أكد الدكتور عمر معتز بالله، المتخصص في تاريخ وفلسفة الفن المصري القديم، أن عيد رأس السنة في مصر القديمة، المعروف باسم "وبت رنبت"، ويعد من أعظم الاحتفالات الدينية والكونية في الحضارة المصرية، مشيرًا إلى أنه لم يكن مجرد بداية زمنية لعام جديد، بل لحظة كونية كثيفة المعنى، التقى فيها الفلك بالطبيعة واللاهوت في مشهد واحد"
وأوضح عمر معتز بالله، عبر صفحته الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك، أن معنى العيد تأسس على تزامن فلكي دقيق بين شروق نجم سوبدت، سيريوس وبداية فيضان نهر النيل، وهو التوقيت الذي اعتبره المصري القديم إعلانًا لتجدد الكون وميلاد دورة جديدة للحياة، حيث يُعاد ميلاد الإله رع إلى حاملًا معه وعد الخصوبة والرخاء للأرض المصرية.
وأشار إلى أن النقوش الموجودة في قاعة الاحتفالات آخ-منو، داخل معبد الكرنك، والتي تعود إلى عصر الدولة الحديثة في عهد الملك تحتمس الثالث، تمثل مصدرًا أساسيًا لفهم عقيدة وطقوس عيد رأس السنة، إذ توثق برنامجًا طقسيًا يعيد تمثيل فعل الخلق الكوني وبدايات الوجود.
كما لفت عمر المعتز بالله ، إلى أن معابد دندرة وإدفو حفظت برامج نصية وأيقونية ثرية تؤكد استمرارية هذا المعنى والطقس عبر العصور المصرية المختلفة.
وأضاف عمر معتز بالله أن عيد وبت رنبت، كان عيدًا وطنيًا وشعبيًا بامتياز، يُحتفل به في مختلف أنحاء مصر القديمة، بوصفه لحظة جامعة بين السماء والأرض والإنسان، ويعاد فيها ترسيخ الإيمان بأن الحياة قادرة على التجدد إلى الأبد مهما مرت بفترات من القحط أو الإنهاك.
هدايا رأس السنة:
وتطرق عمر المعتز بالله، إلى أحد أشهر مظاهر الاحتفال، والمتمثل في زجاجات رأس السنة الصغيرة التي كانت تقدم كهدايا رمزية، وتمثل مياه النيل العذبة وبداية العام الجديد، وتحمل نقوشًا هيروغليفية بعبارة وبت رنبت نفرت، أي افتتاح السنة الجميلة.
واختتم عمر معتز بالله حديثه بالتنويه إلى أن إحدى الصور المتداولة المرتبطة بالعيد، والتي يظن البعض خطأً أنها شجرة كريسماس، هي في الحقيقة مائدة قرابين من مقبرة روي، المشرف على أملاك الملك حورمحب في أواخر الأسرة الثامنة عشرة، وتظهر عليها قرابين من البصل الأخضر، أحد رموز الحياة والتجدد في الفكر المصري القديم.
وأكد أن عيد رأس السنة في مصر القديمة يظل شاهدًا حيًا على عمق الرؤية الفلسفية للمصريين القدماء، الذين ربطوا بين الزمن والطبيعة والإنسان في احتفال سنوي يعيد التأكيد على أن الحياة، مثل فيضان النيل، تعود دائمًا محملة بالأمل.