بين ضحكة طفل ووردة على الموج، يولد الأمل من جديد. كل ضحكة تعلمنا أن الحياة تستحق، وكل وردة تحد من قسوة البحر. فهل نحن مستعدون لنكون جزءا من هذا الأمل؟
عزيزي القارئ، مما لا شك فيه أن الأسرة روح الحياة، وأصل الفطرة التي قام عليها الخلق حين خلق الله آدم وحواء لبناء الكون، لذا فإن الوطن يبدأ بالاسرة، والإصلاح يبدأ بالوعي لتفادي أخطاء الأجداد، وكل فعل صغير يصنع فرقا كبيرا.
نعم، قد تختصر الحياة معناها كله في بسمة طفل يولد وهو يبتسم؛ ضحكة لا تعرف الخوف، ووردة تطفو فوق بحر واسع، وكأنها وعد خفي ببداية لا تشبه ما قبلها.
نعم، ضحكة الطفل ليست مجرد براءة، بل رسالة صادقة تقول لنا إن العالم، رغم قسوته، ما زال قادرا على إنجاب الأمل.
عزيزي القارئ، تعلم أن الإنسان لا يولد محملا بالأحقاد أو الصراعات، بل يولد بقلب صاف نقي السريرة صادق الشعور. ثم نأتي نحن الكبار لإمداده ببعض المفاهيم والمواقف التي تعتبر العامل الأول في تدنيس صفحته البيضاء، مثل الكذب الأبيض، والفوز في الصراعات دون النظر لمن الظالم أو المظلوم، فنثقل أيامه ونعلمه كيف يخاف ويتلون بدل أن يحلم ويأمل.
أما الوردة التي تعاند الموج، فهي نحن، نعم نحن، الذين نطفوا رغم العواصف، نحاول أن نحافظ على ثباتنا الإنساني، وعلى دفء مشاعرنا، في بحر بارد من الضغوط والخذلان والأنانية. وردة واحدة تكفي لتقول إن الجمال لا يموت، وإن الرقة لا تعني الضعف.
عزيزي القارئ، لا بد أن تكون هناك فرصة جديدة، واختبار جديد، لإنجاح ما خلقنا له، وما عزمنا عليه، وما دفعتنا اليه الظروف والاخرون. اختبار حقيقي بين خيارين: هل نكون اقرب الى ضحكة الطفل؟ ام نترك انفسنا للبحر، يبتلعنا دون مقاومة؟
لا تتعجب، فمجتمعنا اليوم لا يحتاج مزيدا من القوانين بقدر ما يحتاج قلوبا يقظة، وضمائر حية، ويد تمتد لا لتأخذ بل لتساند. يحتاج أن نتذكر أن الإنسانية لا تدرس في الكتب، بل تمارس في التفاصيل الصغيرة: كلمة طيبة، رحمة في قرار، عدل في موقف، واحتواء في وقت صعب.
وفي ظل هذه التحديات، إن استطعنا أن نحمي ضحكة طفل، ونحافظ على وردة في بحر الحياة، فنحن ما زلنا بخير، وما زال الغد يستحق أن يعاش.
عزيزي القارئ، رغم أن المشهد يبدو بسيطا، وقد تبدو ضحكة طفل ووردة فوق البحر مجرد صورة عابرة، إلا أنها في الحقيقة مرآة صادقة لمجتمع كامل.
فالطفل يرمز للأسرة، والوردة ترمز للوطن، والبحر هو عالم مزدحم بالتحديات، وبداية العام ليست رقما جديدا فقط، بل علامة على مرحلة جديدة قد ننجح فيها او نكرر الاخطاء.
ومن هنا، لا بد أن يكون اختيارنا واضحا، على المستوى الفردي والعام، بداية من حماية الأسرة، ذلك الهدف المشترك بين الفرد والدولة، باعتبارها خط الدفاع الأول عن الوطن. فالأسرة ليست شأنا خاصا، بل قضية أمن قومي، ففي البيت يتعلم الطفل معنى الصدق، واحترام القانون، والانتماء الحقيقي.
وتأكد، عزيزي القارئ، أن أسرة مفككة تفتح الباب للتطرف، وللشائعات، وللخراب الصامت، بينما الأسرة الواعية المتماسكة قادرة على ان تخرج مواطنا يحمي وطنه بالفعل لا بالشعارات.
ومن هنا تأتي أهمية حماية المواطن، حماية حقه كمستهلك، حفاظا على كرامته المعيشية، وحماية صحة الأسرة، وحماية الثقة بين المواطن والدولة. فالعدل في السوق لا يقل أهمية عن العدل في المحكمة، وهو خطوة أساسية للحد من الشائعات، ذلك السلاح الذي يهدم بلا صوت، يهدم الثقة، ويشوه الحقائق، ويزرع الخوف والشك داخل البيوت. ومجتمع بلا وعي هو أرض خصبة لكل من يريد هدمه من الداخل.
فالوعي الإيجابي واجب وطني، يبدأ من الاسرة، ويعضده الاعلام وينتهي بمواطن لا ينساق خلف كل ما ينشر. وهو الباب الرئيسي لحماية الوطن، ومسؤولية الجميع.
فالوطن لا يحمى فقط على الحدود، بل يحمى في الضمير، في رفض الفساد، في مواجهة الشائعة بالحقيقة، وفي تربية طفل يعرف ان هذا الوطن بيته الكبير.
عزيزي المواطن، الوطن وردة، إن تركناها للبحر وحده غرقت، وإن احتضناها أزهرت.
أؤمن أن حماية الوطن تبعد كل البعض عن الشعارات البراقة ظاهريا بل التدقيق بالتفاصيل الصغيرة والصحيحة والافراد التي تصنع الفارق.
عزيزي المواطن، الوطن لا يطلب منا أدوارا استثنائية ولا بطولات عابرة، بل يطلب قلبا يقظا، وضميرا لا ينام، وإنسانا يعرف أن الإصلاح يبدأ من موقف صادق، وأن الصمت عن الخطأ لا يحمي أحدا، إما أن نكون جزءا من الفساد والفوضى والصمت، أو نكون جزءا من الوعي، والحماية، والبناء.