لم تكن تلك السيدة الصعيدية الأصيلة، ابنة إمام المسجد، تعلم ما يخبئه لها القدر منذ لحظات ميلادها الأولى، فقد وُلدت يتيمة، بعدما رحل والدها قبل أن تتفتح عيناها على الدنيا، فلم تنل من حنانه ولا عطفه ما يكفي، وكأن الحياة قررت أن تبدأ معها رحلة الصبر مبكرًا.
ورغم تفوقها الدراسي في سنواتها الأولى، لم يُكتب لها استكمال التعليم، إذ أخرجتها أسرتها من المدرسة رغم تفوقها لتساعد في أعمال المنزل وزراعة الأرض، شأنها شأن كثير من فتيات الصعيد في ذلك الوقت، لتتحمل المسؤولية قبل أن تعرف معنى الطفولة.
وحين ابتسم لها القدر بالزواج، ظنّت أن عناء السنين قد شارف على نهايته، لكنها لم تكد تلتقط أنفاسها حتى باغتها الفقد من جديد رحل زوجها وهي في ريعان شبابها، في العقد الثالث من عمرها، تاركًا لها أربعة أطفال ثلاث بنات وولد، أكبرهم لم يتجاوز السادسة، وأصغرهم رضيعة لم تكمل ثلاثين يومًا.
منذ تلك اللحظة، بدأت رحلة جديدة من الكفاح والصبر، فنسيت نفسها تمامًا، وقررت أن تعيش لأبنائها فقط لم تفكر في شبابها ولا في زواج جديد، بل حملت على عاتقها دور الأم والأب معًا، وابتعدت بأبنائها عن صراعات الأقارب ومشاكلهم، وضحّت بكل شيء من أجل تنشئتهم تربية صالحة وسليمة.
لم تكتفِ بتربيتهم، بل أصرت على تعليمهم جميعًا حتى حصلوا على شهاداتهم الدراسية، ثم واصلت عطائها، فجهزت بناتها الثلاث لبيوت أزواجهن، لتجمع بين أجر تربية الأيتام وأجر تزويج البنات، في رحلة شاقة دفعت ثمنها من عمرها وصحتها.
وخلال سنوات الكفاح الطويلة، تسلل المرض إلى جسدها دون أن تشكو أو تُثقل على أبنائها أذكر جيدًا، وأنا طفل، يوم ذهبت والدتي للكشف الطبي، وحين استدعت حالتها تدخلًا جراحيًا، أجرت عملية في أحد المستشفيات دون علمنا لم يكن لدينا هاتف لتطمئننا، فبقينا في قلق وخوف حتى أرسلت أحد الأشخاص ليخبرنا بمكانها ويطمئن قلوبنا.
وبعد سنوات من الصبر والألم، أسلمت أمي روحها إلى بارئها وحيدة داخل غرفة العناية المركزة، بعد صراع مع المرض اللعين، سرطان القولون رحلت في صمت، كما عاشت، دون ضجيج أو شكوى.
نسأل الله العلي القدير أن يحتسب مرضها في ميزان حسناتها، وأن يُنزلها منازل الشهداء والصديقين والصالحين، وأن يرحمها رحمةً يتعجب لها أهل السماوات والأرض.
وما يربط على قلوبنا ويصبرنا على فراقها، تلك العلامات التي نرجو أن تكون من حسن الخاتمة، إذ رحلت ليلة الجمعة، ليلة الإسراء والمعراج، مبتلاةً، مبطونةً، وحيدة، دون أن تودّع أبناءها لكنها تركت في قلوبهم إرثًا من الصبر والإيمان والعطاء لا يزول.