًا مؤجلًا، وحيث يفترض أن تكون المستشفيات ملاذًا، صارت عاجزة عن احتواء الألم.
أطفال غزة يستيقظون على بطون خاوية، تتقاسمها ساعات الانتظار الطويلة وشح الغذاء، فيما تفتك بسوء التغذية أمراض كان يمكن الوقاية منها لو توفرت أدنى مقومات الحياة، أجساد نحيلة، وعيون واسعة أنهكها التعب، تحكي قصة جيل يجبر على مواجهة الجوع قبل أن يتعلم معنى الطفولة، وعلى مقاومة المرض بلا دواء، في مشهد إنساني يختصر قسوة الحصار واستمرار المأساة.
إبراهيم الشاعر
في زاوية صغيرة من أحد البيوت المتهالكة في جنوب غزة، يرقد الطفل إبراهيم الشاعر، البالغ من العمر 11 عاما، وهو يواجه صراعا يوميًا مع جسده الذي لم يعد قادرا على القيام بوظائفه الطبيعية.
منذ سنوات، يعيش إبراهيم مع ضمور شديد في المثانة العصبية يمنعه من التبول أو التبرز دون تدخل طبي، ولا يستطيع إخراج الفضلات إلا بواسطة قسطرة جراحية مثبتة في بطنه، إلى جانب اعتماد كامل على حقن طبية خاصة تعطى له كل عشرة أيام لتسهيل عملية الإخراج.
وخلال الشهور الأخيرة، تفاقمت حالته بشكل خطير؛ فقد بدأت الكليتان والحالب بالتوسع، وظهرت مؤشرات صحية تنذر بانهيار سريع في وضعه، كما يعاني إبراهيم من ضعف حاد في الأعصاب في الجزء الأيمن من جسده، تسبب في قِصَر قدمه اليمنى وعجز دائم في ساقيه، حرمه من أبسط حق إنساني، القدرة على الوقوف والمشي كغيره من الأطفال.
الطفل إبراهيم الشاعر
وحذر الأطباء بمستشفى ناصر الطبي، أن الفشل الكلوي يقترب، والساعات تمر بسرعة أكبر من قدرة العلاج المحلي على مجاراتها. فالإمكانات الطبية في غزة شبه معدومة، والأدوية المطلوبة غير متوفرة، والعمليات اللازمة خارج نطاق القدرة، واليوم، لم يعد إبراهيم بحاجة إلى متابعة طبية فحسب، بل إلى نافذة نجاة عاجلة خارج القطاع قبل أن يتحول الألم إلى نهاية لا رجعة منها.
وبصوت يختلط فيه الرجاء بالعجز، يتحدث والد الطفل إبراهيم الشاعر قائلا في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع": "ابني يتألم كل يوم، وليس بيدي ما أفعله"، مضيفا : "إبراهيم يعاني من مشكلات خطيرة في الكلى، وهناك حصوات في الحالب تسبب له مغصا لا يحتمل، لديه أيضا ضمور واضح في الأعصاب، وتم تحرير الحبل الشوكي له من قبل، لكن وضعه يزداد سوءًا".
ويحاول الأب أن يحافظ على تماسكه، لكن الكلمات تتكسر عند حدود العجز: "حصلنا على موافقات وتقارير طبية رسمية، وكل الأطباء قالوا إن علاجه موجود بالخارج فقط، لكن لم يتم إجلاؤه للعلاج حتى الآن، نحن بحاجة إلى مساعدة حقيقية، خاصة أنه حصل على تحويلات طبية من أطباء متخصصين في المسالك والأعصاب، للعلاج مستشفيات يمكنها التعامل مع حالته".
ويتابع: "ابني تعبان جدا، الألم لا يفارقه، والمغص الكلوي يوقظه من النوم مرارا، يحتاج عمليات كبيرة ومعقدة لا يمكن إجراؤها هنا، والتقارير الطبية واضحة ولا تحتاج تفسيرا"، ويختم حديثه بعبارة تشبه أملًا:"الأطباء في غزة قال لنا إن العلاج الأنسب موجود في إيطاليا أو بريطانيا أو بلجيكا، ولا نريد سوى فرصة فقط فرصة لينجو ابني".
الطفل زين الهندي
فى مشهد يلخص عمق المأساة الإنسانية فى غزة، يقف الطفل زين الهندى، ذو السنوات الأربع، على حافة الخطر بعد أن أدى سوء التغذية الحاد وسوء الامتصاص إلى إصابته بجفاف وهزال شديدين، رافقتهما حالة من التأخر الخطير فى النمو الجسدى والحركى والعصبي.
وبحسب عائلة الطفل، فإن القيء المتواصل الذى لا يكاد يتوقف، تسبب فى تدهورت تغذية الطفل بصورة حادة، حتى انخفض وزنه إلى أربعة كيلوغرامات فقط، فى رقم يختزل حجم الألم الذى يعيشه جسد صغير لم يعد يقوى على المقاومة.
ورغم الجهود المحدودة التى تبذلها مستشفيات القطاع لمحاولة إنقاذ حياة المرضى، رغم نقص كبير فى الإمكانات والمعدات الطبية بغزة، لم يطرأ أى تحسن على حالته، بل يواصل وضعه الصحى الانحدار بوتيرة مقلقة، وأوصى الفريق الطبى المعالج لزين الهندى وبشكل عاجل بضرورة تحويله للعلاج خارج غزة لإنقاذ حياته، خاصة أن استمرار بقائه فى هذه الظروف يهدد حياته بشكل مباشر.
الطفل زين الهندي
وتتحدث والدة الطفل زين الهندى بصوت يختلط فيه الخوف بالألم قائلة: "ابنى زين يعانى من سوء تغذية حاد، وحالته تزداد تدهورًا يومًا بعد يوم"، وتضيف فى تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أنه تم عمل تحويلة مرضية للطفل قبل أسابيع، لكن لا زالت أسرته تنتظر السفر، ولا تعرف إلى متى سيبقى معلقا بين الحياة والموت.
وتوضح أن زين يعانى من تأخر كبير فى النمو الجسدى والحركى، ولا يتوقف عن التقيؤ، والأطباء أخبروا أن العلاج غير متوفر داخل غزة فى ظل الظروف القاسية التى نعيشها، متابعة:"كل ما أريده هو أن أرى ابنى يتلقى العلاج قبل أن نفقده، فحياته الآن فى سباق مع الوقت".
الطفل عبد الله عصفور
رغم تدهور وضعه الصحي داخل غزة، يحاول الطفل عبد الله عصفور، البالغ من العمر 15 عاما، أن يصف ما يشعر به خلال نوبات الصرع المتكررة، حيث يتعرض لنوبات الصرع بشكل مفاجئ، ويشعر أن جسمه يرتعش مما يجعله يسقط على الأرض.
قبل الحرب كان يستعين الطفل الفلسطيني ببطارية تساعده على السيطرة على تلك النوبات، إلا أن الحرب جاءت لتزيد من معاناته بشكل كبير، ووسط انهيار المستشفيات لم يعد له علاجا داخل القطاع.
عبدالله عصفور
معاناة عبدالله تزداد بفعل ضعف مناعته وسوء التغذية وغياب أي تجهيزات قادرة على إنقاذه داخل القطاع، ليصبح علاجه خارج غزة ضرورة إنسانية عاجلة، قبل أن تتحول نوباته المتكررة إلى خطر لا يمكن تداركه.
يقول والد الطفل عبد الله منير عصفور وهو يروي معاناة نجله بصوت يختلط فيه الألم بالعجز:"عبد الله يعاني من مرض الصرع الأكبر، واستنفدنا كل بروتوكولات العلاج الدوائي بدون فائدة، واضطررنا لإجراء عملية زراعة بطارية لتنظيم التشنجات، تكلفتها قرابة مليون جنيه مصري".
ويضيف في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع" :" اليوم هذه البطارية فارغة منذ عام وتحتاج إلى تغيير، وبسبب نفاذها زادت النوبات الصرعية الحادة بشكل مخيف"، لافتا إلى أن نجله من الحالات النادرة والمعقدة واحتياجاته كثيرة ومكلفة."
ويتابع الأب: "عبد الله أثر على كل مقومات حياتنا كعائلة بسبب ارتفاع تكاليف العلاج والغذاء والملابس الخاصة بحالته، استنزف كل ما أملك، ولم تعد لدي أي إمكانيات لعلاجه، وفوق ذلك لا يوجد له علاج داخل غزة"، مستطردا :" لجلنا له طلبا للإخلاء الطبي منذ أكثر من سنة، وننتظر سفره لإنقاذ حياته".
حبيبة أبو رضوان
وفي واحدة من أكثر الحالات الطبية حساسية وخطورة بين أطفال غزة، تقف الطفلة الرضيعة حبيبة أبو رضوان، التي لم يتجاوز عمرها شهرًا واحدًا، في مواجهة تهديد مباشر لحياتها، ومنذ ولادتها تعاني حبيبة من كيس دموي كبير وخطير في الجهة اليمنى من جسدها، يمتد ليغطي منطقة الظهر والصدر والبطن، بينما يزداد حجمه يوما بعد يوم بشكل يفاقم وضعها الصحي ويضعها في دائرة الخطر المتصاعد.
وكشف الفريق الطبي المعالج للرضيعة أن الحالة وصلت إلى مرحلة حرجة للغاية، مؤكدين أن أي خدش أو ضغط أو انبعاج بسيط في هذا الكيس قد يؤدي إلى نزيف حاد لا يمكن السيطرة عليه في ظل النقص الشديد في الإمكانات الطبية والمعدات اللازمة للتعامل مع مثل هذه الحالات المعقدة داخل قطاع غزة.
وأمام هذا الوضع المأساوي، تبدو فرص الرضيعة محدودة داخل القطاع، إذ تحتاج حبيبة بشكل عاجل إلى السفر للعلاج في الخارج لإجراء تدخلات جراحية دقيقة لإزالة الكيس وإنقاذ حياتها، فحالـتها لا تحتمل الانتظار نظرًا لسرعة انتشار هذا التكتل الدموي وخطورته على حياتها.
تتحدث والدة الطفلة الرضيعة حبيبة أبو رضوان بصوت يختلط فيه الخوف بالعجز، وهي تصف الحالة الصحية الخطيرة التي تعيشها ابنتها منذ لحظة ولادتها، حيث تقول: "ابنتي وضعها صعب للغاية وخطير، لديها أكياس دموية كبيرة في ظهرها، حجمها يكبر يوم عن يوم، وأنا أرى الخطر يقترب منها ولا أستطيع فعل شيء".
حبيبة أبو رضوان
وتضيف في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، وهي تستعيد تفاصيل رحلات المستشفى التي لم تحمل أي انفراج: "ذهبنا بابنتى لمستشفى ناصر لكن للأسف الوضع هناك صعب للغاية، والإمكانيات محدودة ولا يوجد أجهزة طبية قادرة تتعامل مع حالتها، وكل يوم نرى حبيبة تتألم ولا يستطيع أحد حتى الوصول إلى تشخيص دقيق أو علاج مناسب".
وتؤكد والدة حبيبة أن الأطباء كانوا واضحين وصريحين بشأن خطورة الحالة وتعقيدها، قائلة: "قالوا لنا إن علاج ابنتي غير موجود في غزة، ولا حتى في دول قريبة، بل العلاج الوحيد موجود في إيطاليا، وهناك من الممكن إجراء عمليات جراحية تحتاجها الرضيعة، وابنتى في خطر شديد، وكل يوم يزيد خطر النزيف أو تدهور صحتها".
ورغم صدور توصيات طبية عاجلة بضرورة تحويل الطفلة إلى الخارج، تصطدم العائلة بواقع المعابر المغلقة على يد الاحتلال: "حتى الآن لم نجد طريقة لسفر حبيبة للعلاج خارج غزة، فالاحتلال يغلق المعابر ويمنع سفر الحالات الخطيرة وابنتي حياتها معلقة، وكل دقيقة تمر من الممكن تكون مصيرية".
وتختتم الأم حديثها بنداء مؤلم يحمل ما تبقى لديها من أمل: " أتمنى أن أرى ابنتي تتعالج، نفسي أنقذها قبل ما نخسرها، هي ما زالت رضيعة وما لها ذنب، كل ما أريده أن يسمحوا لها بالسفر وإنقاذ حياة صغيرة غير قادرة حتى تبكي من الوجع".
مصطفى أبو طالب
يجسد الطفل مصطفى أبو طالب، البالغ من العمر 15 عامًا، واحدة من أكثر الحالات الإنسانية مأساوية في غزة، بعدما تعرض لإصابة خطيرة برصاصة اخترقت صدره، ما تسبب في أضرار بالغة في رئتيه وعموده الفقري، وأدت إلى كسر الفقرة السابعة وإصابته بشلل نصفي كامل.
وبحسب عائلته، تزداد معاناة مصطفى يوما بعد يوم، فهو عاجز تماما عن الحركة، ويعاني من تقرحات مؤلمة وآلام حادة تمتد إلى معظم أنحاء جسده، فضلًا عن صعوبة في التبول والتبرز وارتفاع مستمر في درجة الحرارة، ما يجعل وضعه الصحي في تدهور متواصل.
ورغم الجهود الطبية المبذولة لإنقاذ حياته، تقف محدودية الإمكانات ونقص المعدات اللازمة لعلاج إصاباته المعقدة عائقًا أمام إجراء العمليات الدقيقة التي تحتاجها حالته، خاصة تلك المتعلقة بالعمود الفقري والنخاع الشوكي، فيما أكد الفريق المعالج أن استمرار وضعه على هذا الحال يهدد حياته بشكل مباشر.
أصبح مصطفى أبو طالب اليوم في حاجة ماسة إلى تحويل عاجل للعلاج خارج القطاع، لإجراء فحوصات شاملة وتدخلات جراحية دقيقة قد تمنحه فرصة حقيقية للنجاة قبل فوات الأوان، وسط صرخات أسرته لإنقاذه قبل أن يختفي الأمل.
مصطفى أبو طالب
ويقول والد الطفل مصطفى أبو طالب بصوت يغلبه القلق والرجاء: "إن أسرة الطفل حصلت على التقرير الطبي الخاص بوضعه الصحى الخطير من وزارة الصحة الفلسطينية، التي أقرت الطفل ليس له أي علاج داخل غزة".
ويضيف في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن علاج ابنه يتطلب سفره خارج القطاع خاصة في ظل انهيار المنظومة الصحية داخل غزة نتيجة الحرب، مشيرا إلى أنه حصل على تحويلة طبية لعلاج ابنه لكن حتى الآن لا زال ينتظر سفر نجله.
أرجوان الدهيني
تقف الطفلة أرجوان الدهيني، ذات الأربعة أعوام، على حافة الخطر داخل مستشفيات غزة، وهي تعاني من سوء تغذية حاد واضطرابات خطيرة في النمو، تسببت في انهيار صحتها بشكل متسارع، حيث ثبت وزنها عند خمسة كيلوجرامات فقط، في مؤشر بالغ الخطورة، رافقه تساقط شعرها بشكل كبير وتغير لونه، إضافة إلى صعوبة واضحة في الحركة والكلام وتناول الطعام.
أرجوان، التي أصبح جسدها الصغير غير قادر على مقاومة أي انتكاسة، تعيش حالة من الإعياء المستمر بسبب إسهال مزمن واستفراغ متواصل، إلى جانب مشاكل في الكلى وتدهور تدريجي في وظائف الجسم.
وبينما تزداد المخاوف من احتمال إصابتها بمرض خطير، تقف الإمكانات الطبية المحدودة في غزة حاجزا أمام تحديد التشخيص بدقة، إذ يفتقر القطاع إلى الأجهزة المتقدمة والفحوصات الضرورية التي يمكن أن تكشف طبيعة المرض وكيفية التعامل معه.
أرجوان الدهيني
الفريق الطبي المعالج لأرجوان في مستشفى ناصر الطبي قدموا كل ما يستطيعون رغم الظروف القاسية، غير أن نقص التجهيزات والفحوصات المتخصصة جعلهم عاجزين عن معرفة السبب الحقيقي وراء هذا التدهور المريع في حالة الطفلة الفلسطينية، في ظل استمرار انحدار حالتها بصورة مقلقة، مما جعلها في حاجة إلى نقلها بشكل عاجل للعلاج خارج القطاع مسألة حياة أو موت.
وتقول والدة الطفلة أرجوان الدهيني، بصوت يختلط فيه الخوف بالعجز، إن ابنتها تعيش وضعا صحيا لا يحتمل، إذ تعاني من سوء تغذية حاد وتسرب خطير في البروتين والبوتاسيوم من الكلى، ما أدى إلى توقف وزنها عن الزيادة تماما.
وتضيف في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن أرجوان لم تعد قادرة على المشي، وجسدها الصغير يزداد ضعفا يوما بعد يوم، فيما يتساقط شعرها بكثافة في مشهد لا تستطيع الأم تحمله، وتابعت: "حال بنتي صعبة، وكل يوم أراها تتدهور قدامي وما بقدر أعمل شيء"، مشيرة إلى أن استمرار تدهور الحالة يزيد من احتمال فقدان الطفلة لما تبقى من قوتها وقدرتها على المقاومة.
ومع غياب الإمكانات الطبية اللازمة داخل غزة، لم تعد الأم تملك سوى التوسل للعالم الخارجي، حيث وتختتم حديثها قائلة: "أرجوان بحاجة ماسة للخروج من غزة، لا أريد أن أفقد ابنتي، أرجوكم أنقذوا أرجوان قبل فوات الأوان، وحصلنا على تحويلة طبية وننتظر دولة تستضيف الطفلة لعلاجها".