عاد قداسة البابا تواضروس الثاني إلى أرض الوطن، مساء السبت، قادمًا من النمسا بعد رحلة علاجية استمرت أسبوعين أُجريت خلالها جراحة ناجحة، في مشهد إنساني وروحي غلبت عليه مشاعر الفرح والاطمئنان بسلامة الأب والراعي. الوصول لم يكن مجرد عودة من رحلة طبية، بل كان لحظة كنسية ووطنية امتزجت فيها مشاعر المحبة بالامتنان، حيث كان في استقبال قداسته بالمقر البابوي عدد كبير من أحبار الكنيسة أعضاء المجمع المقدس، الذين حرصوا على الترحيب به وتبادل التحية معه، قبل أن يتوجهوا جميعًا إلى قاعة الاستقبال في أجواء يغمرها الود والفرح.
أجواء الاستقبال.. محبة صادقة من الآباء والشعب
بدت لحظة الاستقبال كأنها لقاء أسري كبير، يعكس العلاقة الخاصة التي تربط البابا بأبنائه من المطارنة والأساقفة والكهنة والرهبان والراهبات والخدام والشعب. هذه العلاقة التي تجلت بوضوح خلال فترة وجود قداسته خارج البلاد، عبر سيل الاتصالات والرسائل ووسائل التواصل المختلفة التي لم تتوقف للاطمئنان عليه. وقد عبّر البابا عن امتنانه العميق لهذه المشاعر، مؤكدًا أنه لمس محبة حقيقية وصادقة من الجميع.
توضيح الحالة الصحية وفترة النقاهة
وخلال اللقاء مع أحبار الكنيسة، استعرض قداسة البابا تفاصيل المتابعة الصحية التي خضع لها في النمسا، موضحًا أن التدخل الجراحي تم بنجاح، وأن الأطباء نصحوه بالحصول على فترة نقاهة تمتد حتى نهاية شهر فبراير، لضمان التعافي الكامل والعودة التدريجية لممارسة مسؤولياته الرعوية والإدارية. وأكد قداسته أن الصحة نعمة من الله يجب الحفاظ عليها واستثمارها في عمل الخير.
رسائل شكر لقيادات الدولة والرموز الوطنية
ولم تغب الروح الوطنية عن كلمات البابا تواضروس، حيث وجّه الشكر لفخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي على اتصاله الهاتفي للاطمئنان على صحته، كما قدّم الشكر للسيد رئيس الوزراء وعدد من الوزراء، وفضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، وفضيلة المفتي، ورؤساء الهيئات والمؤسسات، وكل الرموز الوطنية التي عبّرت عن محبة خالصة خلال فترة مرضه. هذه اللفتة عكست عمق العلاقات الإنسانية والوطنية التي تربط الكنيسة بمؤسسات الدولة ورموزها.
أول تصريحات بعد الوصول.. كلمات بسيطة بمعانٍ عميقة
في أول كلمات مباشرة له عقب الوصول إلى الكاتدرائية، قال البابا تواضروس: «أشكر ربنا على كل حاجة، وشكرًا على صلواتكم ومحبتكم ليا»، وهي كلمات قصيرة لكنها حملت في طياتها مشاعر الامتنان والرضا. كما وجّه الشكر للأطباء الذين أجروا الجراحة واهتموا بمتابعته الصحية، مشيدًا بمستوى الرعاية الطبية التي تلقاها.
نصائح صحية من واقع تجربة شخصية
اللافت في تصريحات البابا لم يكن فقط الشكر والامتنان، بل تحوّل حديثه سريعًا إلى تقديم نصائح صحية مباشرة لأبنائه وللمصريين عمومًا، مستفيدًا من تجربته الصحية الأخيرة. فقال: «حافظوا على صحتكم وخَلّوا بالكم منها»، محذرًا من الإفراط في تناول المسكنات، مؤكدًا أن بعضها قد يتحول إلى «سموم» عند الاستخدام المفرط.
المياه والمشي.. وصفة يومية للحفاظ على الجسد
وشدد البابا تواضروس على أهمية شرب المياه بكميات كافية يوميًا تتراوح بين 2 إلى 3 لترات، لما لذلك من فوائد كبيرة للجسم، خاصة للكُلى. كما دعا إلى الاهتمام بالمشي والحركة المنتظمة، باعتبارهما من أبسط الوسائل وأكثرها فاعلية في الحفاظ على الصحة العامة.
تنظيم النوم والابتعاد عن السهر
ومن بين النصائح التي حرص البابا على تكرارها، أهمية تنظيم مواعيد النوم والابتعاد عن السهر لفترات طويلة، مؤكدًا أن نمط الحياة الصحي يمثل خط الدفاع الأول ضد كثير من الأمراض، وأن الإنسان مسؤول عن الحفاظ على صحته من خلال سلوكياته اليومية.
رسالة روحية من قلب الخبرة الإنسانية
لم تكن نصائح البابا مجرد إرشادات طبية، بل حملت بُعدًا روحيًا وإنسانيًا، إذ ربط بين الصحة الجسدية والقدرة على خدمة الآخرين وعمل الخير. وقال: «نشكر الله على الصحة التي تعد نعمة يمنحنا الله إياها لكيما نستثمرها في عمل الخير»، في إشارة واضحة إلى أن الحفاظ على الجسد هو جزء من رسالة الإنسان في الحياة.
الكنيسة بين الرعاية الروحية والاهتمام الإنساني
تعكس هذه اللحظات صورة الكنيسة ليس فقط كمؤسسة روحية، بل ككيان إنساني قريب من الناس، يهتم بحياتهم اليومية وصحتهم وسلامتهم. فحديث البابا عن المياه، والمشي، والنوم، والمسكنات، جاء بلغة بسيطة ومباشرة، لكنها تمس تفاصيل الحياة اليومية لكل إنسان.
عودة الأب والراعي.. وطمأنينة للشعب
مثّلت عودة البابا تواضروس إلى القاهرة لحظة طمأنينة كبيرة للأقباط، الذين تابعوا خلال الأيام الماضية أخباره الصحية باهتمام بالغ. ومع ظهوره واطمئنانه عليهم، شعر كثيرون أن الأب عاد إلى بيته وأبنائه، وأن مرحلة القلق قد انتهت لتحل محلها مشاعر الفرح والاطمئنان.
بين المحبة والصحة.. مشهد إنساني متكامل
المشهد الكامل لعودة البابا جمع بين ثلاثة أبعاد واضحة: محبة الكنيسة، وتقدير الدولة، ورسالة الصحة للناس. وهي أبعاد تعكس شخصية البابا تواضروس الذي يحرص دائمًا على الربط بين الروحي والإنساني، وبين الإيمان والحياة اليومية.
دعاء ومحبة
واختتم البابا كلماته بالدعاء: «ربنا يحافظ عليكم جميعًا، ويكون معاكم»، لتبقى هذه العبارة عنوانًا لمرحلة جديدة يبدأها بعد عودته، عنوانها التعافي، والمحبة، والاهتمام بالإنسان.





