منذ 2014 شكلت الدبلوماسية المصرية لنفسها نهجا يليق بتاريخ دولة عريقة، تتلمس طريقها ولا تتعثر فى الظلام، هادئة فى شكلها، عميقة فى جوهرها، وتتمتع بقدرة على الإمساك بخيوط التوازن دون صخب، وتخاطب العالم بلغة العقل قبل العاطفة، دشنت لنفسها خطابا يليق بمقام تاريخها، يلامس هموم الوطن والمواطن، قبل حسابات النخب، لذلك بدت مواقفها واضحة لا لبس فيها، حازمة لا تُستفز، فكان مردودها إعجابا صادقا، وثقة مفرطة، إذ رأى الناس دولة تصون كرامتها وكبرياءها، وتناصر الحق بشرف، وتطفئ الحرائق بحكمة وأمانة، وتجنح للسلم بثبات وعزيمة لا تلين، دون أن تفرط أو تساوم.
للاطلاع على العدد الخاص بدبلوماسية الرئيس السيسى اضغط هنا..
فى إقليم يموج بالاضطراب، وتتصارع فوق أرضه قوى دولية، تتحكم فى بعض المفاتيح الجوهرية للمنطقة، حلا وتعقيدا، لذلك لم يكن الطريق أمام الدبلوماسية المصرية مفروشا بالورود، وإنما ممتلئ بالمطبات الصناعية الكثيفة، والطبيعية أيضا، فكان لزاما على الدولة المصرية أن تضبط إيقاع سياستها الخارجية بالحكمة وضبط النفس، وتبرز عضلات إرادتها وحنكتها، وتستمد من دورها التاريخى الملتصق بعمر الكون، الصبر الاستراتيجى، والواقعية فى إدارة الأزمات، وأن تكون رجل المطافئ الأمين الحريص على إنقاذ الأرواح والمقدرات، حتى ولو تعرض هو للخطر.
دبلوماسية محشوة بالبصيرة والوعى المرتفع بأن إطفاء الحرائق شاق وصعب، والوساطة الأمينة الرشيدة أكثر إرهاقا وكُلفة من التحريض، وحماية الدولة الوطنية تتطلب صبرا وحكمة وقدرة على تحمل الضغوط.
ورغم هذه الصعوبات، اختارت مصر فى عهد الرئيس عبدالفتاح السيسى، هذا المسار الصعب، واضعة تثبيت الدولة الوطنية، ودعم الأشقاء وحفظ مقدراتهم فى صدارة أولوياتها، ليس بدافع العاطفة ورباط الدم واللغة والدين، فحسب، وإنما قناعة منطلقة من قراءة استراتيجية عميقة، تستشرف المخاطر عن بُعد، وكأنها تمتلك قرون استشعار عالية الحساسية، استراتيجية ترى أن انهيار الدول كارثة، وخطر داهم على الأمن القومى العربى بمفهومه الشامل.
لم تكن الدبلوماسية المصرية مجرد تحركات تقليدية، أو إصدار بيانات محسوبة الصياغة، ومُحسنة لغويا وبلاغيا، وإنما نهج متكامل قوامه، الشرف السياسى والحكمة، وإدراك عميق لمعنى الدولة الوطنية ودورها فى محيط مشتعل بالنيران، وتغيب فيه أصوات العقل.
بطل هذه الدبلوماسية، هو الرئيس السيسى، الذى وضع هذا النهج، وسارت عليه المؤسسات المعنية، باعتباره نموذجا لإدارة الأزمات لا بمنطق رد الفعل، بل بعقل ورجاحة الدولة الراسخة المؤمنة بقيمة وأهمية الاستقرار وخطورة الفوضى، وعدم قبول أن تكون المنطقة ساحة مفتوحة للفوضى، وعبث الميليشيات والتدخلات الأجنبية السافرة، وتدرك أن دعم الأشقاء ليس ترفا سياسيا وإنما واجب أخلاقى ومسؤولية تاريخية.
هذه الدبلوماسية كانت حاضرة بقوة فى الملف الفلسطينى، والذى حملته على عاتقها طوال تاريخها، بشكل عام، ومنذ 7 أكتوبر 2023 على وجه الخصوص، وبدأته بعقد مؤتمر دولى بالقاهرة عقب إعلان إسرائيل حرب إبادة غزة، بأيام قليلة، دشنت فيه مصر، عشرات اللاءات فى وجوه كل زعماء الدول الكبرى، أمريكا وأوروبا بشكل خاص، وباقى العالم، بشكل عام، وبدأتها بـ«لا لتصفية القضية الفلسطينية، ولا للتهجير القسرى، ولا لأى حل على حساب مصر والأردن، ولا لاحتلال غزة، ولا لوجود الناتو على الأراضى الفلسطينية، ولا بديل سوى حل الدولتين»، وغيرها من اللاءات.
ثم بذلت جهودا مضنية واصلت فيها الليل بالنهار، للتوصل إلى اتفاق وقف النار، وفق اقتراح قدمته، برفض التهجير، وحقن دماء الفلسطينيين، والحفاظ على أرواحهم، والعمل على تقريب وجهات النظر بين المكون الفلسطينى، وتوحيد كلمتهم، ثم وظفت ثقلها الإقليمى والدولى، وسياستها الواضحة الشريفة وسمعتها ووعودها الصادقة، إقليميا ودوليا، للتوصل إلى وقف إطلاق النار، وقد نجحت فى ذلك.
وتكللت هذه الجهود بعقد مؤتمر شرم الشيخ لوقف المقتلة فى غزة، بمشاركة فاعلة من الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، وعدد كبير من زعماء العالم، ليشهدوا التوقيع والإعلان التاريخى لوقف شلالات الدماء، وما يؤكد أن مصر يغلف مواقفها الشرف والأمانة والصدق والإخلاص، الداعمة لقضايا أمتها.
نفس الدور ظهر فى ليبيا للحفاظ على وحدة أراضيها، ورسمت مصر الخطوط الحمراء، والتى امتدت على استقامتها مؤخرا إلى السودان، والتأكيد على أن أمن السودان الشقيق من أمن مصر، واستقرارها.
وفى العراق، كان موقف مصر واضحا فى معركة هذا الوطن الشقيق العريق ضد الإرهاب، والحفاظ أيضا على وحدة أراضيه، وإعادة بناء مؤسساته، وإعماره، ونفس الحال فى لبنان وسوريا واليمن.
ثم كان موقف مصر القوى الداعم والمساند بوضوح لا لبس فيه، للأشقاء القطريين عندما تعرضوا لهجمات إسرائيل، كما وقفت بقوة فى وجه التهديدات الإسرائيلية للأشقاء فى المملكة العربية السعودية، معتبرة أن أمن وأمان المملكة، هو أمن وأمان مصر، ولا يمكن أن تقبل القاهرة المساس بحبة رمل واحدة للأشقاء فى أرض الحرمين الشريفين.
ولم يكن الصومال وجيبوتى بعيدين عن الدبلوماسية المصرية، فكانا حاضرين وبقوة، للحفاظ على وحدة واستقرار الدولتين الشقيقيتن، وعدم المساس بأمنهما ومقدراتهما، ووقعت اتفافيات تعاون فى كل المجالات مع الدولتين، للوقوف أمام الأطماع الشرهة العابثة بأمن واستقرار القرن الأفريقى والبحر الأحمر، بجانب دعم مصر لأشقائها الأفارقة، وتبنى قضاياهم فى المحافل الدولية المختلفة، فى إيقاظ حقيقى لدور مصر التاريخى.
وهكذا، دشنت مصر فى عهد الرئيس السيسى، دبلوماسية الشرف والحكمة، ونالت احترام المجتمع الدولى بأثره، القوى قبل الضعيف، وصارت الدبلوماسية المصرية من أهم ركائز الاستقرار فى إقليم مشتعل بالنيران، وصارت رسالة واضحة مقدسة، بأن حماية الأوطان ودعم الأشقاء ليست شعارات ترفع، بل أفعال تترجم على أرض الواقع بكل إخلاص وأمانة وشعور عتيق بالمسؤولية التاريخية وروابط الدم.
