من يبحث عن الكتاب يمكن أن يجده، هذا بالنسبة للقارئ الشغوف، الذى تنمو ذائقته فى القراءة بشكل مستمر مع الوقت والعمر وخبرات الكتابة، لكن معرض الكتاب هو مناسبة تتجاوز الكتاب والقراءة إلى المزيد من التفاصيل والمفردات والتفاعلات التى تتجاوز القراءة إلى مشاركة وتفاعل ولقاءات ومناقشات مستمرة، تخلق عالما من البهجة والأنس والحوار الصامت أحيانا والناطق فى كثير من الأحيان.
شاركت هذا العام كمؤلف، لكتاب «شعرة معاوية السادات وخصومه» الذى تمت مناقشته بمشاركة أصدقاء من الكتاب، وهم عماد الدين حسين، ووائل لطفى، وأدار الندوة الصديق الدكتور أحمد إبراهيم الشريف، واستمتعت بالمناقشة والاختلاف والاتفاق، ومناقشات الحضور، من المثقفين.
بدأت علاقتى بمعرض القاهرة للكتاب، منذ نهاية السبعينيات من القرن العشرين، طالبا بالمدرسة أو الجامعة، كنا نحرص على تخصيص يوم أو أيام لزيارة المعرض والتجول بين صالاته، بدأت قارئا أبحث عن كتاب أو ألجأ إلى سور الأزبكية فى معرض مدينة نصر للحصول على الكتاب بأسعار تناسبنى، ومع هذا حرصت كل عام على اقتناء الكتب الجديدة، التى نعرف عنها من الصحف والكتابات والنقد أو التفاعل وهى مهمة اتسعت حاليا لتمتد إلى مواقع التواصل بجانب الصحف والمواقع.
بدأ المعرض فى الجزيرة مكان الأوبرا الحالية، قبل أن ينتقل إلى مكانه التالى فى مدينة نصر، بمحطة المعرض، ثم أخيرا يستقر فى أرض المعارض فى التجمع، وفى كل الأحوال كانت الدولة تخصص أتوبيسات من كل مكان بالقاهرة والجزيرة إلى المعرض، خدمة لم تتوقف ولا تزال مستمرة حتى الآن، وهى ضرورية ومفيدة، وطبعا يواصل طلاب وقراء الأقاليم زيارة المعرض سنويا بتنظيم رحلات للمدارس وهى عادة مهمة، ويفترض أن تكون هناك مؤسسات عامة أو أهلية تستغل هذه المناسبة لتقديم تسهيلات أو فعاليات تشجع الطلاب على زيارة المعرض، فالقراءة وما حولها تمثل رافدا مهما فى بناء الوعى، وإبعاد التعصب والانغلاق الفكرى.
على مدى السنوات الماضية كنت أحل ضيفا على بعض اللقاءات والمناقشات الخاصة بالكتب، كنت مناقشا ومشاركا فى ندوات كتب أو موضوعات من بين أجندة المعرض، وفى كثير من الأحيان يصبح الواحد منا أسير الحنين لأحداث وتفاصيل تعيده إلى الوراء سنوات وربما عقود، فقد ارتبطت بمعرض الكتاب قارئا ثم صحفيا أغطى أنشطة وندوات وجلسات المعرض، طوال أيامه التى كانت تمتد أسبوعين من أسعد الأيام بالرغم من التعب، فقد كنا نبدأ العمل فى الثامنة صباحا ولا ننصرف إلا بعد إغلاق أبوابه، وكانت فرصة لمقابلة المثقفين والكتاب مباشرة أو فى الندوات، وأجريت حوارات مع شعراء وكتاب وروائيين، بل إننى فى نهاية المعرض، كنت ومعى أصدقاء نشعر بالأسى لانتهاء المعرض.
كنا نغطى الندوات والمناقشات ونستفيد منها بجانب التغطية، لأنها كانت تضم كتابا ومفكرين وموضوعات تتعلق بما يدور فى العالم سياسة أو ثقافة، وهناك دورات ساخنة مثل دورة أوائل 1991، التى حلت وسط احتلال العراق للكويت، وبدأت الحرب لإخراج العراق وسط فعاليات المعرض، وفرضت الحرب نفسها، وكانت بدايات نهاية الحرب الباردة وخروج الاتحاد السوفيتى وانفراد الولايات المتحدة بالنفوذ فى العالم، ولن يستوعب من يتابع ما يجرى اليوم، من الرئيس دونالد ترامب، من دون أن يربط هذا مع بدايات التسعينيات من القرن العشرين، خاصة عام 1991، التى كانت نتاجا لحسابات خاطئة للرئيس العراقى الراحل صدام حسين، حيث جرت الحرب بقيادة جورج بوش الأب، وتداعياتها التى لم تتوقف حتى الآن، فقد مرت 12 عاما وغزت الولايات المتحدة بقيادة جورج دبليو بوش «الابن» العراق، بعد عامين من 11 سبتمبر، لتبدأ مرحلة داعش وصولا إلى الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، واستمرار انفراد الولايات المتحدة بالعالم، والذى بدأ باحتلال العراق للكويت فى 2 أغسطس 1990، وهو اليوم الذى لم تتوقف بعده التحولات بالمنطقة حتى الآن.
وقد غطيت عام 1991، وما بعده، وما قبله، حيث كانت الموضوعات التى تفرض نفسها هى العالم وتحولات التكنولوجيا، وكيف أصبح قرية صغيرة، أو لنقل غرفة يشاهد سكانها بعضهم ويتفاعلون معا.. ويظل معرض القاهرة الدولى للكتاب مكانا للقاءات بجانب المشاركات، ومتعة الجولات بين الدور، وبجانب المشاركة بمناقشة كتاب، شاركت فى مناقشة كتب زملاء، ويمثل الوقت ومروره علامات مهمة.
على مدى سنوات كنت بجانب جولات الكتابة ألتقى الكتاب الكبار الراحلين، خيرى شلبى، سعيد الكفراوى، عبدالرحمن الأبنودى، أحمد فؤاد نجم، سيد حجاب، أسامة الباز، لطفى الخولى، فؤاد زكريا، حسن حنفى، وفرج فودة، والذى حضرت مناظرته الشهيرة مع الدكتور محمد عمارة والشيخ الغزالى، وبعدها أفتى جهلاء باغتياله.
كنا نحضر أمسيات شعرية لأحمد عبدالمعطى حجازى، محمود درويش، سميح القاسم، والكاتب الكبير إبراهيم عبدالمجيد ورفيقه الراحل سعيد الكفراوى، كان إبراهيم عبدالمجيد شابا فى عقده الخامس، واليوم يحتفى معرض الكتاب بثمانينية الصديق إبراهيم عبدالمجيد أمد الله عمره، ومنحه المزيد من الإبداع والتوقد.
كل هذا وغيره يتتالى فى الذاكرة، لدى كل من يصافح معرض الكتاب ويلتقى زملاء وكتابا مبدعين يبهجون العالم فى «احتفالية» تشبه المولد، فى بهائها وتفاصيلها. ولحديث المعرض بقية.