ليلة سقوط "إمبراطورية الدم".. هكذا شاهد "الطفل" محمود عزت ذبح أحلام الجماعة تحت أقدام ناصر!
نواصل معكم الغوص في أعماق دهاليز جماعة الإخوان، لنكشف الستار عن "رأس الأفعى" وثعلب التنظيم المحير، محمود عزت.
في هذه الحلقة، نعود بالزمن إلى الوراء، وتحديداً حينما كان هذا "القطب التنظيمي" يتحسس خطاه الأولى وهو لم يتخطَ بعد عتبة العاشرة من عمره، لم تكن طفولة عزت عادية، بل كانت طفولة مغموسة في حبر "السرية" منذ أن التحق بلجنة الأشبال، لتبدأ عملية غسيل مخ مبكرة، وصناعة كادر سيتحول فيما بعد إلى المحرك الخفي لأخطر مؤامرات الجماعة ضد الدولة المصرية.
وصل قطار العمر بـ "محمود عزت" إلى عامه العاشر في سنة 1954، وهو العام الذي يصفه المؤرخون والسياسيون بأنه الأكثر دراماتيكية وصخباً في تاريخ مصر الحديث، لم تكن سنة عادية، بل كانت نقطة التحول الكبرى التي أنهت مرحلة "السيولة السياسية" التي تلت ثورة يوليو 1952، وأعلنت بداية "عصر الصدام الصدري" والنهائي بين مجلس قيادة الثورة وجماعة الإخوان.
في هذا الجو المشحون، وبينما كان أقرانه يلهون في الشوارع، كان الطفل محمود عزت يرقب بعينيه الصغيرتين تحول الخلاف المكتوم إلى صراع وجودي مفتوح، انتهى بواحدة من أشهر وأخطر حوادث الاغتيال السياسي في القرن العشرين.
بينما كان محمود عزت يتربى داخل "حضانة الإخوان" ككادر مستقبلي، كانت الجماعة تعاني من حالة من التخبط التنظيمي والسياسي غير المسبوق، كان الانقسام يضرب أروقة مكتب الإرشاد؛ فبينما كان بعض القادة يمنون أنفسهم بأنهم "الشركاء الشرعيون" للثورة وأصحاب الحق في توجيه دفة الحكم، كان الزعيم جمال عبد الناصر قد قرأ المشهد بذكاء وقوة، واتخذ قراره التاريخي بضرورة إنهاء وجود أي قوى موازية لسلطة الدولة المركزية.
وفي يناير من ذلك العام، صدر القرار الرسمي بحل الجماعة واعتبارها حزباً سياسياً يسري عليه قرار حل الأحزاب، لتبدأ أولى موجات الاعتقالات الكبرى التي لم ترحم أحداً، وطالت المرشد العام حسن الهضيبي وكبار رجال التنظيم، وهو ما شاهده عزت الطفل الذي بدأ يدرك منذ نعومة أظفاره أن طريقه مع هذه الجماعة لن يكون مفروشاً بالورود، بل بالسجون والمواجهات بسبب رغبتها المستمرة في الدم.
كبر عزت ووصل إلى سن الثانية عشرة، وهو السن الذي يبدأ فيه الطفل بتكوين قناعاته، لكن قناعات عزت كانت تُبنى وسط دخان الرصاص، كانت "نقطة الانفجار" التي هزت كيان الدولة والجماعة معاً هي حادثة المنشية في 26 أكتوبر 1954.
في تلك اللحظة الفارقة، وبينما كان عبد الناصر يخطب في الجماهير بالإسكندرية احتفالاً بجلاء الإنجليز، انطلقت رصاصات الغدر من مسدس السباك الإخواني "محمود عبد اللطيف". ثماني رصاصات كانت كفيلة بتغيير وجه التاريخ، لكن ناصر نجا بأعجوبة، لتتحول تلك اللحظة إلى "ميلاد جديد" للزعيم القومي، وفي المقابل كانت "رصاصة الرحمة" التي أطلقتها الجماعة على نفسها وعلى شرعية وجودها في الشارع المصري.
شاهد الطفل محمود عزت، وهو يتشرب أدبيات الجماعة، حالة التناقض الصارخة التي سقطت فيها القيادات، فبينما حاولت القيادة الرسمية التملص من الجريمة ونفي تورطها، واصفةً إياها بـ "العمل الفردي"، جاءت تحقيقات "محكمة الشعب" لتكشف المستور وتبين تورط "الجهاز السري" للجماعة في تخطيط دقيق للاغتيال بهدف الانقضاض على الحكم.
هذا الحادث لم يكن مجرد فشل في عملية اغتيال، بل كان الذريعة والمناسبة التي مكنت نظام عبد الناصر من شن حملة تطهير واسعة وشاملة، أسفرت عن إعدام رؤوس الفتنة وقادة الجماعة الكبار، أمثال عبد القادر عودة ومحمد فرغلي، والزج بالكوادر في السجون، ليعيش محمود عزت "حسرة الجماعة" وهي في حالة انهيار كامل وشامل.
فقدت الجماعة الإرهابية في ذلك العام غطاءها القانوني تماماً، وتمت مصادرة ممتلكاتها، وضُربت بنيتها التنظيمية في مقتل، لتتحول من ذلك التاريخ إلى "العدو التاريخي" للجمهورية. لقد كان عام 1954 هو المختبر الأول الذي صهر شخصية محمود عزت، حيث رأى كيف يمكن للتنظيم أن يختبئ تحت الأرض عندما تشتد العواصف.
ومن هنا تعلم "الثعلب" فنون العمل السري والكمون، وهي العباءة التي لم يخرج منها هو ولا جماعته إلا بعد عقود طويلة، ظلت خلالها ذكريات "سحق" الجماعة في الخمسينيات هي المحرك الأساسي لحقده الدفين على الدولة المصرية ومؤسساتها، وهو الحقد الذي ترجمه لاحقاً في كل العمليات التخريبية التي قادها من خلف الستار.
إن محمود عزت لم يكن سوى نبتة شيطانية نبتت وسط أنقاض عام 1954، ليتعلم كيف يلدغ الدولة في مقتل وهو مختبئ في جحره، تماماً كما تفعل الأفاعي.
