حين يصبح الإيمان قوة تزلزل الجبال.. المقطم شاهد على معجزة مسيحية.. الأنبا أغاثون يوثق قصة الجبل المتحرك وبسببه يصوم الأقباط 3 أيام.. نور اليقين يحرك الصخر.. وهذه أسرار تحركه بين التوثيق الكنسى وشهادة المؤرخين

السبت، 03 يناير 2026 09:00 ص
حين يصبح الإيمان قوة تزلزل الجبال.. المقطم شاهد على معجزة مسيحية.. الأنبا أغاثون يوثق قصة الجبل المتحرك وبسببه يصوم الأقباط 3 أيام.. نور اليقين يحرك الصخر.. وهذه أسرار تحركه بين التوثيق الكنسى وشهادة المؤرخين دير الأنبا سمعان الخراز

كتب: محمد الأحمدى

فى تاريخنا الروحاني الممتد، تقف مصر كمنارة خالدة تروي للعالم قصصاً تتجاوز حدود المادة، مؤكدة أن الإيمان الصادق هو القوة الوحيدة القادرة على صنع المستحيل. إنها حكايات تنسج خيوطها بين السماء والأرض، وتستقر في أعماق وجدان شعب آمن بقوة الدعاء واليقين.

 

ومن بين هذه الروايات الملهمة، تتلألأ قصة جبل المقطم، الذى لم يعد مجرد معلم جغرافي يطل على القاهرة، بل أصبح رمزاً حياً لقوة الإرادة والإيمان، فهذه القصة، التي استمدت جذورها من نص إنجيلي واضح يؤكد قدرة الإيمان ولو كان بحجم "حبة الخردل" على تحريك الجبال، هي محور شهادة تاريخية ودينية مهمة يوثقها الأنبا أغاثون، أسقف مغاغة والعدوة، ليقدم لنا درساً خالداً عن الصبر، والوحدة، وعظمة الاستجابة الإلهية في أصعب الأوقات. هذه المعجزة، التي احتفى بها المؤرخون وتناقلتها الأجيال، هي السبب الذي لأجله يضيف الأقباط ثلاثة أيام من الصوم إلى صوم الميلاد، إجلالاً للحدث وتثبيتاً لليقين. فما هي تفاصيل هذه القصة التي جمعت المصريين على صلاة واحدة؟ وكيف وثقتها الكنيسة والمؤرخون على حد سواء؟

 

معجزة نقل الجبل.. الإطار الزمني وشخصيات الحدث

وبدأ الأنبا أغاثون أسقف مغاغة والعدوة توثيقه بالإشارة إلى الإطار الزمني الدقيق لهذه المعجزة التي حدثت في عصر يمثل مرحلة مهمة من تاريخ مصر.


ويؤكد الأسقف، أن الواقعة تمت في عهد قداسة البابا إبرام، البطريرك الثاني والستين للكنيسة القبطية الأرثوذكسية، وهي الفترة التي تزامنت مع حكم الخليفة الفاطمي المعز لدين الله الذي دخل مصر الفاطمية وأسس القاهرة.

 

وهذه المعجزة، بحسب التوثيق الكنسى، هي التي أدت إلى زيادة 3 أيام في صوم الميلاد المجيد، ويوضح الأنبا أغاثون أن المعجزة تتعلق بآية من الإنجيل، وأن الخليفة المعز طلب من البابا إثباتها بتحريك جبل المقطم.

 

ويوثق الأنبا أغاثون، أنه في هذه الأيام شهدت الكنيسة والمجتمع المصري ولادة قديسين وقيام أديرة عظيمة. البابا إبرام، الذي كان يُعرف بـ "ابن زرعة"، قاد شعبه نحو تحقيق هذا التحدي الكبير، ليثبت أن الإيمان هو فوق كل منطق.

 

ويشدد التوثيق على أن هذه المعجزة هي دليل تاريخى على بقاء الكرسي المرقسي بالإسكندرية، ووجود الأقباط، ودورهم في مصر، ويضيف الأنبا أغاثون أن المؤرخين المسلمين أيضاً قد ذكروا واقعة نقل الجبل، وإن لم يتفقوا دائماً على تفسيرها، لكنهم أقروا بحدوثها في زمن البابا إبرام.

 

البابا إبرام وسيمون الدباغ.. رجلان فى مواجهة المستحيل

وعندما واجه البابا إبرام التحدى الذي طرحه الخليفة، كان رد فعله هو اللجوء إلى الصوم والابتهال الشديدين، مدعوماً بصلوات شعبه، ويوضح الأنبا أغاثون أن البابا قد أخذ مهلة 3 أيام للصلاة والصوم، وخلال هذه المهلة، أُرشد البابا في رؤيا إلهية إلى الحل، ولم يكن الحل في قوته الذاتية أو قوة الكهنة، بل في يد رجل بسيط هو سيمون الدباغ (الخرّاز)، الذي كان يعمل بمهنة يدوية متواضعة. هذا الاختيار الإلهي لسيمون، الذي كان يعيش حياة روحية متواضعة بعيداً عن الأضواء، يؤكد رسالة الكنيسة بأن قوة الإيمان ليست حكراً على أحد، وأن العظمة الحقيقية تكمن في التواضع والبذل الصامت. يتحدث الأنبا أغاثون عن سيمون بصفته الرجل الذي كان مستعداً بقلبه وروحه، ويفعل الخير خفية. هذه اللفتة تؤكد على الدور المحوري لأبناء الشعب البسيط في تحقيق الإعجاز، لتصبح القصة نموذجاً لانتصار الإيمان المتجرد على اليأس والتحدي. يذكر التوثيق أن سيمون الدباغ، بعد أن حقق المعجزة، طلب من البابا أن يمنحه وقتاً قليلاً ليذهب دون أن يعرف الناس من هو، ثم اختفى ولم يتمكن أحد من العثور عليه.

 

شهادة الأرض والتاريخ.. تفاصيل اللحظة الفاصلة

وفي اليوم المحدد، توجه البابا إبرام ومعه الجموع الحاشدة من الأقباط، الذين كانوا يحملون الأناجيل والصلبان والشموع والبخور، نحو سفح جبل المقطم.


وكانت لحظة تاريخية فاصلة، حيث يصف الأنبا أغاثون لحظة تحقيق المعجزة بالاستناد إلى كتابات القديس الأنبا ساويرس. هناك، وبإرشاد من سيمون الدباغ، توجه البابا نحو الجبل. وقف سيمون، الذي أُعطي القوة لتحريك الجبل، ورسم علامة الصليب ثلاث مرات وهو يردد الدعاء الإلهي: "يا رب إرحم". وكانت المفاجأة المذهلة، بحسب توثيق الأسقف: اهتز الجبل وارتفع عن الأرض، وتكرر الارتفاع ثلاث مرات، ومع كل مرة كان يخرج نور عظيم، وانتقل الجبل من مكانه، وبات هناك فضاء كبير بينه وبين الأرض.

 

ويشير الأنبا أغاثون إلى أن هذا الفضاء أصبح فيما بعد أحياء عمرانية، ومزارع، ومبانٍ، ومقابر، وهو دليل مادي على ما حدث. هذه الواقعة لم يكتب عنها فقط المؤرخون المسيحيون، بل أشار إليها مؤرخون إسلاميون كبار مثل المقريزي، الذي ذكر القصة في خططه، ويوسف الأبتيحي، الذي أكد حدوثها في زمن البابا إبرام. ويضيف الأسقف دلالة جغرافية، وهي أن سبب تسمية الجبل بـ "المقطم" قد يعود إلى أنه اقتطع من مكانه، أو أنه "المكان الأصلي لنزول القوم". كما يشير إلى أن الأبحاث الجيولوجية الحديثة أثبتت وجود طبقات تحت الجبل تدل على أنه تحرك بالفعل.

 

صوم المقطم.. العهد الذي لا يزول

وكانت نتيجة هذه المعجزة المدوية هي تجديد العهد بين الشعب وربه. يوثق الأنبا أغاثون أن الأقباط نذروا ثلاثة أيام للصوم، تُضاف إلى الصوم الكبير المعروف، وذلك إكراماً لهذا العون الإلهي. هذا الصوم يُعرف باسم صوم نقل جبل المقطم. إنه صوم يعكس الامتنان، ويؤكد أن الإيمان الصادق لابد وأن يُتبعه عمل روحي. وإلى اليوم، يصوم الأقباط هذه الأيام الثلاثة قبل بدء صوم الميلاد، وهو تقليد مستمر منذ أكثر من ألف عام. ويعتبر الأنبا أغاثون أن صوم المقطم هو شهادة حية لقوة اليقين في الكنيسة القبطية. هذا الصوم ليس مجرد ممارسة تقليدية، بل هو رسالة متجددة للأجيال بأن الإيمان قادر على تذليل أصعب العقبات، وأن صلوات الشعب الموحد لا ترد أبداً.

 

رسالة الإيمان من قلب مصر

ويقدم لنا توثيق الأنبا أغاثون لـ معجزة نقل جبل المقطم أكثر من مجرد سرد تاريخي؛ إنه يقدم لنا دليلاً راسخاً على أن مصر، ببركاتها وتاريخها، هي أرض المعجزات. فالمعجزة لم تكن مجرد تحريك صخرة، بل كانت تحريكاً للقلوب وجمعاً للنفوس على هدف واحد. واليوم، ونحن ننظر إلى جبل المقطم، علينا أن نتذكر قصة سيمون البسيط، الذي لم يكن يهتم بالظهور، ولكنه بصدق إيمانه أصبح سبب الخلاص. إنها رسالة قوية لأبناء هذا الوطن بأن التواضع، واليقين، والصلاة الجماعية، هي أسس القوة الحقيقية في مواجهة التحديات الكبرى. ويظل جبل المقطم شاهداً، ليؤكد أن الإيمان، كبذرة الخردل، إذا غرست بصدق، تستطيع أن تزيل أي عائق يقف في طريقنا.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة