<< التعليم أنقذني من الانكسار والعلم كان طريقي الوحيد للبقاء إنسانا داخل السجن
<< كتبت لأكسر القيد لا لأصفه ومن الزنزانة نشرت كتبي ومقالاتي
<< أكثر من 300 مقال كانت ردّي على السجان والكتابة أعادت لي صوتي داخل السجن
<< دخلت السجن شابا وخرجت مشروع مثقف والقلم كان حريتي الأولى
<< القيد لم يمنعني من التعلم والنجاح واكتشفت أن المعرفة مقاومة في الزنزانة
<< السجن لم يطفئ فضولي بل أشعله و لم أخرج من السجن ضحية بل إنسانا أكثر وعيا
لم تخلق السجون الإسرائيلية لتكون مكانا للحياة لدى الفلسطينيين، بل صممت لتكون نقيضها، جدرانها العالية، وأبوابها الثقيلة، وساعاتها البطيئة، كلها أدوات صممت لكسر الإنسان لإفراغه من ذاته، وسرقة حلمه قطعة قطعة، لكن في التجربة الفلسطينية، كثيرا ما فشل السجن في أداء مهمته، وانقلب من مساحة للقهر إلى فضاء لإعادة تشكيل الوعي.
اقرأ أيضا:
في قلب هذه المفارقة، تقف تجربة الأسير الفلسطيني المحرر أسامة الأشقر، الذي دخل السجن شابا في مقتبل العمر، وخرج منه مشروع مفكر وباحث وكاتب، حاملا أكثر من شهادة أكاديمية، ومئات المقالات، وكتبا كسرت جدار الصمت، ورسالة إنسانية تقول للعالم "يمكن للإنسان أن ينتصر حتى وهو مقيد"، فلا تقرأ تجربة أسامة الأشقر بوصفها حكاية فردية، بل كجزء حي من سردية إنسانية أوسع، تثبت أن السجن، مهما طال، لا يستطيع أن يهزم إنسانا قرر أن يحيا.
مدرسة الوعي الأولى
لم تكن تجربة أسامة الأشقر معزولة عن السياق العام للحركة الوطنية الفلسطينية الأسيرة، تلك الحركة التي تشكلت عبر عقود طويلة من الاعتقال الجماعي، وراكمت إنجازاتها بالدم والجوع والصبر، فمنذ السنوات الأولى للاعتقال السياسي الفلسطيني، أدرك الأسرى أن بقائهم أحياء لا يكفي، ومعركتهم الحقيقية هي معركة الوعي والكرامة، ومن هنا، خاضوا معارك شرسة لتحسين شروط حياتهم، عبر الإضرابات المفتوحة عن الطعام، والمواجهات اليومية مع إدارة مصلحة السجون، والتي دفع بعضهم ثمنها حياته.
هذه التضحيات أثمرت إنجازا مفصليا، وهو إجبار إدارة السجون على الاعتراف بالأسرى كجسم وطني واحد، له ممثلون شرعيون منتخبون، ولم يكن ذلك انتصارا إداريا فقط، بل كان انتصارا للهوية الجماعية، وتنظيما للحياة الاعتقالية، وتأطيرا للتجربة داخل السجن.

أسامة الأشقر
تنظيم الحياة خلف القضبان
مع تحسن شروط الحياة نسبيا، بدأت الحركة الأسيرة بتنظيم تفاصيل الحياة اليومية داخل السجون. لم يعد الوقت مجرد فراغ قاتل، بل تحوّل إلى مورد ثمين، حيث نشأت لجان داخلية للتعليم، وأخرى للثقافة، وثالثة للأدب والفكر، وبدأ الأسرى يعيدون ترتيب يومهم وفق جدول صارم، يحوّل الساعات الطويلة إلى ورش عمل فكرية، وفي هذه البيئة، لم يعد السجن مجرد مكان للعقاب، بل أصبح جامعة مفتوحة، تتقاطع فيها التجارب، وتتلاقح فيها الأفكار، ويتعلم فيها الشاب من رفيقه الذي سبقَه بعشر سنوات في الاعتقال.
شاب في العشرين يدخل السجن بلا رفاهية الثقافة
حين اعتُقل أسامة الأشقر، كان في العشرين من عمره، حيث يعترف بصراحة أنه لم يكن يمتلك آنذاك ذلك المخزون الثقافي أو المعرفي الكبير، حيث دخل السجن إنسانا عاديا، يحمل أحلام شاب فلسطيني بسيط، ليجد نفسه فجأة في عالم مغلق، قاس، لا يشبه الحياة التي عرفها، لكن ما فعله المعتقل الإسرائيلي به، لم يكن ما أراده السجان، فبدل أن يفرغه من ذاته، صقله، وبدل أن يطفئ فضوله، أشعل، فهناك، بين الجدران، بدأ وعيه يتشكل، ويدرك أن المعرفة قد تكون الطريق الوحيد للبقاء إنسانا.
التعليم داخل السجن
لم يكن الالتحاق بالتعليم الجامعي داخل السجون أمرا سهلا أو متاحا، في البداية، فُرض على الأسرى التعليم عبر الجامعة العبرية المفتوحة التابعة للاحتلال، في محاولة لاحتواء التجربة وتفريغها من بعدها الوطني، لكن الأسرى لم يتوقفوا عند هذا الحد، بل واصلوا نضالهم حتى انتزعوا حقهم في الالتحاق بالجامعات الفلسطينية.
بالنسبة لأسامة الأشقر، كانت هذه اللحظة مفصلية، حيث يقول في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع": "التحقت بجامعة القدس المفتوحة، وأنهيت درجة البكالوريوس في الاجتماعيات، ثم واصلت رحلتي الأكاديمية في جامعة القدس – أبو ديس - حيث حصلت على درجة الماجستير في الدراسات الإقليمية، مساق الدراسات الإسرائيلية، واختيار التخصص لم يكن مصادفة، فقد آمنت بأن معرفة الاحتلال من الداخل، وتحليل بنيته الفكرية والسياسية، شكل من أشكال المقاومة العميقة".

الأسير أسامة الأشقر
من طالب أسير إلى باحث متخصص في الدراسات الإسرائيلية
داخل الزنزانة، كتب أسامة الأشقر أبحاثا متخصصة في الشأن الإسرائيلي، ونشر له عدد منها، في وقت كانت فيه إدارة السجون تصادر الكتب والأوراق والأقلام، وتحاول تجفيف أي منبع معرفي، كان يكتب في ظروف استثنائية، تحت رقابة مشددة، وبإمكانات شبه معدومة، لكن الإرادة كانت أقوى.
ويوضح الأشقر :"هذه التجربة جعلتني واحدا من الأصوات البحثية التي راكمت معرفة نقدية حقيقية حول إسرائيل، لا من موقع المراقب الخارجي، بل من موقع الأسير الذي يعيش أثر الاحتلال على الجسد والروح والعقل".
الكتابة كفعل تحرر
لم تتوقف رحلة أسامة الأشقر عند البحث الأكاديمي، فالكتابة الأدبية كانت متنفسا آخر، ووسيلة لاستعادة إنسانيته، فقد أصدر كتابه الأول "للسجن مذاق آخر" عام 2020، ليقدم فيه شهادة مختلفة عن الاعتقال، شهادة لا تكتفي بسرد الألم، بل تبحث عن المعنى وسط القسوة، ثم جاء كتابه الثاني "رسائل كسرت القيد" عام 2023، وهو عمل إنساني عميق، يعيد الاعتبار للرسالة كفعل حب ومقاومة، ويكسر الصورة النمطية للأسير بوصفه مجرد رقم.
ويؤكد الأسير المحرر أن إعادة إطلاق الكتابين في نقابة الصحفيين المصريين شكلت لحظة رمزية، أعادت الأسير المحرر إلى الفضاء العربي ككاتب ومفكر، لا كحالة إنسانية طارئة.
300 مقال
إلى جانب كتبه، نشر أسامة الأشقر أكثر من 300 مقال في قضايا سياسية وفكرية وثقافية، وكان القلم بالنسبة له شكلا آخر من أشكال الحرية، وأداة لمواجهة محاولات الاحتلال تشويه صورة الأسير الفلسطيني، واليوم، يعمل على كتابه الثالث، في تأكيد على أن التجربة لم تنتهِ بالخروج من السجن، بل تحولت إلى مشروع حياة.

الأسير المحرر أسامة الأشقر
كرة القدم والهوايات المؤجلة
ورغم كل هذا الثقل الفكري، لا ينسى أسامة الأشقر أنه إنسان قبل أي شيء، فهو يعشق كرة القدم، مارسها قبل الاعتقال، وحرم منها داخل السجن، كما حرم من كثير من التفاصيل الصغيرة التي تصنع الحياة، ويقول الأسير المحرر: "اليوم، أحاول استعادة تلك الهوايات، وكأنها استعادة لجزء من الزمن المسروق، وإعلان صريح بأن الحياة لا تختزل في المعاناة وحدها".
السجن كمختبر إنساني.. التعلم من الآخر
ويؤكد الأشقر أن واحدة من مفارقات السجن الكبرى هي كثافة التجربة الإنسانية داخله، لأن الاختلاط اليومي بأسرى يمتلكون خبرات سياسية وثقافية متنوعة، خلق بيئة تعليمية فريدة، لا تشبه أي جامعة تقليدية، وفي هذا الفضاء، يتعلم الأسير من رفيقه، ويتشارك المعرفة، ويعيد بناء ذاته قطعة قطعة.
واليوم، يستعد أسامة الأشقر لبدء دراسة الدكتوراه، في امتداد طبيعي لمسار بدأ من خلف القضبان، حيث يقول :" ما أعطاه السجن، لم يكن الألم فقط، بل الوعي، والقدرة على تحويل القهر إلى مشروع معرفي طويل الأمد.
الرسالة الأهم التي يوجهها الأسير المحرر، ومعه آلاف الأسرى الفلسطينيين، هي أن الأمل هو الأساس، فحلم الفلسطيني، كما حلم أي إنسان، هو الحياة، والسعي لبناء مستقبل أفضل ليس جريمة، قائلا: "الأسير الفلسطيني ليس إرهابيا كما يحاول الاحتلال وصمه، بل إنسان يسعى للإضافة النوعية للبشرية، عبر البحث والكتابة والأدب والفكر".
أهوال تعذيب الاحتلال للمعتقلين الفلسطينيين
وفي 28 ديسمبر، كشفت هيئة شؤون الأسرى ونادي الأسير الفلسطيني، جانب من أهوال تعذيب الاحتلال للمعتقلين الفلسطينيين، مؤكدا استمرار حرمان آلاف الأسرى من حقهم في العلاج الطبي داخل سجون تل أبيب ، وسياسة التجويع وظروف الاحتجاز القاسية تسببت بتدهور خطير في الأوضاع الصحية وانتشار الأمراض.
وأضافت خلال بيان لها، أن الأوضاع الصحية في السجون لم تشهد أي تحسن خلال ديسمبر 2025، بل جرى ترسيخ سياسة الحرمان من العلاج كواقع دائم، لافتا إلى أن الأسرى يتعرضون للاعتداء والضرب عند طلب العلاج أو أثناء نقلهم للعيادات والمستشفيات.
وأوضحت أن وجود أسرى يعانون أمراضا خطيرة، بينها السرطان والتصلب اللويحي، دون تلقي أي علاج يذكر، لافتة إلى استمرار التنكيل بالمعتقلين المرضى في عيادة سجن الرملة ومختلف السجون، بما في ذلك الاعتداء عليهم خلال جلسات العلاج وغسيل الكلى.
حين ينتصر الإنسان
تجربة أسامة الأشقر ليست استثناء، بل دليل على أن السجن، مهما طال، لا يستطيع أن يهزم إنسانا قرر أن يحيا، فهي شهادة على أن المعرفة قد تكون أكثر خطورة على الاحتلال من السلاح، وأن الأمل، حين يولد في الزنزانة، يصبح فعل مقاومة خالص.