الزنزانة لم تكسرهم.. أسرى محررون يكتبون سيرة الصمود.. الفلسطينية صمود مطير واجهت محاولات الانكسار بكتابة الروايات وجعلت الزنزانة مساحة للإبداع.. وتؤكد: السجن والقيود ألهمتنا للتعلم وتوثيق تجربتنا.. صور وصوت

الأحد، 04 يناير 2026 08:00 ص
الأسيرة المحرر صمود مطير

كتب أحمد عرفة

 

<<  كتبنا ومذكراتنا كانت فعل مقاومة داخل السجون

<< السجن لم يكن مكانا كان محاولة لكسر الروح

<< خرجت حرة بالجسد لكن الزنزانة ما زالت تسكن الذاكرة

<< كثير من الأسرى أكملوا تعليمهم داخل السجون

<< بعض الأسرى حصلوا على الثانوية والجامعات داخل المعتقل

<< التعليم داخل السجن شكل موروثا ثقافيا كبيرا والحركة الأسيرة صنعت وعيها رغم القيد

<< السجن لم يمنعنا من بناء مستقبلنا بالعلم والمعرفة ولم أعتقل فقط بل انتزعت من حياتي في لحظة بلا وداع

<< سمعنا أخبار الشهادة ونحن مقيدات بلا عزاء واستشهدت أختي ولم أستطع حتى الصراخ

<< سجنت بلا تهمة وكان الغموض هو السجان الأقسى

 

قبل أن تفتح أبواب الزنازين، وقبل أن ينادى على الأسماء في ممرات السجون الباردة كانت هناك حكاية إنسان ينتزع من حياته فجأة، ويلقى في قلب العتمة بلا تهمة ولا وداع، لا يمكن رواية قصة اعتقالها بمجرد تجربة اعتقال، بل لفتح نافذة على عالم مخفي خلف الجدران الحديدية، حيث تقاس الأيام بالوجع، وتختبر الكرامة في تفاصيل صغيرة تنتزع عمدا.

اقرأ أيضا

استشهاد مواطنيين فلسطينيين برصاص قوات الاحتلال شرقى مدينة غزة

من اقتحام الفجر إلى صمت الزنازين، ومن خبر الفقد إلى لحظة الحرية المرتجفة، تأتي شهادة الأسيرة المحررة صمود مطير كوثيقة إنسانية حية، تحكي كيف يتحول الجسد إلى ساحة قمع، وكيف تقاوم الروح كي تبقى، في زمن صار فيه الاعتقال وجهًا آخر للحرب، والصمت شريكا في الألم.

في ساعات الفجر الأولى، حين يكون الليل في ذروة صمته، وحين تلوذ البيوت بأمانها الهش، كانت بداية حكاية الأسيرة المحررة مع الاعتقال، حكاية لا تروى كخبر عابر، بل كتجربة إنسانية مكتملة الألم، تبدأ من اقتحام البيت، ولا تنتهي عند بوابة السجن، بل تمتد في الذاكرة والجسد والروح.

اقتحام الفجر حين يتحول البيت إلى ساحة خوف

تروي صمود في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن اعتقالها تم في حوالي الساعة الثانية والنصف فجرا، بعد مداهمة مفاجئة وعنيفة لمنزلها، لم يكن الطرق على الباب، بل كسره، ولم يكن التفتيش بل التخريب المتعمد، وكأن الهدف لم يكن البحث عن شيء، بل كسر الإحساس بالأمان ذاته، جنود الاحتلال انتشروا في أرجاء البيت، قلبوا الأثاث، بعثروا الأغراض، وحولوا المساحة التي يفترض أن تكون ملاذًا إلى مشهد فوضى ورعب.

لم يسمح لها بتوديع عائلتها، ولا حتى بإلقاء نظرة أخيرة مطمئنة، حيث اقتيدت بالقوة، معصوبة العينين، دون إبلاغها بسبب الاعتقال، في انتهاك صارخ لأبسط القوانين والحقوق الإنسانية، حيث تقول :"شعرت أن الزمن توقف، والسؤال الوحيد الذي يرنّ في رأسها: إلى أين يأخذونني؟ ولماذا؟".

الأسير الفلسطينية صمود مطير
الأسير الفلسطينية صمود مطير

اعتقال في زمن الحرب

اعتقلت صمود عدة مرات، وكانت أخر عملية الاعتقال بعد عملية "طوفان الأقصى"، وتحديدا في السابع من مارس 2025 خلال ذروة مرحلة استثنائية فرضها الاحتلال على الأرض وعلى البشر، فالاعتقال في هذا التوقيت لم يكن إجراء أمنيا فحسب، بل جزءا من سياسة عقاب جماعي شاملة، طالت كل شيء، من الشوارع إلى البيوت، ومن الأحياء إلى الزنازين.

وضعت صمود تحت بند "الاعتقال الإداري"، وهو أحد أكثر أشكال الاعتقال قسوة وظلما، حيث يحتجز الإنسان دون تهمة واضحة أو محاكمة عادلة، والاتهامات، كما تقول الأسيرة المحرر كانت فضفاضة وجاهزة مثل "التحريض" أو "تهديد أمن المنطقة"، وتستند إلى ما يسمى "ملفا سريا" لا يسمح للأسير ولا لمحاميه بالاطلاع عليه، وهكذا يصبح الغموض أداة قمع، ويصبح الانتظار ذاته عقوبة.

الجسد ساحة والنفس هدف

داخل مراكز التحقيق والسجون، لم يكن الاعتقال مجرد حرمان من الحرية، بل منظومة متكاملة من التعذيب النفسي والجسدي، حيث تعرضت الأسيرة للضرب، والحرمان من النوم لساعات طويلة، والتفتيش العاري المهين، إلى جانب سيل من الإهانات والتهديدات، فلم يكن الهدف انتزاع اعتراف، بل كسر الإرادة، وزرع الخوف، وإشعار الأسيرة بأنها بلا قيمة ولا حماية.

تنقلت صمود بين عدة مراكز تحقيق وسجون، من بينها سجن عوفر وسجن هشارون، قبل أن تنقل إلى سجن الدامون، كل سجن له اسمه، لكن القسوة واحدة، والوجع واحد، وظروف احتجاز سيئة، معاملة مهينة، وإحساس دائم بأنك في مكان صمم لإذلال الإنسان، لا لحجزه فقط.

الأسيرة المحرر صمود مطير
الأسيرة المحرر صمود مطير

حين تضاعف القمع

وتؤكد صمود مطير أن ما بعد 7 أكتوبر 2023 كان نقطة تحول داخل السجون، حيث تغير كل شيء، وتصاعد القمع، واشتدت العقوبات الجماعية، وتكاثرت الاقتحامات، وتضاعفت إجراءات الإذلال والتضييق بحق الأسرى والأسيرات، ولم يعد السجن مكانا مغلقا فقط، بل عالما معزولا يدار بمنطق الانتقام.

من أصعب اللحظات التي عاشتها داخل السجن كانت سماع أخبار عن استشهاد أسرى، أو فقدان أفراد من عائلات الأسيرات خارج السجن، مضيفة :" كنا نسمع الخبر، ولا نستطيع البكاء بحرية، ولا السؤال، ولا حتى الصراخ، والفقد في السجن له طعم مختلف، لأنك تعيشينه وأنت مقيدة، محرومة من العزاء، وممنوعة من أبسط أشكال الإنسانية".

بعد 7 أكتوبر، شهدت السجون الإسرائيلية إجراءات قاسية استهدفت حياة الأسرى الفلسطينيين اليومية، وكان من أبرزها مصادرة الكتب، الأقلام، والأوراق، حيث تقول الأسيرة المحررة: "لم يكن هناك مجال لكتابة المذكرات داخل السجون، ولا للقراءة، لأن هذه الإجراءات كانت محاولة متعمدة لكي الوعي وأسر الدماغ، فبغياب الكتب والأوراق والأقلام، تم حرماننا من أي وسيلة للتعبير عن أنفسنا أو الاحتفاظ بما نفكر فيه أو نشعر به".

وتضيف مطير: "الأنشطة الوحيدة المتاحة كانت محدودة للغاية، كالغناء أو النقاش حول قضايا معرفية متوفرة عند كل أسيرة، لكن حتى هذه اللحظات كانت صعبة، لأن أجسادنا منهكة تماما، فلا قدرة بدنية حقيقية للقيام بأي نشاط، وحتى ممارسة الرياضة كانت شبه مستحيلة بسبب سياسة التجويع الممنهجة التي كانت تمنعنا من بذل أي جهد".

هذه الشهادات تكشف عن جانب آخر من معاناة الأسرى الفلسطينيين، حيث تتجاوز الصعوبات الجسدية لتصل إلى محاولات حرمانهم من التعليم والفكر والحرية الداخلية، لتؤكد مرة أخرى على صمودهم وإرادتهم في مواجهة القهر والحرمان.

صمود مطير
صمود مطير

حين صادرت السجون الذاكرة قبل أن تصادر الحرية

تستعيد صمود مطير تجربتها داخل سجون الاحتلال، وهي تجربة تختلف في تفاصيلها عما عاشه كثير من الأسرى قبل السابع من أكتوبر 2023، وتقارن بينها وبين ما قبل هذا التاريخ، مؤكدة أن ما بعد "طوفان الأقصى" شكل مرحلة اعتقالية أشد قسوة، لم تستهدف الجسد فقط، بل الذاكرة والوعي والكلمة.

وتقول إن فترة ما قبل الطوفان كانت تشهد حراكا ثقافيا واضحًا داخل السجون، حيث كان الأسرى والأسيرات قادرين على الكتابة، وتوثيق تجاربهم الاعتقالية، بل وإصدار روايات وكتب سياسية وأدبية خرج بعضها إلى النور بعد التحرر، متابعة :"كان في موجة كتب حقيقية، كثير من الأسرى كتبوا رواياتهم ومذكراتهم من داخل الزنازين، وأن الكتابة كانت وسيلة مقاومة نفسية وإنسانية، ومساحة لحفظ التجربة من النسيان".

هذا المشهد تغير جذريا بعد السابع من أكتوبر، حيث توضح صمود، التي اعتُقلت بعد طوفان الأقصى، أن الظروف داخل المعتقل لم تسمح بأي شكل من أشكال التدوين أو الكتابة، قائلة :" "أنا عشت تجربة اعتقال مختلفة، ما كان في قدرة أكتب مذكراتي أو أكتب أي شيء، لأن هذا أصلا لم يكن متاحا، وإدارة السجون أغلقت بشكل كامل أي نافذة للكتابة أو التعبير".

وتكشف الأسيرة المحررة عن جانب بالغ الخطورة من تلك المرحلة، إذ تؤكد أن قوات الاحتلال اقتحمت السجون يوم السابع من أكتوبر 2023، وصادرت كل ما كان في غرف الأسرى من أوراق ودفاتر وكتب ومذكرات شخصية، مضيفة :" للأسف الشديد، كثير من الأسرى فقدوا مذكراتهم وتجاربهم الاعتقالية التي كتبوها على مدار سنوات، وما صودر لم يكن مجرد أوراق، بل ذاكرة كاملة، وتجارب إنسانية كُتبت لتبقى".

وتتابع: "سلطة السجون لم تكتفِ بالمصادرة، بل قامت بإتلاف كل هذه الكتيبات والكتابات، سواء كانت روايات، أو تفريغا نفسيا، أو توثيقا يوميا للحياة داخل المعتقل"، بالنسبة لها، كان ذلك استهدافا مباشرا للرواية الفلسطينية داخل السجون، ومحاولة لقطع الصلة بين الأسير وتاريخه الشخصي.

ورغم هذا القمع، تشير صمود مطير إلى أن مرحلة ما قبل الطوفان شهدت إنجازات كبيرة داخل الحركة الأسيرة، ليس فقط على صعيد الكتابة، بل في مجال التعليم أيضا، متابعة :"كان في أسرى وأسريرات أكملوا تعليمهم داخل السجون، وفي اللي حصلوا على شهادة الثانوية العامة، وكان في موروث ثقافي وكتابي كبير تشكّل خلال سنوات الاعتقال".

وتستحضر صمود أسماء أسرى شكلوا رموزا ثقافية وفكرية داخل السجون، مثل الشهيد الأسير وليد دقة، وكميل حنش، وباسم خندقجي، وغيرهم كثيرون، ممن حولوا الزنزانة إلى مساحة للإبداع والمعرفة، قائلة :"هؤلاء وغيرهم كتبوا، ووثقوا، وتركوا أثرا لا يمكن محوه، مهما حاول الاحتلال".

23 ساعة من الاختناق

تصف صمود يومياتها داخل المعتقل بأنها خانقة ومهينة، حيث 23 ساعة كاملة يوميا داخل زنزانة مغلقة، مساحة ضيقة لا تتسع للحركة، هواء شحيح، ولا أي خصوصية، والاستيقاظ كان قسريا، على صراخ السجانين، أو العدد اليومي، أو الاقتحامات المفاجئة، كذلك الإضاءة القوية لا تطفأ، والضجيج متعمد، والنوم متقطع، فلا برنامج يومي، ولا معنى للوقت.
وتضيف :"كان الهدف كسر الزمن داخلنا، وكانت الأسيرات يحاولن مقاومة الفراغ بالأغاني الوطنية، أو الصلاة، أو حديث خافت، أو حتى بصمت ثقيل، والوقت لا يمر، بل يضغط، وكل دقيقة عبء نفسي".

كان يُسمح لهن بساعة واحدة فقط، وأحيانا 45 دقيقة، خارج الزنزانة، لا للراحة، بل للاستحمام فقط، وكانت مشتركة بين زنزانتين، وكثيرا ما كانت هذه الساعة تقلص أو تلغى كعقاب جماعي، حتى الماء، وحتى الحمام، تحولا إلى أداة إذلال.

التجويع سياسة ممنهجة

كذلك الطعام، كما تصفه الأسيرة المحررة، كان قليلا جدا، وسيئ الجودة، وغير مشبع، ومع الحرب، تم تقليصه أكثر، كوسيلة عقاب جماعي متعمدة، والنتيجة كانت إنهاك جسدي، وفقدان وزن واضح، وشعور دائم بالضعف، حتى النوم لم يكن راحة، بل محاولة للهروب، على فرشات رفيعة ومهترئة، مع خوف دائم من التفتيش الليلي.

كان السجانون الإسرائيليون يحاولون إيصال رسائل واضحة مثل "لا أحد يهتم بكم"، "الخارج مدمر"، "صمودكم بلا قيمة"، حيث حرب نفسية ممنهجة هدفها بث اليأس، وسحق المعنويات، وجعل الأسير يشعر بالعزلة التامة.

غزة من خلف القضبان

لم تشهد صمود استشهاد أسرى أمامها مباشرة، لكنها فقدت أختها، الشهيدة عهد مطير، التي استشهدت في 15 يناير 2024، خبر وصلها كطعنة باردة، والزيارات كانت محدودة قبل الحرب، ثم منعت كليا مع بدايتها، فازداد العزل قسوة، ولمعرفة ما يجري في غزة، كانت الأسيرات يعتمدن على زيارات المحامين القليلة، أو على ما ينقله الأسرى الجدد، حيث تقول :" كنا نلتقط أي خبر، مهما كان مؤلما، لأن المعرفة أقل قسوة من الجهل".

أيام الإفراج بين الأمل والخوف

الأيام الأخيرة قبل الإفراج كانت مشبعة بالتوتر وعدم اليقين، فلم يكن هناك تأكيد، ولا طمأنينة، حتى اللحظة الأخيرة، الخوف من الخذلان كان حاضرا، والخشية من أن يكون الأمل مجرد وهم، فعند خروج صمود مطير، وجدت عائلتها منهكة من الانتظار، متعبة نفسيا، لكنها صامدة، اللقاء كان صامتا بلا كلمات، فقط دموع تختصر شهورا من القهر والفقد، ورغم أنها سمعت عن الدمار داخل السجن، إلا أن ما رأته بعد الخروج كان صادما، قائلة :"الحقيقة كانت أقسى من أي رواية وحجم الإبادة والخراب فاق كل تصور".

وترى الأسيرة المحررة أن الدور المصري كان محوريا في جهود التهدئة ووقف إطلاق النار، رغم تعقيد المشهد، أما رسالتها للعالم، فكانت واضحة وحاسمة :"ما يحدث لشعبنا ليس أرقاما ولا أخبارا عابرة، بل حياة تسحق يوميا تحت الاحتلال، نطالب بالحرية، والعدالة، والكرامة الإنسانية، والصمت لم يعد حيادا، بل شراكة في الجريمة"، فهكذا تخرج حكاية صمود مطير من إطار الحوار، لتتحول إلى شهادة إنسانية حية، تفضح السجن، وتعري القمع، وتثبت أن الحرية قد تقيد، لكنها لا تهزم.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة