هبة مصطفى تكتب: مغالطات منطقية

الثلاثاء، 27 يناير 2026 05:18 م
هبة مصطفى تكتب: مغالطات منطقية هبة مصطفى

عزيزي القارئ احذر وتمهل، ففي زمن المشوار السريع، والرأي الذي يفرض نفسه بالثقة أكثر من الدليل، نحن في زمن المغالطات المنطقية، فهي أخطر من الكذب الصريح، لأنها تحوي في طياتها أخطاء في التفكير أو في بناء الحجة، وللأسف يرتدي الكلام فيها أبهى رداء الإقناع، مغلفا بأخبث أنواع الذكاء الذي يحمل على عاتقه التضليل الفكري، والخطورة تكمن هنا في عدم المواجهة المباشرة للعقل الإنساني، بل ترتكز أكثر على العاطفة والإحساس وما شابه ذلك، دون دليل أو برهان. وهي أحدث الحروب الدولية الآن، والتي يستخدمها العدو الداخلي والخارجي ليصل إلى مآربه دون إراقة قطرة دم واحدة، وتكاليف صفر.

وعلى الرغم من ذلك نجد أن المغالطات المنطقية أصبحت أسلوب إدارة وأداة ناعمة للتحكم في الأداء البشري، لتحويل الحقائق إلى زيف، والأغرب الموافقة على هذا، لذا نجد أنها لا تقتصر على كلام، وليست مجرد خطأ عابر.

عزيزي القارئ، المغالطات تجعل الواقع يبدو منطقيا، متماسكا، وذكيا، بينما هو في جوهره يعتمد على العاطفة، أو بالأحرى التأييد الروحي، لا على الدليل أو التحليل.

ومن هنا نجد سؤالا يطرح نفسه: كيف تبدأ المغالطة؟

يبدأ هذا السلاح الإنساني دائما من مكان مألوف: حادثة فردية تتحول إلى حكم شامل، سؤال مشروع يتحول إلى تشكيك في النوايا، نقد مهني يصور كعداء، وصمت يسوق كإجماع.

هنا لا نكون أمام نقاش، بل أمام إدارة وعي صامتة، تتسلل تدريجيا إلى وعي الناس، وتشكل تصورهم عن الحقيقة دون أن يشعروا.

ومن أبرز المغالطات التعميم المتسرع، فهو خطأ شخص واحد يتحول إلى حكم على مؤسسة أو قطاع أو فئة كاملة، ليس بحثا عن الإصلاح، بل كسرا للثقة وتشويها للصورة العامة.

وصورة أخرى هي الشخصنة، حين تفشل الحجج لا يناقش الرأي نفسه، بل يهاجم صاحبه، وتشوه السمعة، وكأن إسقاط الشخص يكفي لإسقاط الحقيقة.

ودائما نلجأ إلى الاحتكام إلى العاطفة، التي تدغدغ المشاعر، كشعارات وطنية أو دينية، وأحيانا اجتماعية في المجال الأسري أو العملي، تستخدم لتسكين العقل لا لتحفيزه. كلمات كبيرة غالبا ما تستثمر لإغلاق النقاش بدلا من فتحه، وهو المطلوب.

ومن أخطر المغالطات مغالطة المنصب، فيطلب منك التصديق لأن صاحب الرأي منصبه كبير، لا لأن الرأي نفسه منطقي أو مدعوم بالحقائق. المنصب لا يصنع الحقيقة، والدولة لا تقوم على الأفراد، بل على القواعد والمبادئ.
وهذا مخالف تماما لما تقوم به مصر الجديدة، التي أكدت عليها القيادة السياسية: دولة كفاءة لا مجاملة، وكل شخص يبذل جهده من أجل مصر، والكل يعمل من أجل الحفاظ على وطن غال فقدته الكثير من الدول الشقيقة التي انجرفت وراء المغالطات الوهمية للأسف الشديد.

وهذا يجرنا إلى نوع يهدم ولا يبني، وهو مغالطة القطيع: الأغلبية تقوم بالفعل، إذن القرار صائب؟ التاريخ يصرخ بأن كثيرا من الأخطاء الكبرى ارتكبتها الأغلبية في صمت، كان أشهرها ما حدث من الإخوان، وأخطرها ما يحدث في بيئة العمل، والمتمثل في منظومة الشلة ما دامت المصلحة واحدة.

ومن هنا نجد أن هناك عوامل يجب النظر إليها في إدارة الأزمات، يتمثل أولها في السبب الزائف، وهو قرار يتبع بحدث سلبي، فيربط الحدث بالقرار فورا دون دراسة السياق أو تحليل الأسباب، وكأن كل نتيجة سلبية سببها قرار واحد فقط.

ورجل القش، وهو من يطالب بالإصلاح من خلال النقد، وأحيانا لا توجد أفكار إيجابية تناقش أصلا، أو لا تناقش الفكرة كما هي، بل كما يراد لها أن تشوه.

وكذلك المنحدر الزلق، حيث تضخم كل خطوة صغيرة نحو التغيير أو التصحيح ككارثة محتملة، ويصور كل تعديل كتهديد وجودي، فيصبح الخوف بديلا عن التفكير العقلاني والتحليل الواقعي.

لذا فإن دور الدولة الواعية أن تحمي المنطق والحقيقة، أن تكرس الكفاءة بدل الولاء، والمحاسبة بدل التبرير، والمعلومة بدل الإشاعة. فالدولة التي تسمح بتزييف المنطق تخسر ثقة الناس قبل أن تخسر أي معركة.

وهنا يظهر دور الإعلام، إما حارس عقل، أو ممرا مفتوحا للمغالطات. فحين يساوي بين الرأي والمعلومة، ويطارد الإثارة بدل الحقيقة، ويرفع الصوت دون تقديم دليل، فهو لا ينقل الواقع بل يشوهه.

لذا نجد أن الإعلام الوطني الحقيقي ليس صوت الدولة، بل ضميرها العاقل، الذي يقف مع العقل والمنطق، لا مع الضجيج والخوف.

ويأتي دور التعليم، الذي لا يقتصر على حفظ المعلومات، بل يعلم كيف نفكر، وكيف نحلل، وكيف نميز الحقيقة من التضليل. فالطالب الذي لا يتعلم السؤال ولا التحليل، يكبر تابعا لا منتجا واعيا. الوعي لا يلقن، بل يبنى خطوة خطوة، مع كل تجربة وكل سؤال.

ومن أخطر المغالطات تلك التي اتخذت طابعا عقائديا، مسلما أو غير ذلك، وكأن الدين كان يوما خصما للعقل، بينما الحقيقة أنه كان دائما داعيا للتحرر من الوهم. فالدعوة الحقيقية لا تستخدم العاطفة لتكميم السؤال، ولا تبرر الخطأ باسم النص، ولا تصمت أمام الحقيقة، بصرف النظر عن كينونتها.

عزيزي المصري، المغالطات المنطقية ليست مجرد كلام، بل خطر صامت يتسلل تدريجيا إلى وعي الناس، يتحكم، يزيف الحقائق، ويحول النقاش من عقل إلى صراع. أخطر ما في المشهد ليس القرار الخاطئ، بل قبول الناس به دون تفكير أو تقييم للأثر.

وكما علمنا د. مصطفى محمود، فإن العقل نعمة لا تكتمل إلا بالشك المنهجي، لا شك الهدم، بل شك البحث عن الحقيقة، فالعقل الذي لا يسأل يتحول بسهولة إلى أداة في يد الوهم.

ويذكرنا فكر حسن البصري أن الكلمة حين تنفصل عن القيم، تصبح سهما مسموما، قد يقتل المعنى قبل أن يقتل الإنسان.أما البابا شنوده، فقد رسخ قاعدة خالدة "الإيمان الحقيقي لا يخاف السؤال، لأن الحق لا يناقض العقل، بل يقوده".

ومن هنا، حين يستبدل الدليل بالصوت العالي، اعرف أن المغالطة دخلت النقاش، وغلفت بالمنطق ليصبح الباطل مقبولا. فحماية المنطق ليست رفاهية فكرية، بل أمن قومي، وحماية للعقل والمستقبل.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة