منال العيسوى

16 عاماً بين الحجر والشجر.. خواطر فى "معركة البقاء الخضراء"

الأربعاء، 28 يناير 2026 11:26 ص


أمس احتفلت مصر بـ يوم البيئة الوطنى والذكرى الثلاثين لصدور قانون البيئة،  وكانت الاحتفالية بمثابة قوس قزح فى حياتى المهنية  فى ملف البيئة واسترجعت رحلتى فى هذا الملف التى اخذت من عمرى عقد ونصف تقريبا ومازالت مستمره.


على مدار ستة عشر عاماً، لم تكن رحلتي في ملف البيئة مجرد "تغطية صحفية" لفعاليات أو مؤتمرات، بل كانت رحلة استكشاف لقلب مصر النابض. بدأتُ حين كان الحديث عن "تغير المناخ" يُقابل بابتسامات حذرة، وأقف اليوم وشواهد التغيير تملأ مدننا،  من توربينات جبل الزيت، إلى مسارات القطار الكهربائي بالعاشر من رمضان، وصولاً إلى صراخ الأرض الذي بات يسمعه الجميع.

 

البدايات حين كانت البيئة "خبراً صغيراً"

أتذكر جيداً خطواتي الأولى قبل 16 عاماً. كانت التحديات البيئية تبدو وكأنها قصص بعيدة عن الواقع المعاش، لكنني آمنتُ مبكراً بأن الصحافة البيئية هي "صحافة حياة"، قضيت سنوات في الميدان، أبحث عن الإنسان خلف الأرقام. تعلمتُ أن "الاستدامة" ليست مصطلحاً معقداً، بل هي "دعوة أم" في الفيوم تزرع قطناً عضوياً، وهي "عرق عامل" في العاشر من رمضان يحول النفايات إلى ذهب أخضر.

 

دروس من قلب الميدان

خلال 16 عاماً، تعلمتُ أن البيئة ليست رفاهية، بل هي "الكرامة البصرية" التي يستحقها المواطن في شوارعنا، والصحافة هي "الأثر" ، لقد اخذت عهدا على نفسي ألا أكتب خبراً يمر مرور الكرام، بل أسعى دائماً لترك "أثر أخضر" في وعي القارئ، ثم التكنولوجيا التى اصبحت هي الحل من القطار الكهربائي إلى تقنيات تدوير المياه، رأيتُ كيف ينقذ العلمُ الطبيعةَ حين تتوفر الإرادة السياسية والإدارية.

 

16 عاماً من "المعارك الخضراء"

على مدار ستة عشر عاماً، لم يكن قلمي مجرد أداة لنقل الأخبار، بل كان "مشرطاً" يحاول استئصال التعديات من جسد بيئتنا المصرية، 16 عاماً لم تكن نزهة في المحميات، بل كانت معارك صحفية خضتها بإيمان من يرى في الشجرة والماء والتراب "أمناً قومياً" لا يقبل المساومة.

 

معركة "الفحم"

لا أنسى تلك الأيام التي وقفنا فيها أمام "غول الفحم"، كانت معركة شرسة خضتها باسم كل طفل يسكن بجوار مصانع الأسمنت، وباسم كل رئة تضررت من سحب التلوث، وخاطبت رئيس وزراء مصر وقتها المهندس إبراهيم محلب الانسان، ووثقتُ بالبيانات والتحقيقات كيف تضغط مصانع الأسمنت بملف الطاقة على حساب صحة المواطن، وكشفتُ التكلفة الحقيقية "المخفية" لاستخدام الفحم، مؤكدة أن الأرباح التي تُجنى وقتها لا تساوي تكلفة الفواتير الصحية التي سندفعها غداً، وتابعت للنهاية لتنفيذ الضوابط ومعايير عمليه الاستخدام، وكانت المعركه سببا لاقصائى عن المشهد البيئى لمدة عام، لكنى عدت متوجه على عرش ملفى فى عهد الرئيس السيسى الذى أولى الملف البيئي أولوية عظيمة ساهمت فى نقله نوعية محلية وعربية ودولية، وكانت الوزيرة الانسانه ياسمين فؤاد حجر أساس قوى ترك بصمات ناصعه فى الملف تحت قيادة تؤمن بالاستثمار فى البشر افضل أثر.

 

حراس "المحميات"

لم تتوقف المعارك عند حدود المدن، بل امتدت إلى "خزائن مصر الطبيعية". خضتُ ملف التعديات على المحميات الطبيعية، حيث واجهتُ بالكلمة والحقيقة محاولات تحويل الأراضي البكر إلى كتل خرسانية أو مشاريع تلتهم التنوع البيولوجي، وجاء تحقيق البراح السايب يعلم السرقة، بمثابة جرس انذار لخطة متكاملة لتطوير المحميات وحمايتها. كنتُ أرى في كل صخرة في "الغابة المتحجرة" أو "وادي الحيتان" تاريخاً يجب ألا يُباع، وحاضراً يجب ألا يُنتهك.

 

أجساد تحت ضغط المناخ..

من أكثر الملفات التي لمست قلبي وعقلي كان ملف "أجساد تحت ضغط المناخ". هناك، في القرى والنجوع وفي ورش الحرفيين البسيطة، وثقتُ كيف يفتك التغير المناخي بأرزاق البشر قبل أجسادهم، كتبتُ عن "الفلاح" الذي يرى محصوله يذبل تحت موجات حر لم يعهدها، وعن "العامل" الذي يصهر الحديد تحت سقف صفيحي في درجة حرارة بلغت الخمسين، هؤلاء هم ضحايا "عدم العدالة المناخية" الذين قررتُ أن أكون صوتهم، محولةً معاناتهم من مجرد أنين صامت إلى قضايا رأي عام تطالب بالحماية والتكيف.

 

العاشر من رمضان نموذج التغيير

في مسيرتي، شغلت مدينة "العاشر من رمضان" حيزاً كبيراً من اهتمامي. راقبتُ تحولها من قلعة صناعية صامتة إلى مدينة تحاول التصالح مع بيئتها. تابعتُ عن كثب كيف يمكن لقرار إداري واعٍ مثل قرارات المهندس علاء عبد اللاهأن يحول "استياءً" من قطع شجرة "فيكس" إلى "احتفاءً" بزهور "البونسيانا". هذه التفاصيل هي التي صقلت خبرتي، فالمحرر البيئي ليس ناقلاً للخبر، بل هو "جسر" يربط بين غضب المواطن ورؤية المسؤول، فمن صدمة "الفيكس" إلى أمل "البونسيانا"وحتى اليوم، لم يتغير الشغف، ففي مدينة العاشر من رمضان، كانت معركتي من أجل "النسق الحضاري" مستمرة، لتنمية حراس البيئة من النساء والباعة الجائلين وارتضيت ان اكون صوتهم حتى جاء المهندس علاء عبد اللاه رئيس جهاز تنمية المدينة وكان صاحب البصمة التنفيذية فى حلم ظل لسنوات مجمد بفعل البيروقراطية ليعمل تحويل المسار بقضايا التنمية، فمن "رداء البونسيانا" لاسواق حضارية للباعة، كانت معركة صغيرة في تفاصيلها، لكنها كبيرة في دلالاتها، فهي تعني أن صوت الناس في ملف البيئةوالتنمية بات مسموعاً.

 

الرحلة مستمرة و القلم لن يجف

بعد 16 عاماً، أدركتُ أن الصحافة البيئية هي "معركة وعي" في المقام الأول، ولن أتوقف عن رصد تأثير المناخ على أجساد البسطاء، فبعد عقد ونصف، لا أشعر بالتعب، بل أشعر بمسؤولية أكبر. يوم البيئة الوطني 2026 ليس مجرد ذكرى، بل هو محطة لمراجعة ما قدمناه، سأظل أكتب، لا لأسرد وقائع، بل لأصنع "أثراً أخضر" يبقى شاهداً على أن هناك مَن حارب لتبقى مصر خضراء، ولتبقى أجساد أهلها في مأمن من ضغط الزمان والمناخ، إن "أطلس مصر الأخضر" الذي طفتُ بين صفحاته طيلة هذه السنوات، ما زال يضم صفحات بيضاء تنتظر مَن يكتبها، ويوم البيئة الوطني 2026 هو وقفة لاستكمال الطريق، وسأظل أحمل قلمي، أبحث عن "نادية" في مطبخها، و"عم أحمد" في مصنعه، والمهندس المسؤول في مكتبه، لأحكي حكاية الأرض التي نحبها، والبيئة التي نحميها.. ليس من أجلنا، بل من أجل أولئك الذين لم يولدوا بعد.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة