دندراوى الهوارى

قانون الغابة حين يُختطف الرؤساء نهارا.. وتداس سيادة الدول تحت أحذية المارينز

الأحد، 04 يناير 2026 12:00 م


عودة قانون الغابة الدولى فى أبشع صوره، وانتهاك حق الشعوب فى العيش على أراضيها بسلام وأمن وأمان، وكأن ليس من حق الدول الصغيرة أن تتمتع بالسيادة والاستقلالية، وأن الدول الكبرى تمنح لنفسها حق التدخل فى الشؤون الداخلية للدول الصغيرة، تحت مسميات مطاطة، مثلما وجهت صباح أمس الولايات المتحدة الأمريكية ضربة ضد فنزويلا، واختطفت رئيسها وعائلته فى وضح النهار، وكأننا نشاهد فيلم «هوليودى أكشن عن حرب العصابات».


فالضربة لا تأتى ردا على خطر فنزويلى يهدد أمن واستقرار أمريكا، وإنما الضربة جاءت لأن فنزويلا قررت أن تمتلك قرارها وأن تتحكم فى ثرواتها وفى القلب منها النفط، وأن تقول «لا» للهيمنة الاقتصادية الأمريكية، التى ترى ثروات الشعوب غنائم مفتوحة.


القضية أن الولايات المتحدة الأمريكية قررت أن ترمى بنظرها خارج حدودها، على ثروات الدول الصغيرة، ومحاولة الابتزاز، وبما أن فنزويلا تمتلك أكبر احتياطى نفطى فى العالم، وترفض التفريط فيه، يصبح العقاب قاسيا، فيستيقظ شعبها على ضربات وإثارة الرعب واختطاف الرئيس وعائلته، وتتحول الضربة إلى أداة ضغط فى حرب طويلة هدفها كسر إرادة الشعوب، ورفض السير خارج الخط المرسوم، وكأنها رسالة لعدد من الدول مفادها أن من يخرج عن الطاعة ولا يلبى مطالب الولايات المتحدة الأمريكية فإن مصيره ضربة عسكرية تأديبية قوية.


نعم، الضربة الأمريكية لفنزويلا، رسالة قوية لكل عاصمة تفكر فى السير خارج الخط المرسوم لها من واشنطن، وكأن العاصمة الأمريكية مسخرة من السماء لمعاقبة كل من يرفع راية الرفض والانصياع والتفريط فى السيادة والمقدرات، فتهددها بالويل والثبور وعظائم الأمور، وتوجه له ضربة قوية، مثلما وجهتها للعاصمة الفنزويلية، كاراكاس، فى فصل جديد من فصول كتاب الهيمنة والإخضاع ونشر الفوضى، وسحق السيادة تحت أحذية المارينز.


الولايات المتحدة الأمريكية لم تستفد من دروس ضرب أفغانستان، ولا من الدرس القوى والعنيف لاحتلال العراق، والذى قتل فيها الآلاف من الشعب العراقى، وتفككت مؤسساته وأجهزته الأمنية، والعراق ورغم مرور 23 سنة على الضربة، ما زال يعيش آثارها المدمرة لأمنه واستقراره، حتى الآن.


ولم تستفد الولايات المتحدة الأمريكية من تدخلها السافر بدعم ما يطلق عليه كذبا وبهتانا ثورات الربيع العربى، وقدمت كل أنوع الدعم لإثارة الفوضى، فدفعت ليبيا واليمن وسوريا والسودان، الثمن غاليا من أمنها واستقرارها، والناجى الوحيد كانت مصر، بفضل شعبها العاشق لوطنه، وجيشها الباسل عمود خيمة الوطن، وعصبه القوى،الغريب أن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، وفى ولايته الأولى هاجم سلفه باراك أوباما ووزيرة خارجيته، هيلارى كلينتون، واتهمهما بأنهما وراء تصدع وهدم دول منطقة الشرق الأوسط عندما دعما الفوضى وتسببا فى هدم الدول، لكن تبدل الأمر فى ولايته الثانية، وقرر أن يرفع شعار «جعل أمريكا عظيمة مرة أخرى» وفى ظل وضع اقتصادى يترنح ألقى بنظره فى مرمى الدول الصغيرة الغنية، معلنا ابتزازها والاستحواذ على ثرواتها بالقوة، وبدأ فى تهديد إعادة احتلال قناة بنما، والاستحواذ على جزيرة «جرينلاند» التابعة للدنمارك، ثم تحدث عن الاستحواذ على غزة وتحويلها إلى ريفيرا، وزادت أطماعه فى معادن أوكرانيا، والآن يتدخل عسكريا فى فنزويلا طمعا فى الاستحواذ على أكبر احتياطى من النفط فى العالم.


الضربة الأمريكية لفنزويلا ليست حدثا يمكن عزله عن سياق الهيمنة، ولا خطأ فى التقدير، ولا انفعالا سياسيا عابرا، إنما حلقة جديدة من حلقات استهداف الدول التى ترفع راية العصيان، وتعلى من شأن الرفض وقول لا للطاعة الأمريكية، فنزويلا دولة تمتلك ثرواتها وتصر أن تمتلك قرارها، وترفض أن تفرط فى مقدرات شعبها، أو تكون تابعا اقتصادبا وسياسيا للقاطنين فى واشنطن، فكان الجزاء ضربة عسكرية وزلزلة أمنها واستقرارها.


أمريكا لها خيط واحد واضح، يبدأ بالاستهداف ثم التدخل العسكرى السافر، فكسر الدولة، وتفكيك مؤسساتها، وضرب فكرة السيادة فى مقتل، ثم تقديم الفوضى باعتبارها نتيجة طبيعية لعجز الشعوب عن حكم نفسها بنفسها، بينما الحقيقة تصرخ معلنة أن الفوضى كان مخطط لها بخبث شديد.


الخطير فى ضرب فنزويلا، ليس فى اختطاف أو ملاحقة رئيس الدولة ونظامه، وإنما توجيه ضربة لمفهوم السيادة الوطنية، وإرسال رسالة واضحة لكل دولة إما أن تنحنى أمام مائدة المصالح الأمريكية، أو تُكسر، وتداس سيادتها تحت أحذية المارينز، تحت مرأى ومسمع القانون الدولى وحقوق الإنسان، بعدما اتضح أنهما مجرد شعارات تبرر للقوى تجاوزاته، وتدين الضعيف المظلوم.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة