بيشوى رمزى

الزمن في قواعد اللعبة الدولية

الخميس، 29 يناير 2026 03:26 م


لا توجد ثوابت في السياسة، فخصوم الأمس قد يكونون حلفاء اليوم، وهو ما يرتبط بالعديد من العوامل، ربما أبرزها تغير المواقف، أو اختلاف معادلة النظام الدولي، أو مقدار الاستفادة المتبادلة في مواجهة التحديات والتهديدات المشتركة، وغيرها من الأبعاد، والتي تشترك في معظمها في عامل واحد وهو الزمن، والذي يعد بمثابة العامل الخفي بين قواعد اللعبة الدولية، ليس فقط على مستوى العلاقات الدولية بصورتها التقليدية، وإنما أيضا في إطار السياسات التي تتخذها كل دولة، سواء لمواجهة المخاطر، أو حتى في تعزيز فرصها للقيام بدور أكبر، سواء على المستوى الإقليمي والدولي، وهو ما يبدو بوضوح في الشروخ الكبيرة التي تشهدها اللحظة الراهنة في إطار المعسكر الغربي، رغم صموده الممتد لأكثر من نصف قرن من الزمان.

والواقع أن دور الزمن يتجاوز مجرد كونه عامل متقلب، إلى طرف في معادلة العلاقات الدولية، وهو ما ينسجم مع طبيعته في كافة مناحي الحياة، ففي بعض الأحيان يكون حليفا، ثم ينقلب إلى خانة الخصوم، وهو ما يعكس أحد أهم أسرار التغيير العميق في شكل العلاقات الدولية، حتى وإن كانت لعبة التحالف والخصومة، على الصعيد الدولي، طويلة المدى نوعا ما إذا ما قورنت بغيرها من قواعد الحياة، وهو ما يضع أولوية التعامل معه، أو بالأحرى إدارته، بنفس الصورة التي يمكن بها إدارة العلاقات مع كافة أطراف المعادلة الدولية الأخرى، وهو ما يستدعي مهارة الإدراك لدى أصحاب القرار، عبر قراءة جيدة للإرهاصات، والتفاعل معها، والاستعداد الجيد لما قد تنبئ عنه من تغييرات أعمق، على المستوى الكلي، في إطار المنظومة الدولية ككل، أو على النطاق الإقليمي، أو حتى في إطار العلاقات الثنائية بين الدول.

والمعضلة الرئيسية في هذا السياق تتجلى في التداعيات المترتبة على القراءة الخاطئة للإرهاصات، عبر الاعتماد على الثوابت، باعتبارها الأساس الذي تبنى عليه العلاقة دون النظر إلى الظروف المحيطة ومستجداتها، وهو ما بدا واضحا في النموذج الغربي، والذي يشهد حالة من التصدع غير المسبوق، إلا أنه في واقع الأمر لم يكن بدون مقدمات واضحة، بل حمل إرهاصات كبيرة منذ العقد الأول من الألفية، ربما انطلقت من تفاصيل صغيرة لا تمس أركان التحالف مباشرة، وإنما تعكس بوادر للتغيير في الرؤى الأمريكية.

ولعل أبرز هذه البوادر، على سبيل المثال، غزو العراق، عبر تحالف قادته واشنطن ولندن وغطاء سياسي أوروبي واسع النطاق، رغم عدم موافقة مجلس الأمن، وهو ما يمثل تغيير كبيرا في قواعد اللعبة الدولية، والتفافا على دور المنظومة الأممية التي أرستها واشنطن نفسها في الأربعينات من القرن الماضي، باعتبارها الوحيدة المخول لها إضفاء الشرعية الدولية، وهو ما وضع القوى الأوروبية جنبا إلى جنب مع الولايات المتحدة في انتهاك القانون الدولي، أو بالأحرى تحويلها إلى شريك في تغيير قواعد اللعبة الدولية نحو تغليب منطق القوة على حساب الشرعية، بينما طالت الإرهاصات أوروبا نفسها في جورجيا 2008 ثم أوكرانيا في 2014، عندما رفضت واشنطن الانغماس في مواجهة مباشرة مع روسيا، والاكتفاء بالدعم الخطابي (إدانة موسكو) وتقديم الأسلحة للحلفاء، في حين وصلت ذروة المقدمات خلال ولاية الرئيس دونالد ترامب الأولى، عندما دعم خروج بريطانيا من أوروبا الموحدة، وأعاد سياسة التعريفات الجمركية، وغيرها من السياسات التي أضرت بمصالح حلفائة بصورة غير مسبوقة.

النموذج الغربي وما يطرأ عليه من متغيرات يطرح تساؤلا مهما يدور حول عامل الزمن، وهو متى تنهار التحالفات؟ أو بالأحرى ما هي نقطة الانطلاق في انهيارها؟

الواقع يقول إن التحالفات تتغير عندما تتغير المصالح، وصحيح تماما نظريا، ولكن يبقى الحفاظ عليها مرهونا بقراءة الزمن، فعندما تقرأ الإرهاصات جيدا يمكن للأطراف أن تسبق الزمن بخطوة، عبر خطوات استباقية تعزز دورها، فتجبر الأطراف الأخرى على التفكير جيدا قبل التضحية بهم، أو على الأقل الاستعداد الجيد للتغيير القادم في صورته العميقة، فيصبح التكيف مع أي تغيير يطرأ سواء على المستوى الكلى للنظام العالمي أو الجزئي في إطار التحالفات الضيقة، أمرا طبيعيا ويسهل تجاوز تداعياته السلبية.

والحديث عن "إدارة الزمن" يفتح الباب أمام نماذج متعددة لكيفية توظيفه سياسيا؛ فهناك من يتعامل معه بمنطق السباق لتسريع التحول قبل أن تتغير الظروف الدولية، كما في التجربة الصينية التي جعلت الاقتصاد أداة لتجميع القوة بهدوء داخل النظام العالمي القائم، مستفيدة من مزايا منحها النظام الدولي ترتبط بحرية التجارة والحركة، مما أتاح لها التمدد دون صدام مباشر لسنوات طويلة، وفي المقابل، هناك من يُحسن كسب الوقت بوصفه مكسبًا بحد ذاته، عبر إدارة الصراعات على جرعات طويلة، كما في الحالة الروسية، التي تعاملت مع الزمن بعد انهيار الاتحاد السوفيتي بوصفه مساحة لإعادة تجميع القوة، عبر تجنب الصدام المباشر مع الغرب لسنوات، والاكتفاء بإدارة الهوامش، قبل الانتقال التدريجي إلى فرض وقائع جديدة في الجوار القريب، من جورجيا إلى أوكرانيا.

وبين النموذجين يبرز نمط ثالث أكثر حساسية، يمكن وصفه بالاستباق، وهو ما يعني قراءة التحول قبل اكتماله، ثم إعادة التموضع بما يقلل كلفة المفاجآت ويبقي هامش الحركة مفتوحا، وهو ما يبرز في قراءة ملامح المشهد المصري خلال العقد الأخير، حيث اتجهت القاهرة نحو التحول من سياسة التحالفات الصلبة لصالح شبكات شراكة أكثر توازنا، مع تركيز متدرج على بناء عناصر الصمود الداخلي، عبر بناء اقتصاد قوى وبنية وتحتية متطورة وقدرة على إدارة الأزمات، باعتبارها الضمانة الأهم في عالم يتبدل فيه الحليف والخصم، ليس بفعل النوايا، بل بفعل الزمن.

وهنا يمكننا القول بأن الزمن ليس مجرد عامل، وإنما أحد عناصر اللعبة الدولية، بحيث يمكن أن يتحول إلى حليف حالة إدارته جيدا، في حين يصبح خصما شرسا، إذا فشلت الأطراف من الدول في قراءته ورؤية متغيراته، وظروفه، وهو ما يمثل أهمية كبيرة في لحظة فارقة في تاريخ النظام الدولي.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة